الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الأوَّلُ: حقيقةُ مذهَبِ أصحابِ التَّفويضِ

المُفَوِّضةُ هم طائفةٌ من المنتَسِبينَ إلى السُّنَّةِ واتِّباعِ السَّلَفِ يقولون: نؤمِنُ بصِفاتِ اللهِ، ولكِنَّ اللهَ أعلمُ بمرادِه منها، ومنهم من يتبنَّى إجراءَ النُّصوصِ على ظاهِرِها مع تفويضِ عِلمِ معناها إلى اللهِ، ويَزعمُ أنَّه مذهَبُ السَّلَفِ.
فهم طائفتان؛ من حيث إثباتُ ظواهِرِ النُّصوصِ ونفيُها:
الطائفةُ الأُولى: تقول: المرادُ بهذه النُّصوصِ خِلافُ مدلولها الظَّاهِرِ، ولا يَعرِفُ أحدٌ من الأنبياءِ ولا الملائِكةِ ولا الصَّحابةِ ولا أحدٌ من الأمَّةِ ما أراد اللهُ بها!
الطائفةُ الثَّانية: تقولُ: بل تُجرى على ظاهِرِها، وتُحمَلُ عليه، ومع هذا فلا يَعلمُ تأويلَها إلَّا اللهُ تعالى [164] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (1/16). .
الفَرقُ بين مَذهَبِ السَّلَفِ وبين مَذهَبِ المُفَوِّضةِ مِن جِهتَينِ:
1- أنَّ السَّلَفَ أثبَتوا اللَّفظَ وما دَلَّ عليه من المعاني، مع فَهْمِهم المعنى المرادَ من حيثُ الوضعُ اللُّغويُّ، ومن حيثُ معرفةُ مرادِ المتكَلِّمِ، فيَعلَمونَ معنى السَّمعِ والبَصَرِ، والوَجهِ واليَدَينِ، والصِّراطِ والميزانِ، ونحوِ ذلك.
أمَّا المُفَوِّضةُ فهم وإن كانوا قد أثبتوا اللَّفظَ، وفَهِموه من حيثُ وَضعُ اللُّغةِ، لكِنَّهم توقَّفوا في تعيينِ المرادِ به في حَقِّ اللهِ تعالى، بل يمنعونَ أن يكونَ ظاهِرُه مرادًا.
2- السَّلَفُ فوَّضوا العِلمَ بالكيفيَّةِ دونَ العِلمِ بالمعنى، فيَعلَمونَ معنى السَّمعِ والبَصَرِ، والوَجهِ، واليدينِ، ويعلمون معانيَ ما أخبَرَ اللهُ به من مَسائِلِ اليومِ الآخِرِ مِن أنواعِ النَّعيمِ، وصُنوفِ العذابِ، ولكِنَّهم يَجهَلونَ كَيفيَّةَ ذلك وحقيقتَه، أمَّا المُفَوِّضةُ فقد فوَّضوا العلمَ بالكيفيَّةِ والمعنى جميعًا، فلا يَعلَمونَ معانيَ نُصوصِ الصِّفاتِ، ولا معانيَ نصوصِ المعادِ، بل يقولونَ: لا ندري ما أراد اللهُ بها؛ ولذلك سمَّاهم أهلُ العِلمِ: أهلَ التَّجهيلِ [165] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/ 66، 67، 4/ 67 – 68، 5/ 34- 35، 16/ 442)، ((درء تعارض العقل والنقل)) كلاهما لابن تَيميَّةَ (1/15، 16، 204)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص: 531)، ((منهج الاستدلال على مَسائِل الاعتقاد)) لعثمان بن حسن (2/ 581). .
الفَرقُ بين التَّفويضِ والتَّأويلِ:
لا فَرْقَ بين أهلِ التَّفويضِ وأهلِ التَّأويلِ؛ من حيثُ نفيُهم للصِّفاتِ التي دلَّت عليها نصوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فكُلُّهم من نُفاةِ الصِّفاتِ.
ولكِنَّ الفَرْقَ في طريقةِ إثباتِهم لها؛ فالمُفَوِّضةُ يُثبِتون اللَّفظَ ويَنفُونَ المعنى، ويَتركونَ نِسبةَ عِلْمِه إلى اللهِ تعالى، والمؤَوِّلةُ يَصرِفون المعنى بما يخالِفُ ظاهِرَ النُّصوصِ.
فالمُفَوِّضة يقولون في قَولِه تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وقولِه: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ: لا نعلَمُ ما معنى «استوى»، ولا معنى «يد»، ونفَوِّض معناهما إلى اللهِ، والمؤَوِّلة يقولون: استوى بمعنى استولى، ويدُ اللهِ بمعنى قُدرةِ اللهِ؛ فصَرَفوا المعنى إلى معنًى آخَرَ يخالِفُ ظاهِرَ النَّصِّ [166] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تَيميَّةَ (1/16)، ((تعليقات الشيخ البراك على المخالفات العقدية في فتح الباري)) (11/450) و (13/383). .

انظر أيضا: