الموسوعة العقدية

المطلبُ العاشرُ: تنزلُّهم عند قراءةِ المُؤمِنِ القُرآنَ

عن البراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قرأ رجلٌ الكَهْفَ، وفي الدَّارِ دابَّةٌ، فجَعَلت تَنفِرُ، فنظر فإذا ضبابةٌ أو سحابةٌ قد غَشِيَتْه، قال: فذكر ذلك للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ((اقرَأْ فُلانُ؛ فإنَّها السكينةُ تنَزَّلت عند القرآنِ، أو تنَزَّلت للقرآنِ )) [4096] رواه البخاري (3614)، ومسلم (795) واللَّفظُ له. .
قال أبو العَبَّاسِ القرطبيُّ: (السَّكينةُ: مأخوذةٌ مِن السُّكونِ، وهو الوَقارُ والطُّمَأنينةُ، وهي هنا اسمٌ للمَلائِكةِ، كما فَسَّرها في الرِّوايةِ الأُخرى [4097] وهو حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه التالي. ، وسَمَّاهم بذلك؛ لشِدَّةِ وقارِهم وسُكونِهم تعظيمًا لقراءةِ هذه السُّورةِ) [4098] يُنظر: ((المفهم)) (2/ 437). .
وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ بينما هو في ليلةٍ يقرأ في مَربَدِه إذ جالت [4099] جالت أي: اضطربت. يُنظر: ((المفهم)) لأبي العباس القرطبي (2/ 438). فَرَسُه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا. قال أُسَيدُ: فخَشِيتُ أن تطَأَ يحيى، فقُمتُ إليها، فإذا مِثلُ الظُّلَّةِ فوقَ رأسي، فيها أمثالُ السُّرُجُ، عَرَجَت في الجوِّ حتى ما أراها. قال: فغدوتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، بينا أنا البارحةَ مِن جَوفِ الليلِ أقرأ في مَربَدِي إذ جالت فرسي، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اقرَأِ ابنَ حُضَيرٍ))، قال: فقرَأْتُ، ثمَّ جالت أيضًا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اقرَأِ ابنَ حُضَيرٍ))، قال: فقرَأْتُ، ثم جالت أيضًا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اقرَأِ ابنَ حُضَيرٍ))، قال: فانصرَفْتُ، وكان يحيى قريبًا منها، خَشِيتُ أن تطَأَه، فرأيتُ مِثلَ الظُّلَّةِ فيها أمثالُ السُّرُجِ، عرَجَت في الجوِّ حتى ما أراها! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((تلك المَلائِكةُ كانت تسمَعُ لك، ولو قرَأْتَ لأصبَحَت يراها النَّاسُ ما تستَتِرُ منهم )) [4100] رواه البخاري (5018)، ومسلم (796) واللَّفظُ له. .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((تلك المَلائِكةُ كانت تستَمِعُ لك)): استطابةً لقراءتِه لحُسنِ ترتيلِها، وحُضورِ قَلْبِه فيها، وخُشوعِه وإخلاصِه. واللهُ تعالى أعلَمُ، وإطلاعُ اللهِ تعالى له على ذلك إظهارُ كرامتِه له؛ ليزدادَ يقينًا مع يقينِه، واجتهادًا في عبادتِه، وهذا دليلٌ على جوازِ رؤيةِ مَن ليس بنبيٍّ للمَلائِكةِ.
وقوله: ((لو قرَأْتَ لأصبَحَت يراها النَّاسُ)): يعني: لو دُمتَ على حالتِك في قراءتِك لأصبَحَت على تلك الحالِ ظاهِرةً للنَّاسِ، لكِنَّه قطع القراءةَ، فارتفعت المَلائِكةُ وغابت) [4101] يُنظر: ((المفهم)) (2/ 438). .

انظر أيضا: