الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الثَّاني والثَّلاثون: الآثارُ الإيمانيَّةُ لاسْمِ اللهِ: العليمِ

العِلمُ التَّامُّ الكامِلُ الشَّامِلُ للهِ وَحْدَه، ولا يشابِهُه أحَدٌ مِن مخلوقاتِه في كَمالِ عِلْمِه.
قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه: 98] .
والخَلقُ لا يُحيطون عِلمًا بالخالِقِ، أي: لا يَعلَمونَ شَيئًا من ذاتِه وصِفاتِه إلَّا بتعليمِ اللهِ لهم، فكُلُّ عِلمٍ شَرعيٍّ وقَدَريٍّ فمَرجِعُه إلى اللهِ العَليمِ الحكيمِ، كما قالت الملائِكةُ: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ [البقرة: 32] .
وقال اللهُ تعالى مخاطِبًا نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: 113] .
وقال عن يوسُفَ عليه السَّلامُ: رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف: 101] .
وقال عن داودَ عليه السَّلامُ: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء: 80] .
وقال عن الخَضِرِ عليه السَّلامُ: وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: 65] .
وغيرَ ذلك من الآياتِ التي تُبَيِّنُ أنَّ أصلَ ومَنشَأَ كُلِّ عِلمٍ إنَّما هو من اللهِ جَلَّ ثناؤه سواءٌ كان شرعيًّا أو دُنيويًّا.
ومع كثرةِ المعلوماتِ التي تعَلَّمها بنو آدَمَ وتشَعُّبِها، إلَّا أنَّها قليلةٌ جِدًّا بالنسبةِ لعِلمِ اللهِ تعالى الواسِعِ، كما قال سُبحانَه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] .
وورد في حديثِ قِصَّةِ الخَضِرِ مع موسى عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((فلمَّا ركبا في السَّفينةِ جاء عصفورٌ فوقع على حَرفِ السَّفينةِ، فنَقَر في البَحرِ نُقرةً أو نُقرَتَينِ. قال له الخَضِرُ: يا موسى، ما نَقَص عِلْمي وعِلْمُك مِن عِلمِ اللهِ إلَّا مِثلَ ما نقص هذا العُصفورُ بمنقارِه من البَحرِ...! )) [3589] أخرجه مطولاً البخاري (3401) واللفظ له، ومسلم (2380) من حَديثِ أبيِّ بن كعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه. .
وعِلمُ اللهِ جَلَّ ثناؤه لا يعتريه نَقصٌ أبدًا؛ من نسيانٍ أو جَهلٍ، أو عِلمٍ ببَعضِ أمورِ الخَلقِ وجَهلٍ بغَيرِها. وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: 64] . وقال: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: 79] .
وهو سُبحانَه لا يَشغَلُه عِلمٌ عن عِلمٍ، وأنَّى للمخلوقِ مِثلُ هذه الصِّفاتِ؟ فهم يُولَدون جَهلةً لا يعلَمونَ شيئًا، ثم يتعَلَّمون شيئًا فشيئًا، كما قال تعالى: وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: 78] . فعِلْمُهم قد سبقه الجَهلُ، والله سُبحانَه كان وما زال عليمًا، لم يَسبِقْ عِلْمَه جَهلٌ [3590] يُنظر: ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) للغزالي (ص: 87). .
قال الخطَّابي: (الآدميُّون وإن كانوا يُوصَفون بالعِلمِ فإنَّ ذلك ينصَرِفُ منهم إلى نوعٍ مِن المعلوماتِ دونَ نوعٍ، وقد يوجَدُ ذلك منهم في حالٍ دونَ حالٍ، وقد تعترِضُهم الآفاتُ، فيَخلُفُ عِلْمَهم الجهلُ، ويَعقُبُ ذِكرَهم النِّسيانُ، وقد نجِدُ الواحِدَ منهم عالِمًا بالفِقهِ غيرَ عالمٍ بالنَّحوِ، وعالِمًا بهما غيرَ عالمٍ بالحِسابِ والطِّبِّ ونحوِهما من الأمورِ، وعِلمُ اللهِ سُبحانَه عِلمُ حقيقةٍ وكَمالٍ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا *الطَّلاق: 12*، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: 28]) [3591] يُنظر: ((شأن الدُّعاء)) (ص: 57). .

انظر أيضا: