الموسوعة العقدية

الفَرعُ التاسِعُ: إخبارُه بالأمورِ الغَيبيَّةِ

قال اللهُ تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: 26، 27].
قال ابنُ زيد: (يُنزِلُ من غَيبِه ما شاء على الأنبياءِ؛ أنزل على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الغيبَ القُرآنَ، وحَدَّثَنا فيه بالغَيبِ بما يَكونُ يومَ القيامةِ) [1018] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (23/352). .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ [هود: 49] .
قال ابنُ جَريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذه القِصَّةُ التي أنبأتُك بها من قِصَّةِ نوحٍ وخَبَرِه وخبرِ قَومِه مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ يقولُ: هي من أخبارِ الغيبِ التي لم تشهَدْها فتعلَمَها، نُوحِيهَا إِلَيْكَ يقولُ: نوحيها إليك نحن فنُعَرِّفُكَها ماَ كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا الوَحيِ الذي نوحيه إليك) [1019] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/ 441). .
وقد كان النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخبِرُ بأخبارٍ مُغَيَّبةٍ وقَعَت في حينِها. ومن ذلك أنَّه أخبر باستِشهادِ قادةِ المُسلِمين الثَّلاثةِ في معركةِ مُؤتةَ، وباستلامِ خالدِ بنِ الوليدِ الرايةَ مِن بَعْدِهم في اليومِ الذي وقع فيه ذلك الحَدَثُ [1020] رواه البخاري (4262) عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)) .
وعندما توفِّيَ النجاشيُّ أخبر بوفاتِه في اليومِ نَفْسِه الذي توفِّيَ فيه [1021] أخرجه البخاري (1245)، ومسلم (951) مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ولفظ البخاري: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلي المصلى، فصف بهم وكبر أربعا)) ، وكذلك عندما مات كِسْرى [1022] أخرجه البخاري (3618)، ومسلم (2918) مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ولفظ مسلم: ((قد مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده. والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)). .
قال ابنُ تَيمِيَّةَ: (آياتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد استوعبت جميعَ أنواعِ الآياتِ الخبريةِ والفِعليَّةِ، وإخبارَه عن الغيبِ الماضي والحاضِرِ والمستقبَلِ بأمورٍ باهرةٍ، لا يوجَدُ مِثْلُها لأحدٍ من النَّبِيِّينَ قَبْلَه، فضلًا عن غير النَّبِيِّينَ. ففي القُرآنِ من إخبارِه عن الغيوبِ شيءٌ كثيرٌ... وكذلك في الأحاديثِ الصَّحيحةِ مِمَّا أخبر بوقوعِه، فكان كما أخبر) [1023] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) (6/ 80). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (قال اللهُ تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 6] أي: أنزله عالمُ الخَفِيَّاتِ، ورَبُّ الأرضِ والسَّمَواتِ، الذي يَعْلَمُ ما كان وما يَكونُ وما لم يَكُنْ لو كان كيف يَكونُ، فإنَّه تعالى أوحى إلى عبدِه ورسولِه النَّبِيِّ الأمِّيِّ الذي كان لا يحسِنُ الكِتابةَ ولا يدريها بالكُلِّيَّةِ، ولا يَعْلَمُ شيئًا من عِلمِ الأوائِلِ، وأخبارِ الماضين، فقَصَّ اللهُ عليه خبَرَ ما كان وما هو كائِنٌ على الوَجهِ الواقِعِ سواءً بسواءٍ، وهو في ذلك يفْصِلُ بين الحَقِّ والباطِلِ الذي اختلفت في إيرادِه جملةُ الكُتُبِ المتقَدِّمةِ، كما قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: 49] ، وقال تعالى: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا [طه: 99 - 101] ، وقال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتاب بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتاب وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48] ، وقال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ * وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [العنكبوت: 48 - 52] ... ففي هذا القُرآنِ مِن الأخبارِ الصَّادِقةِ عن اللهِ ومَلائِكَتِه وعَرْشِه ومخلوقاتِه العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ، كالسَّمَواتِ، والأرَضِينَ، وما بينهما وما فيهنَّ؛ أمورٌ عظيمةٌ كثيرةٌ مُبرهَنةٌ بالأدِلَّةِ القَطعيَّةِ المُرشِدةِ إلى العِلْمِ بذلك من جهةِ العَقلِ الصَّحيحِ، كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء: 89] ، وقال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت: 43] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: 27، 28].
وفي القُرآنِ العظيمِ الإخبارُ عمَّا مضى على الوَجهِ الحَقِّ، وبُرهانُه ما في كُتُبِ أهلِ الكِتابِ من ذلك شاهِدًا له، مع كونِه نزل على رجلٍ أمِّيٍّ لا يعرفُ الكِتابةَ، ولم يعانِ يومًا من الدَّهرِ من علومِ الأوائلِ، ولا أخبارِ الماضين، فلم يَفجَأِ النَّاسَ إلَّا بوحيٍ إليه عمَّا كان من الأخبارِ النَّافعةِ، التي ينبغي أن تُذكَرَ للاعتبارِ بها من أخبارِ الأمَمِ مع الأنبياءِ، وما كان من أمورِهم معهم، وكيف نجَّى اللهُ المُؤمِنين وأهلك الكافِرين، بعبارةٍ لا يستطيعُ بَشَرٌ أن يأتيَ بمِثْلِها أبَدَ الآبِدين ودَهْرَ الدَّاهِرينَ، ففي مكانٍ تُقَصُّ القِصَّةُ مُوجزةً في غايةِ البيانِ والفصاحةِ، وتارةً تُبسَطُ، ولا أحلى ولا أجلى ولا أعلى من ذلك السِّياقِ، حتى كأنَّ التَّاليَ والسَّامِعَ مُشاهِدٌ لِما كان، حاضِرٌ له، مُعايِنٌ للخبرِ بنَفْسِه، كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: 46] وقال تعالى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: 44] ، وقال تعالى في سورة يوسف: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [يوسف: 102-104] إلى أن قال في آخرها: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: 111] ) [1024] يُنظر: ((البداية والنهاية)) (8/ 541-545). .
وقال ابنُ كثير أيضًا: (باب ما أخبر به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الكائناتِ المُستَقبَلةِ في حياتِه وبَعْدَه، فوقعت طِبقَ ما أخبر به سواءً بسواءٍ.
وهذا بابٌ عظيمٌ لا يمكِنُ استقصاءُ جميعِ ما فيه لكثرتِها، ولكِنْ نحن نشيرُ إلى طَرَفٍ منه، وباللهِ المستعانُ، وعليه التكلانُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العزيزِ الحكيمِ، وذلك مُنتَزَعٌ من القُرآنِ ومن الأحاديثِ.
أمَّا القُرآنُ فقال تعالى في سورة المزَّمِّلِ، وهي من أوائِلِ ما نزل بمكَّةَ: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المزمل: 20]، ومعلومٌ أنَّ الجِهادَ لم يُشرَعْ إلَّا بالمدينةِ بعد الهجرةِ.
وقال تعالى في سورةِ اقتربت، وهي مَكِّيَّةٌ: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: 44، 45]، ووقع هذا يومَ بَدرٍ، وقد تلاها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو خارِجٌ من العريشِ، ورماهم بقَبضةٍ مِنَ الحَصباءِ؛ فكان النَّصرُ والظَّفَرُ، وهذا مِصداقُ ذاك.
وقال تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد: 1 - 5]، فأخبر أنَّ عَمَّه عبدَ العُزَّى بنَ عبدِ المُطَّلِبِ الملَّقَبَ بأبي لهبٍ سيدخُلُ النَّارَ هو وامرأتُه، فقَدَّر اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهما ماتا على شِرْكِهما لم يُسلِما، حتى ولا ظاهِرًا، وهذا من دلائِلِ النُّبُوَّةِ الباهِرةِ.
وقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88] ، وقال تعالى في سورة البقرة: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: 23، 24]، فأخبر أنَّ جميعَ الخَليقةِ لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمِثْلِ هذا القُرآنِ في فصاحتِه وبلاغتِه وحلاوتِه، وإحكامِ أحكامِه، وبيانِ حلالِه وحرامِه، وغيرِ ذلك من وجوهِ إعجازِه، لَمَا استطاعوا ذلك، ولَمَا قدروا عليه، ولا على عَشرِ سُوَرٍ منه بل ولا سورةٍ، وأخبر أنَّهم لن يفعلوا ذلك أبدًا، و«لن» لنَفيِ التأبيدِ في المُستقبَلِ، ومِثلُ هذا التحَدِّي، وهذا القَطْعِ، وهذا الإخبارِ الجازمِ، لا يصدُرُ إلَّا عن واثقٍ بما يُخبِرُ به، عالمٍ بما يقولُه، قاطعٍ بأنَّ أحدًا لا يمكِنُه أن يعارِضَه، ولا يأتيَ بمثلِ ما جاء به عن رَبِّه عَزَّ وجَلَّ.
وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا الآية [النور: 55]. وهكذا وقع سواءً بسواءٍ؛ مكَّن اللهُ هذا الدِّينَ وأظهره وأعلاه ونشَرَه في سائِرِ الآفاقِ، وأنفَذَه وأمضاه، وقد فسَّر كثيرٌ مِنَ السَّلَفِ هذه الآيةَ بخِلافةِ الصِّدِّيقِ، ولا شَكَّ في دخولِه فيها، ولكن لا تختصُّ به، بل تعُمُّه كما تعُمُّ غيرَه، كما ثبت في الصَّحيحِ: ((إذا هلك قَيصَرُ فلا قَيصَرَ بَعْدَه، وإذا هلك كِسْرى فلا كِسْرى بعده، والذي نفسي بيَدِه لَتُنفَقَنَّ كُنوزُهما في سبيلِ اللهِ )) [1025] أخرجه البخاري (3618)، ومسلم (2918) باختلافٍ يسيرٍ مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ، وقد كان ذلك في زَمَنِ الخُلَفاءِ الثلاثةِ؛ أبي بكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ، رَضِيَ اللهُ عنهم وأرضاهم.
وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 33] ، وهكذا وقع، وعَمَّ هذا الدِّينُ، وغلب وعلا على سائرِ الأديانِ في مشارِقِ الأرضِ ومَغاربِها، وعَلَت كَلِمَتُه في زَمَنِ الصَّحابةِ ومن بعدهم، وذلت لهم سائِرُ البلادِ، ودان لهم جميعُ أهلِها على اختلافِ أصنافِهم، وصار النَّاسُ إمَّا مُؤمِنًا داخلًا في الدِّينِ، وإمَّا مهادِنًا باذِلًا الطَّاعةَ والمالَ، وإمَّا محارِبًا خائفًا وَجِلًا من سطوةِ الإسلامِ وأهلِه. وقد ثبت في الحديثِ: ((إنَّ اللهَ زوى لي الأرضَ مَشارِقَها ومغارِبَها، وسيبلُغُ مُلكُ أمَّتي ما زُوِيَ لي منها )) [1026] أخرجه مسلم (2889) مُطَوَّلًا باختلافٍ يسيرٍ مِن حَديثِ ثوبان رَضِيَ اللهُ عنه. .
وقال تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: 16]، وسواءٌ كان هؤلاء هم هوازنَ، أو أصحابَ مُسيلِمةَ، أو الرُّومَ، فقد وقع ذلك.
وقال تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الفتح: 20، 21]، وسواءٌ كانت هذه الأخرى خيبَرَ أو مكَّةَ، فقد فُتِحَت وأُخِذَت كما وقع به الوَعدُ سواءً بسَواءٍ.
وقال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: 27]، فكان هذا الوَعدُ في سَنةِ الحُدَيبيَةِ عامَ سِتٍّ، ووقع إنجازُه في سنةِ سَبعٍ عامَ عُمرةِ القَضاءِ...
وقال تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ الآية [التوبة: 95] ، وهكذا وقع لَمَّا رجع صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من غزوةِ تَبُوكَ كان قد تخلَّف عنه طائفةٌ من المنافِقين، فجعلوا يحلِفون باللهِ لقد كانوا معذورين في تخَلُّفِهم، وهم في ذلك كاذبون، فأمر اللهُ رسولَه أن يُجرِيَ أحوالهم على ظاهِرِها، ولا يفضحَهَم عند النَّاسِ، وقد أطلعه اللهُ على أعيانِ جماعةٍ منهم أربعةَ عَشَرَ رَجُلًا، كما قدَّمنا ذلك في غزوةِ تَبُوكَ، فكان حُذَيفةُ بنُ اليَمَانِ ممَّن يَعرِفُهم بتعريفِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إيَّاه.
وقال تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 76] ، وهكذا وقع لَمَّا اشتوَرُوا عليه لِيُثبِتُوه أو يَقتُلوه أو يُخرِجوه من بينِ أظهُرِهم، ثُمَّ وقع الرأيُ على القَتلِ، فعند ذلك أمر اللهُ رَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالخروجِ من بين أظهُرِهم، فخرج هو وصديقُه أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فكَمَنا في غارِ ثورٍ ثلاثًا، ثُمَّ ارتحلا بعدها، كما قَدَّمْنا، وهذا هو المرادُ بقَولِه: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 40] ، وهو المرادُ من قَولِه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: 30] ؛ ولهذا قال: وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 76] ، وقد وقع كما أخبر؛ فإنَّ الملأَ الذين اشتوروا على ذلك لم يَلْبَثوا بمكَّةَ بعد هِجْرَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا ريثما استقَرَّ ركابُه الشَّريفُ بالمدينةِ وتابعه المهاجِرون والأنصارُ، ثُمَّ كانت وقعةُ بَدرٍ فقُتِلَت تلك النُّفوسُ، وكُسِرَت تلك الرُّؤوسُ...
وقال تعالى: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 1 - 6] . وهذا الوعدُ وقع كما أخبر به، وذلك أنَّه لَمَّا غلبت فارِسُ الرُّومَ فرح المشركون، واغتمَّ بذلك المُؤمِنون؛ لأنَّ النصارى أقرَبُ إلى الإسلامِ من المجوسِ، فأخبر اللهُ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّ الرُّومَ ستَغلِبُ الفُرسَ بعد هذه المدَّةِ ببِضْعِ سِنينَ، وكان من أمرِ مُراهنةِ الصِّدِّيقِ رُؤوسَ المُشرِكين على أنَّ ذلك سيقَعُ في هذه المدَّةِ ما هو مشهورٌ كما قرَّرْناه في كِتابِنا التفسيرِ، فوقع الأمرُ كما أخبر به القُرآنُ: غَلَبَت الرُّومُ فارِسَ بعد غَلَبِهم غَلَبًا عظيمًا جِدًّا...
وقال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53] ، وكذلك وقع؛ أظهر اللهُ من آياتِه ودلائِلِه في أنفُسِ البَشَرِ وفي الآفاقِ بما أوقعه من النَّاسِ بأعداءِ النُّبُوَّةِ ومخالِفِي الشَّرعِ ممَّن كذَّب به من أهلِ الكِتابَينِ والمجوسِ والمُشرِكين: ما دلَّ ذوي البصائِرِ والنُّهى على أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ حَقًّا، وأنَّ ما جاء به من الوَحيِ عن اللهِ صِدْقٌ) [1027] يُنظر: ((البداية والنهاية)) (9/ 114-121). .

انظر أيضا: