الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الخامِسُ والأربعون: الآثارُ الإيمانيَّةُ لاسْمِ اللهِ: الوَدُودِ

قال القرطبيُّ: (يجِبُ على كُلِّ مُكَلَّفٍ أن يعلَمَ أنَّ اللهَ سُبحانَه هو «الودودُ» على الإطلاقِ، المحِبُّ لخَلْقِه، والمُثني عليهم والمحسِنُ إليهم ثم يجِبُ عليه أن يتودَّدَ إلى رَبِّه بامتثالِ أمْرِه ونَهْيِه، كما تودَّد سُبحانَه إليه بإدرارِ نِعَمِه وفَضْلِه، ويحِبُّه كما أحَبَّه.
ومن حُبِّ العَبدِ لله رِضاه بما قضاه وقَدَّرَه، وحُبُّ القرآنِ والقيامُ به، وحُبُّ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحُبُّ سُنَّتِه والقيامُ بها والدُّعاءُ إليها؛ قال اللهُ العظيمُ: قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31] ، فمن اتَّبَع رَسولَه فيما جاء به، وصَدَق في اتِّباعِه، فذلك الذي أَحَبَّ اللهَ وأحَبَّه اللهُ.
واعلَمْ أنَّ منالَ مَحَبَّةِ اللهِ تعالى بتَرْكِ المناهي، أكثَرُ مِن منالها بسِواها من أعمالِ الطَّاعاتِ، فالأعمالُ الصالحةُ قد يعمَلُها البَرُّ والفاجِرُ، والانتهاءُ عن المعاصي لا تكونُ إلَّا بالكَمالِ وإلَّا من صِدِّيقٍ... وعلى هذا الحَدِّ -واللهُ أعلَمُ- يترتَّبُ حُبُّ اللهِ تعالى للعَبدِ، وحُبُّ النَّاس ِله، وعليه يُخرَّجُ الحديثُ الذي خَرَّجه مالِكٌ والبخاريُّ ومُسلِمٌ وغَيرُهم -واللَّفظُ لمُسلِمٍ- عن أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ إذا أحَبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال: إني أحِبُّ فُلانًا فأحِبَّه، قال: فيُحِبُّه جِبريلُ، ثمَّ ينادي في السَّماءِ فيَقولُ: إنَّ اللهَ يحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السَّماءِ، ثمَّ يُوضَعُ له القَبولُ في الأرضِ، وإذا أبغَضَ اللهُ عبدًا دعا جبريلَ فيقولُ: إنِّي أُبغِضُ فُلانًا فأبغِضْه، فيُبغِضُه جبريلُ، ثم ينادي في أهلِ السَّماءِ: إنَّ اللهَ يُبغِضُ فُلانًا فأبغِضُوه، قال: فيُبغِضونَه، ثمَّ تُوضَعُ له البَغضاءُ في الأرضِ )) [3634] أخرجه البخاري (3209)، ومسلم (2637) واللفظ له. [3635] يُنظر: ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) (1/429). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (وهو سُبحانَه يحِبُّ عِبادَه الذين يحِبُّونه، والمحبوبُ لِغَيرِه أَولى أن يكونَ محبوبًا.
فإذا كُنَّا إذا أحبَبْنا شيئًا لله كان اللهُ هو المحبوبَ في الحقيقةِ، وحُبُّنا لذلك بطريقِ التَّبَعِ، وكُنَّا نحِبُّ من يُحِبُّ اللهَ لأنَّه يُحِبُّ اللهَ؛ فالله تعالى يحِبُّ الذين يحِبُّونه، فهو المستَحِقُّ أن يكونَ هو المحبوبَ المألوهَ المعبودَ، وأن يكونَ غايةَ كُلِّ حُبٍّ) [3636] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (4/15). .
فالمُستَحِقُّ أن يحَبَّ لذاتِه هو اللهُ سُبحانَه وتعالى وَحْدَه، وكُلُّ مَحَبَّةٍ يجِبُ أن تكونَ لله وفي اللهِ، فإذا أحَبَّ العبدُ أحَبَّ لله، وإذا أبغَضَ أبغَضَ لله، وهكذا كُلُّ أعمالِه يجِبُ أن تكونَ فيما يحِبُّه اللهُ ويَرْضاه.
فلا يجوزُ للعَبدِ أن يُبغِضَ مَن أحَبَّه اللهُ، ولا يحِبَّ من أبغَضَه اللهُ.
فعن الأوَّلِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ قال: من عادى لي وليًّا فقد آذَنْتُه بالحَرْبِ )) [3637] أخرجه البخاري (6502) مطولاً من حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. .
وعن الثَّاني، قال اللهُ تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: 22].
وحُبُّ اللهِ سُبحانَه ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقْوى بقُوَّةِ العِلمِ، فكُلَّما كان المسلِمُ عالِمًا بدينِ اللهِ وآياتِه وأحكامِه وشَرائِعِه، عاملًا به، كان حُبُّه أقوى من غيرِه من الجاهِلين، وإن كانت مَحَبَّةُ الله سُبحانَه توجَدُ في الفِطَرِ، ولكِنَّها تَقْوى بالعِلمِ وتَخْبو وتَضعُفُ بالشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (الحُبُّ لله يَقْوى بسَبَبِ قُوَّةِ المَعرِفةِ وسَلامةِ الفِطْرةِ، ونَقْصُها مِن نَقْصِ المعرفةِ ومن خُبثِ الفِطرةِ بالأهواءِ الفاسِدةِ) [3638] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (6/73). .

انظر أيضا: