trial

الموسوعة العقدية

المطلب الثاني: وجوه تفاضل أسماء الله


والناظر في أسماء الله يجد أنها تتفاوت من وجوه عدة يظهر بها تفاضلها، فمن ذلك:
أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره، وهو غالب الأسماء، كالقدير, والسميع, والبصير, والعزيز, والحكيم، وهذا يسوغ أن يدعا به مفرداً ومقترناً بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا غفور، يا رحمن، يا رحيم، وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه الخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقروناً بمقابله كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله، لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعاً ونفعاً وضراً وعفواً وانتقاماً، وأما أن يثني عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت، جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجيء مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة، فاعلمه، فلو قلت يا مذل, يا ضار, يا مانع, وأخبرت بذلك لم تكن مثنياً عليه, ولا حامداً له حتى تذكر مقابلها ((بدائع الفوائد)) (1/167) ((تفسير الرازي)) (15/67).             فهذا وجه من وجوه تفاوتها يظهر به تفاضلها, فليس الاسم الدال على الكمال بمفرده مساوياً للذي لا يدل على الكمال إلا باقترانه بمقابله.
ومن ذلك:
أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة واحدة كالسميع والبصير، ومنها ما يدل على صفات عديدة لا تختص بصفة معينة كالمجيد والعظيم، فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، وهو موضوع لبلوغ النهاية في كل محمود، ولنيل الشرف بكرم الفعال، وللكثرة، ولذا قالوا: استمجد المرخ والعفار أي استكثرا من النار حتى تناهيا في ذلك حتى إنه يقبس منهما. وكذا العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الصمد، السيد الذي كمل في سؤدده, والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد) رواه الطبري في تفسيره (24/692)، وابن أبي حاتم في تفسيره (ص: 3419). .
ومن ذلك:
أن من الأسماء ما يتضمن سلب صفة نقص عن الله، وهي الصفة المقابلة للصفة التي يثبتها الاسم، كالبصير مثلا فيها سلب صفة نقص عن الله وهي العمى سبحانه وتعالى وتنزه وتقدس، ومنها ما يرجع إلى التنزيه المحض من كل نقص وعيب جملة وتفصيلاً فيكون متضمناً للكمال المحض كالقدوس والسلام، وهو وجه قريب من سابقه.
ومن ذلك:
أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة بعينها، ومنها ما يدل على تلك الصفة وزيادة، كالعليم يدل على صفة العلم مطلقاً، والخبير يدل على علمه بالأمور الباطنة، وكذلك الغني هو الذي استغنى بنفسه عن كل شيء فلا يحتاج إلى شيء، والملك أيضاً لا يحتاج إلى شيء ولكنه يحتاج إليه كل شيء، فيكون الملك مفيداً معنى الغني وزيادة ((المقصد الأسنى)) (22).        .
ويدل على تفاوت الأسماء الحسنى في الفضل، وجود أسماء منها دالة على صفة واحدة، واشتقاقها واحد، مع الاختلاف في مبانيها، مثل: القدير المقتدر القادر، والغفور الغفار الغافر، والرحمن الرحيم، ونحو ذلك فإن كلاً منها معدود اسماً مستقلاً، وهي متغايرة متفاضلة، دل على تفاضلها صيغ مبانيها، فإن فعال وفعيل وفعلان صيغ مبالغة و(فعال) أبلغ من (فاعل)، ثم (فعلان) أبلغ من (فعيل)، ولذا ذكر ابن جرير أنه لا تمانع بين أهل العلم بلغات العرب أن الرحمن أبلغ من الرحيم ((تفسير الطبري)) (1/42).       ، وهو مذهب أكثر العلماء ((البرهان في علوم القرآن)) (2/504) و((معترك الأقران)) (1/412).         .
قال الزمخشري: (في الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم, ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى).
وقال الغزالي: (الغافر يدل على أصل المغفرة فقط، والغفور يدل كثرة المغفرة بالإضافة إلى كثرة الذنوب حتى أن من لا يغفر إلا نوعاً واحداً من الذنوب فلا يقال له: الغفور، والغفار يشير إلى كثرة غفران الذنوب على سبيل التكرار، أي يغفر الذنوب مرة بعد أخرى، حتى إن من يغفر الذنوب جميعاً ولكن أول مرة ولا يغفر للعائد إلى الذنب مرة بعد أخرى لم يستحق اسم الغفار) ((المقصد الأسنى)) (22).        ..مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص72


انظر أيضا: