الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الثَّاني: الإيمانُ بأنَّ للهِ تعالى رُسُلًا وأنبياءَ سِوى من ذَكَر أسماءَهم في كِتابِه

قال اللهُ تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78].
قال ابنُ كَثيرٍ: (أي: منهم من أوحينا إليك خبَرَهم وقَصَصَهم مع قومِهم كيف كَذَّبوهم، ثمَّ كانت للرُّسُلِ العاقِبةُ والنُّصرةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وهم أكثَرُ ممَّن ذُكِرَ بأضعافِ أضعافٍ) [404] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/ 158). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء: 164] .
قال ابنُ عَطِيَّةَ: (قَولُه تعالى: وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ يقتضي كثرةَ الأنبياءِ دونَ تحديدٍ بعَدَدٍ، وقد قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: 24] ، وقال تعالى: وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفَرْقان: 38]، وما يُذكَرُ مِن عَدَدِ الأنبياء فغيرُ صَحيحٍ. اللهُ أعلَمُ بعِدَّتِهم، صلَّى اللهُ عليهم) [405] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/137).  .
قال محمَّدُ بنُ نَصرٍ المَرْوزيُّ في تفسيرِ حَديثِ جِبريلَ عليه السَّلامُ في أركانِ الإيمانِ: (أمَّا قَولُه: «ورُسُله» فأن تُؤمِنَ بمن سَمَّى اللهُ في كِتابِه من رُسُلِه، وتؤمِنَ بأنَّ لله سِواهم رُسُلًا وأنبياءَ، لا يَعلَمُ أسماءَهم إلَّا الذي أرسَلَهم) [406] يُنظر: ((تعظيم قدر الصلاة)) (1/393). .
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (أمَّا الأنبياءُ والمُرسَلون، فعلينا الإيمانُ بمن سَمَّى اللهُ تعالى في كِتابِه مِن رُسُلِه، والإيمانُ بأنَّ اللهَ تعالى أرسل رُسُلًا سِواهم وأنبياءَ، لا يَعلَمُ أسماءَهم وعَدَدَهم إلَّا اللهُ تعالى الذي أرسلهم، فعلينا الإيمانُ بهم جملةً؛ لأنَّه لم يأتِ في عَدَدِهم نَصٌّ) [407] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/423). .
وقال محمَّدُ خليل هرَّاس: (أمَّا من عدا هؤلاء من الرُّسُلِ والأنبياءِ؛ فنُؤمِنُ بهم إجمالًا على معنى الاعتقادِ بنُبُوَّتِهم ورسالتِهم، دون أن نُكَلِّفَ أنفُسَنا البَحثَ عن عِدَّتِهم وأسمائِهم، فإنَّ ذلك مِمَّا اختَصَّ اللهُ بعِلْمِه) [408] يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (ص: 63). .
وذلك يقتضي الإيمانَ برُسُلِ اللهِ جَميعًا
قال اللهُ تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليه مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 285] .
قال القُرطُبيُّ: (يعني: يقولون: آمَنَّا بجَميعِ الرُّسُلِ، ولا نَكفُرُ بأحَدٍ منهم، ولا نُفَرِّقُ بينهم كما فرَّقت اليَهودُ والنَّصارى) [409] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (3/ 425). .
فمن كذَّب بواحدٍ منهم فقد كفر باللهِ تعالى، وكَذَّب جميعَ رُسُلِه عليهم السَّلامُ.
قال اللهُ تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 105] .
قال الشَّوكانيُّ: (أوقع التكذيبَ على المُرسَلين، وهم لم يُكَذِّبوا إلَّا الرَّسولَ المُرسَلَ إليهم؛ لأنَّ من كذَّب رسولًا فقد كذَّب الرُّسُلَ؛ لأنَّ كُلَّ رسولٍ يأمُرُ بتصديقِ غيرِه من الرُّسُلِ) [410] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/ 126). .
وقال السَّعْديُّ: (جَعَل تكذيبَ نُوحٍ كتكذيبِ جميعِ المُرسَلين؛ لأنَّهم كُلَّهم اتَّفَقوا على دعوةٍ واحدةٍ، وأخبارٍ واحدةٍ، فتكذيبُ أحَدِهم تكذيبٌ بجميعِ ما جاؤوا به من الحَقِّ) [411] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 594). .
ومِثلُ ذلك قَولُ اللهِ سُبحانَه: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 123] .
وقَولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 141] .
وقَولُ اللهِ تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 160] .
قال ابنُ تَيمِيَّةَ: (كلٌّ مِن هؤلاء إنما جاءه رسولٌ واحِدٌ، ولكِنْ كانوا مُكَذِّبين بجِنسِ الرُّسُلِ لم يَكُنْ تكذيبُهم بالواحدِ بخُصوصِه) [412] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (9/ 238). .
وقال اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء:150 – 152].
قال البيهقيُّ: (في هذه الآيةِ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ جعل الكُفرَ ببَعضِ رُسُلِه كُفرًا بجميعِهم، ثم جعل الكُفرَ بجَميعِهم كُفرًا به، وقال بعد ذلك: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ الآية، فثبت أنَّ حُسنَ المآبِ إنما يَكونُ لِمَن لم يُفَرِّقْ بين رُسُلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وآمَنَ بجماعتِهم) [413] يُنظر: ((شعب الإيمان)) (1/ 272). .
وقال القُرطُبيُّ: (نصَّ سُبحانَه على أنَّ التفريقَ بين اللهِ ورُسُلِه كُفرٌ، وإنَّما كان كُفرًا؛ لأنَّ اللهَ فَرَض على النَّاسِ أن يَعبُدوه بما شرعه على ألسِنةِ الرُّسُلِ، فإذا جَحَدوا الرُّسُلَ رَدُّوا عليهم شرائِعَهم، ولم يَقبَلوها منهم، فكانوا ممتَنِعين من التزامِ العُبُوديَّةِ التي أُمِروا بالتزامِها، فكان كجَحدِ الصَّانعِ سُبحانَه، وجَحْدُ الصَّانعِ كُفرٌ؛ لِما فيه من تَرْكِ التزامِ الطَّاعةِ والعُبُوديَّةِ، وكذلك التفريقُ بَينَ اللهِ ورُسُلِه في الإيمانِ بهم كُفرٌ) [414] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (6/5). .
قال عبدُ القاهِرِ البغداديُّ: (أجمع أصحابُ الشَّافِعيِّ على أنَّ البراهمةَ الذين يُنكِرون جميعَ الأنبياءِ والرُّسُلِ، لا تحِلُّ ذَبائِحُهم، ولا نِكاحُ نِسائِهم، وإن وافقوا المُسلِمين في حُدوثِ العالَمِ، وتوحيدِ صانِعِه) [415] يُنظر: ((الفرق بين الفرق)) (ص: 348). .
وقال ابنُ تَيمِيَّةَ: (الإيمانُ بالرُّسُلِ يجِبُ أن يَكونَ جامِعًا عامًّا مُؤتَلِفًا لا تفريقَ فيه ولا تبعيضَ ولا اختِلافَ؛ بأن يُؤمِنَ بجَميعِ الرُّسُلِ وبجميعِ ما أُنزِلَ إليهم. فمن آمن ببعضِ الرُّسُلِ وكَفَر ببَعضٍ، أو آمَنَ ببعضِ ما أنزل اللهُ وكَفَر ببَعضٍ؛ فهو كافِرٌ، وهذا حالُ من بَدَّل وكفر من اليهودِ والنَّصارى والصَّابئينَ) [416] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/11). .
وقال ابنُ أبي العِزِّ في الإيمانِ بالرُّسُلِ: (لا نُفَرِّقُ بينهم بأن نؤمِنَ ببَعضٍ ونَكفُرَ ببَعضٍ، بل نؤمِنُ بهم ونُصَدِّقُهم كُلَّهم، فإنَّ من آمن ببَعضٍ وكفَر ببَعضٍ، كافِرٌ بالكُلِّ. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: 150، 151]، فإنَّ المعنى الذي لأجْلِه آمن بمن آمن منهم موجودٌ في الذي لم يُؤمِنْ به، وذلك الرَّسولُ الذي آمن به قد جاء بتصديقِ بَقِيَّةِ المُرْسَلينَ، فإذا لم يُؤمِن ببعضِ المُرْسَلين كان كافِرًا بمن في زعْمِه أنَّه مُؤمِنٌ به؛ لأنَّ ذلك الرَّسولَ قد جاء بتصديقِ المُرْسَلين كُلِّهم، فكان كافِرًا حَقًّا، وهو يظُنُّ أنَّه مُؤمِنٌ، فكان من الأخسَرِينَ أعمالًا، الذين ضَلَّ سَعْيُهم في الحياةِ الدُّنيا وهم يحسَبون أنَّهم يُحسِنون صُنعًا) [417] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/523). .

انظر أيضا: