الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الخامِسُ: إنزالُهم مَنزِلَتَهَم دونَ غُلُوٍّ أو جَفاءٍ

قال اللهُ تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء: 171] .
قال ابنُ قاسم: (أي: لا تتعَدَّوا ما حَدَّ اللهُ لكم، ولا ترفعوا المخلوقَ عن منزلتِه التي أنزله اللهُ، وأهلُ الكِتابِ هنا هم اليَهودُ والنَّصارى، والغُلُوُّ كثيرٌ في النصارى؛ فإنَّهم غَلَوا في عيسى فنَقَلوه من حَيِّزِ النُّبُوَّةِ إلى أن اتَّخَذوه إلهًا من دونِ اللهِ، واليهودُ تَنَقَّصوه فحَطُّوه من منزلتِه، حتى جعلوه ولدَ بَغِيٍّ! فالنَّصارى أفرطوا، واليهودُ فَرَّطوا، والخطابُ وإن كان لأهلِ الكِتابِ، فهو تحذيرٌ لهذه الأُمَّة أن يفعلوا مع نبيِّهم ما فعلت النصارى مع المسيحِ، واليهودُ مع العُزَيرِ. قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ [الحديد: 16]، ومن تشَبَّه بهم من هذه الأُمَّةِ وغلا في الدِّينِ بإفراطٍ أو تفريطٍ، فهو منهم) [436] يُنظر: ((حاشية كتاب التوحيد)) (ص: 146). .
وعن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تُطْرُوني كما أطْرَتِ النَّصارى ابنَ مَريمَ، فإنَّما أنا عَبدُه؛ فقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه )) [437] أخرجه البخاري (3445). .
قال ابنُ بَطَّالٍ: (أي: لا تَصِفُوني بما ليس لي من الصِّفاتِ تَلتَمِسون بذلك مَدْحي، كما وصَفَت النصارى عيسى لِما لم يَكُنْ فيه، فنسبوه إلى أنَّه ابنُ اللهِ، فكفروا بذلك وضلُّوا... وفي هذا من الفقهِ أنَّ من رفع امرأً فوق حَدِّه وتجاوز به مقدارَه بما ليس فيه، فمُعتَدٍ آثِمٌ؛ لأنَّ ذلك لو جاز في أحَدٍ لكان أولى الخَلقِ بذلك رسولَ اللهِ، ولكِنَّ الواجِبَ أن يُقصَرَ كُلُّ أحدٍ على ما أعطاه اللهُ مِن منزلتِه، ولا يُعَدَّى به إلى غيرِها من غيرِ قَطعٍ عليها) [438] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) (9/254). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (قوله: ((إنما أنا عبدٌ)): أي: ليس لي حَقٌّ من الرُّبُوبيَّةِ ولا مِمَّا يختَصُّ به اللهُ عَزَّ وجَلَّ أبدًا. قَولُه: «فقولوا: ((عبدُ اللهِ ورَسولُه))»: هذان الوَصفانِ أصْدَقُ وَصفٍ وأشرَفُه في الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فأشرَفُ وَصفٍ للإنسانِ أن يَكونَ من عبادِ اللهِ، قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، وقال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ؛ فوصفهم اللهُ بالعُبُوديَّةِ قبل الرِّسالةِ مع أنَّ الرِّسالةَ شَرَفٌ عَظيمٌ، لكِنْ كَونُهم عبادًا للهِ عَزَّ وجَلَّ أشرَفُ وأعظَمُ، وأشرَفُ وَصفٍ له وأحَقُّ وَصفٍ به... فمُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عبدٌ لا يُعبَدُ، ورَسولٌ لا يُكَذَّبُ... واعلَمْ أنَّ الحقوقَ ثلاثةُ أقسامٍ، وهي:
الأوَّلُ: حَقٌّ للهِ لا يُشرَكُ فيه غيرُه: لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبيٌّ مُرْسَلٌ، وهو ما يختَصُّ به من الرُّبُوبيَّةِ والألوهيَّةِ والأسماءِ والصِّفاتِ.
الثَّاني: حَقٌّ خاصٌّ للرُّسُلِ، وهو إعانَتُهم وتوقيرُهم وتبجيلُهم بما يستحِقُّون.
الثَّالِثُ: حَقٌّ مُشتَرَكٌ، وهو الإيمانُ باللهِ ورُسُلِه، وهذه الحقوقُ موجودةٌ في الآيةِ الكريمةِ، وهي قَولُه تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فهذا حقٌّ مُشتَرَكٌ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ هذا خاصٌّ بالرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [439] وهذا على قَولِ بَعضِ المفَسِّرينَ. ، وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هذا خاصٌّ باللهِ سُبحانَه وتعالى) [440] يُنظر: ((القول المفيد)) (1/370). .

انظر أيضا: