الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الثَّاني: الكَمالُ في الأخلاقِ

بلغ الأنبياءُ والرُّسُلُ عليهم السَّلامُ في هذا الشَّأنِ مَبلغًا عظيمًا، وأثنى اللهُ تعالى عليهم بذلك.
قال اللهُ تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود: 75] .
وقالت ابنةُ العبدِ الصَّالحِ في مَدْينَ تَصِفُ موسى عليه السَّلامُ: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: 26] .
وقال اللهُ سُبحانَه عن إسماعيلَ عليه السَّلامُ: وَاذْكُرْ فِي الْكِتاب إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم: 54] .
وقال اللهُ تعالى لمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4].
ومِن خُلُقِه الكريمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي نوَّه اللهُ به: ما جَبَله عليه من الرَّحمةِ والرَّأفةِ.
قال اللهُ تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128] .
وقد كان لهذه الأخلاقِ أثرٌ كبيرٌ في هدايةِ النَّاسِ وتربيَتِهم.
ومن ذلك ما قاله صَفوانُ بنُ أمَيَّةَ: (واللهِ لقد أعطاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أعطاني وإنَّه لأبغَضُ النَّاسِ إليَّ، فما بَرِح يُعطيني حتى إنَّه لأحَبُّ النَّاسِ إليَّ!) [814] رواه مسلم (2313). .
وعن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه ((أنَّ رجلًا سأل النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غنمًا بين جبلَينِ فأعطاه إيَّاه، فأتى قَومَه فقال: أيْ قَومِ، أسلِموا، فوالله إنَّ مُحَمَّدًا ليعطي عطاءً، ما يَخافُ الفَقَرَ! )) [815] رواه مسلم (2312). .
ولو لم يتَّصِفِ الأنبياءُ والرُّسُلُ عليهم السَّلامُ بهذا الكمالِ الذي حباهم اللهُ به لما انقاد النَّاسُ إليهم؛ ذلك أنَّ النَّاسَ لا ينقادون عن رضًا واختيارٍ لمن كَثُرت نقائِصُه، وقَلَّت فضائِلُه.
قال ابنُ كثيرٍ: (قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ الآية [الشعراء:221، 222]. وهذا بخِلافِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ؛ فإنَّهم في غايةِ البِرِّ والصِّدْقِ والرُّشدِ والاستقامةِ والعَدْلِ فيما يقولونه ويفعلونه ويَأمُرُون به وينهَون عنه، مع ما يُؤَيَّدُون به من الخوارقِ للعاداتِ، والأدِلَّةِ الواضِحاتِ، والبراهينِ الباهِراتِ، فَصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم دائِمًا مُستَمِرًّا ما دامت الأرضُ والسَّمَواتُ) [816] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/431). .

انظر أيضا: