الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الرَّابِعُ والأربعون: الآثارُ الإيمانيَّةُ لاسْمِ اللهِ الرَّبِّ

فالله سُبحانَه هو الرَّبُّ على الحقيقةِ، فلا رَبَّ سِواه.
قال الحليمي في معنى الرَّبِّ: (هو المبَلِّغُ كُلَّ ما أبدع حَدَّ كَمالِه الذي قَدَّره له، وهو يُسِلُّ النطفةَ من الصُّلبِ ويجعَلُها عَلَقةً، والعَلَقةَ مُضغةً، ثم يجعَلُ المُضغةَ عِظامًا، ثم يكسو العِظامَ لحمًا، ثم يخلُقُ في البَدَنِ الرُّوحَ، ويخرِجُه خلقًا آخَرَ وهو صغيرٌ ضعيفٌ، فلا يزالُ يُنَمِّيه ويُنشِئُه حتى يجعَلَه رجُلًا، ويكونُ في بدءِ أمْرِه شابًّا ثم يجعَلُه كَهْلًا ثم شيخًا. وهكذا كُلُّ شَيءٍ خلَقَه فهو القائِمُ عليه به، والمبلِّغُ إيَّاه الحَدَّ الذي وصفه وجعله نهايةً ومِقدارًا له!) [3628] يُنظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/205). .
وقال القرطبي: (اللهُ سُبحانَه رَبُّ الأربابِ، ومعبودُ العِبادِ، يَملِكُ الممالِكَ والملوكَ، وجميعَ العِبادِ، وهو خالِقُ ذلك ورازِقُه، وكُلُّ رَبٍّ سِواه غيرُ خالِقٍ ولا رازقٍ، وكلُّ مخلوقٍ فمُمَلَّكٌ بَعْدَ أن لم يكُنْ، ومُنتزَعٌ ذلك من يَدِه، وإنما يملِكُ شيئًا دون شيءٍ. وصفةُ الله تعالى مخالِفةٌ لهذا المعنى؛ فهذا الفَرقُ بين صِفات الخالِقِ والمخلوقينَ... فعلى أنَّه مُدَبِّرٌ لخَلْقِه ومُرَبِّيهم ومُصلِحُهم وجابِرُهم يكونُ صِفةَ فِعلٍ، وعلى أنَّ الرَّبَّ المالِكُ والسَّيِّدُ يكونُ صِفةَ ذاتٍ، فيَجِبُ على كُلِّ مُكَلَّفٍ أن يعلَمَ أنْ لا رَبَّ له على الحقيقةِ إلَّا اللهُ وَحْدَه، وأن يُحسِنَ تربيةَ من جُعِلَت تربيتُه إليه، فيقومَ بأمرِه ومصالحِه كما قام الحَقُّ به، فيُرَقِّيه شيئًا شيئًا وطَورًا طَورًا، ويحفَظَه ما استطاع جَهْدَه، كما حَفِظه الله....فالعالمُ الرَّبَّاني هو الذي يحَقِّقُ عِلمَ الربوبيَّةِ ويُرَبِّي النَّاسَ بالعِلمِ على مقدارِ ما يحتَمِلونه، فيَبذُلُ لخواصِّهم جَوْهَره ومكنونَه، ويَبذُلُ لعوامِّهم ما ينالون به فَضْلَ اللهِ ويُدرِكونَه) [3629] يُنظر: ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) (1/394). .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (اسمُ «الرَّبِّ» له الجَمعُ الجامِعُ لجميعِ المخلوقاتِ؛ فهو رَبُّ كُلِّ شَيءٍ وخالِقُه، والقادِرُ عليه لا يخرُجُ شيءٌ عن ربوبيَّتِه، وكُلُّ من في السَّمَواتِ والأرضِ عبدٌ له في قَبْضَتِه، وتحت قَهْرِه) [3630] يُنظر: ((مدارج السالكين)) (1/58). .
وقد دعا الأنبياءُ والصَّالحون اللهَ سُبحانَه وتعالى بهذا الاسمِ وتَضَرَّعوا به إليه.
فدعا آدمُ عليه السَّلامُ وحوَّاءُ به، كما في قَولِه تعالى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ *الأعراف: 23*.
ونوحٌ عليه السَّلامُ قال في دعائه: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح: 28].
وإبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ قالا: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] .
وموسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأعراف: 151] .
وعيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء [المائدة: 114] .
وقد نهي النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العبدَ أن يقولَ لسَيِّده (رَبِّي) فقال: ((لا يَقُلْ أحَدُكم: أطعِمْ رَبَّك، وَضِّئْ رَبَّك، اسْقِ رَبَّك، ولْيَقُلْ: سَيِّدي، مولاي، ولا يقُلْ أحَدُكم: عَبْدي أَمَتي، وليقُلْ: فتاي، وفتاتي، وغُلامي )) [3631] أخرجه البخاري (2552) واللفظ له، ومسلم (2249) من حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. .
قال الخطابي: (إنما منع صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقال: أطعِمْ رَبَّك، اسْقِ رَبَّك؛ لأنَّ الإنسانَ مربوبٌ مُتَعَّبٌد بإخلاصِ التوحيدِ للهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَرْكِ الإشراكِ معه، فكُرِهَ له المضاهاةُ بالاسمِ؛ لئلَّا يدخُلَ في معنى الشِّركِ، والحُرُّ والعبدُ في هذا بمنزلةٍ واحدةٍ، فأمَّا ما لا تَعَبُّدَ عليه من سائِرِ الحيوانِ والجَمادِ، فلا بأسَ بإطلاقِ هذا الاسمِ عليه عند الإضافةِ، كقَولِك: رَبُّ الدَّابَّةِ، ورَبُّ الدَّارِ، والثَّوبِ، ونَحوِها) [3632] يُنظر: ((أعلام الحديث)) (2/ 1271). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (السَّبَبُ في النَّهيِ أنَّ حقيقةَ الرُّبوبيَّةِ للهِ تعالى؛ لأنَّ الرَّبَّ هو المالِكُ والقائِمُ بالشَّيءِ، فلا توَجُد حقيقةُ ذلك إلَّا للهِ تعالى) [3633] يُنظر: ((فتح الباري)) (5/179). .

انظر أيضا: