الموسوعة العقدية

البابُ الرَّابعُ: الإيمانُ بالجِنِّ

تمهيدٌ:
يَشْتَرِكُ الجِنُّ مع الملائِكةِ في كَونِهم مَخلوقاتٍ لا مَرْئِيَّةً للبَشَرِ في الأصلِ؛ فهم بالنِّسبةِ لنا من الغَيبِ الذي يجِبُ الإيمانُ به، فنُؤمِنُ بوُجودِهم وبما ثَبَت عنهم من صِفاتٍ وغَيرِ ذلك.
ولكنَّ الجِنَّ ليسُوا من المَلائِكةِ، ويدُلُّ على ذلك ما يلي:
1- أنَّ المَلائِكةَ خُلِقوا من نورٍ، والجِنَّ خُلِقوا من نارٍ.
قال اللهُ تعالى: وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر: 27] .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((خُلِقَت المَلائِكةُ مِن نورٍ، وخُلِق الجانُّ من مارجٍ من نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ ممَّا وُصِف لكم )) [4217] رواه مسلم (2996). .
2- أنَّ المَلائِكةَ قد وصفهم اللهُ تعالى بقَولِه: عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: 26-27] ، والجِنُّ فيهم المُؤمِنُ والكافِرُ، والمطيعُ والعاصي، كما قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ [الأعراف:38] ، وقال حكايةً عن الجِنِّ: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: 14-15]، وقال حكايةً عنهم أيضًا: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11].
وقد وصف اللهُ المَلائِكةَ بقَولِه: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 19-20] ، أمَّا الشَّيطانُ فإنَّه قد استكبر عن عبادةِ اللهِ، كما قال سُبحانَه: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34] .
3- أنَّ المَلائِكةَ -على ما قاله أهلُ العِلمِ- صمدٌ لا يأكُلون ولا يَشرَبون.
وقال يحيى بنُ أبي كثيرٍ: (خلق اللهُ عَزَّ وجَلَّ المَلائِكةَ صمدًا ليس لهم أجوافٌ) [4218] يُنظر: ((العظمة)) لأبي الشيخ الأصبهاني (2/ 732). .
وأمَّا الجِنُّ فيأكُلون ويَشرَبون.
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال للجِنِّ الذين وَفَدوا إليه: ((لكم كُلُّ عَظمٍ ذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه تَجِدونه أوفَرَ ما يكونُ لحمًا )). [4219] أخرجه مسلم (450).
فأمَّا قَولُه تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ [الحجر: 30-31] .
فإنما استثناه لأنَّه كان معهم حينذاك وليس منهم، ويُبَيِّنُ ذلك قَولُه تعالى: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: 50] ، فعَلَّل اللهُ سُبحانَه فِسْقَ إبليسَ عن أمرِ رَبِّه بكونِه مِنَ الجِنِّ [4220] ينظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) للحليمي (1/ 306)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (1/ 285)، ((عالم الجن والشياطين)) لعمر الأشقر (ص: 16). .
قال ابنُ كثير: (قَولُه: فَسَجَدُوا إلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ أي: خانه أصلُه؛ فإنَّه خُلِق من مارجٍ من نارٍ، وأصلُ خَلْقِ المَلائِكةِ مِن نورٍ، كما ثبت في صحيحِ مُسلِمٍ عن عائشةَ، عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنَّه قال: "خُلِقَت المَلائِكةُ من نورٍ، وخُلِق إبليسُ من مارجٍ من نارٍ، وخُلِق آدَمُ ممَّا وُصِف لكم". فعند الحاجةِ نَضَح كُلُّ وعاء بما فيه، وخانه الطبعُ عند الحاجةِ، وذلك أنَّه كان قد توسَّم بأفعالِ المَلائِكةِ وتشَبَّه بهم، وتعَبَّد وتنَسَّك؛ فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفةِ. ونَبَّه تعالى هاهنا على أنَّه مِنَ الْجِنِّ أي: إنَّه خُلِق من نارٍ، كما قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَار ٍوَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12، ص:76]. قال الحسَنُ البصريُّ: ما كان إبليسُ من المَلائِكةِ طَرْفةَ عَينٍ قَطُّ، وإنَّه لَأصلُ الجِنِّ، كما أنَّ آدَمَ عليه السَّلامُ أصلُ البَشَرِ. رواه ابنُ جريرٍ بإسنادٍ صحيحٍ عنه) [4221] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/ 167). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (قَولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ظاهِرٌ في أنَّ سبَبَ فِسْقِه عن أمرِ رَبِّه كونُه من الجِنِّ، وقد تقرَّر في الأصولِ في «مَسلَكِ النَّصِّ» وفي «مَسلَكِ الإيماءِ والتنبيهِ»: أنَّ الفاءَ من الحروفِ الدَّالَّةِ على التعليلِ، كقَولِهم: سَرَق فقُطِعَت يَدُه، أي: لأجْلِ سَرِقَتِه. وسها فسَجَد، أي: لأجْلِ سَهْوِه، ومن هذا القبيلِ قَولُه تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا أي: لعِلَّةِ سَرِقَتِهما. وكذلك قَولُه هنا: كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ أي: لعِلَّةِ كينونتِه من الجِنِّ؛ لأنَّ هذا الوصفَ فَرَّق بينه وبين المَلائِكةِ؛ لأنهم امتثلوا الأمرَ، وعصا هو، ولأجْلِ ظاهِرِ هذه الآيةِ الكريمةِ ذهبت جماعةٌ من العُلَماءِ إلى أنَّ إبليسَ ليس من المَلائِكةِ في الأصلِ، بل من الجِنِّ، وأنه كان يتعَبَّدُ معهم، فأُطلِق عليهم اسمُهم لأنَّه تَبَعٌ لهم، كالحليفِ في القبيلةِ يُطلَقُ عليه اسمُها. والخلافُ في إبليسَ هل هو مَلَكٌ في الأصلِ وقد مسخه اللهُ شيطانًا، أو ليس في الأصلِ بملَكٍ، وإنما شَمِلَه لفظُ المَلائِكةِ؛ لدُخولِه فيهم وتعَبُّدِه معهم: مشهورٌ عند أهلِ العِلمِ. وحُجَّةُ من قال: إنَّ أصلَه ليس من المَلائِكةِ أمرانِ: أحَدُهما عِصمةُ المَلائِكةِ من ارتكابِ الكُفْرِ الذي ارتكبه إبليسُ، كما قال تعالى عنهم: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وقال تعالى: لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، والثَّاني: أنَّ اللهَ صَرَّح في هذه الآيةِ الكريمةِ بأنَّه من الجِنِّ، والجِنُّ غيرُ المَلائِكةِ. قالوا: وهو نصٌّ قرآنيٌّ في محَلِّ النِّزاعِ) [4222] يُنظر: ((أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)) (3/ 290). .

  • الفَصلُ الأوَّلُ: تَعريفُ الجِنِّ لُغةً واصطِلاحًا.
  • الفَصلُ الثَّاني: الإيمانُ بوُجودِ الجِنِّ حُكمُه وأدلَّتُه.
  • الفَصلُ الثَّالِثُ: المادَّةُ الَّتي خُلِقَ مِنها الجِنُّ وصِفاتُهم وأماكِنُهم وأصنافُهم وأسماؤُهم.
  • الفَصلُ الرَّابِعُ: تَكليفُ الجِنِّ، وبعثُ الرُّسُلِ إليهم، وجَزاؤُهم في الآخِرةِ.
  • الفَصلُ الخامِسُ: الجِنُّ وعِلمُ الغَيبِ.
  • الفَصلُ السَّادِسُ: الِاستِعانةُ بالجِنِّ ودَعوى تَحضيرِ الأرواحِ .
  • الفَصلُ السَّابِعُ: القَرِينُ وتَسَلُّطُ الجِنِّي على بَدَنِ الإنسيِّ وعَقْلِه.
  • انظر أيضا: