trial

الموسوعة العقدية

الشبهة الثالثة: (ترك الحسبة بسبب التقصير والنقص)


يقول بعض الناس: (حيث لا نقوم بكل ما أمرنا به ولا نجتنب كل ما نهينا عنه، لذا يجب علينا أن نهتم بأنفسنا بدل أمر الآخرين بالمعروف ونهيهم عن المنكر).
واحتج أصحاب هذا القول بالمنقول والمعقول.
أما المنقول فقالوا: ذم الله تعالى من أمر الناس بالمعروف ونسي نفسه، وذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ.
كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء عاقبة هؤلاء. فقد روى الإمام البخاري عن أسامة رضي الله عنه قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يجاء بالرجل فيطرح في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان!، ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله)) رواه البخاري (3267)، ورواه مسلم (2989). .
وأما المعقول فقالوا: فاقد الشيء لا يعطيه. من يستجيب لمن يأمر بمعروف ولا يأتيه، وينهى عن منكر ويأتيه؟
الرد على هذه الشبهة:...
1- سبب الذم هو: ترك المعروف وليس الأمر بالمعروف.
2- ترك أحد الواجبين ليس مبرراً لترك الواجب الثاني.
3- الأخذ بهذا القول يؤدي إلى تعطيل الاحتساب.
4- عدم جدوى احتساب غير الكامل ليس بأمر دائم.
أولا: سبب الذم هو: ترك المعروف وليس الأمر بالمعروف:
هناك واجبان:
1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2- فعل المعروف وترك المنكر.
وإن النصوص التي احتج بها أصحاب هذه الشبهة ليس فيها ذم بسبب القيام بالواجب الأول بل ذم بسبب ترك القيام بالواجب الثاني. لم ينكر فيها بسبب أمر الناس بالبر، ونهيهم عن المنكر، والتلفظ بالقول الطيب، بل إنما أنكر فيها بسبب نسيان الأنفس، وترك المعروف وارتكاب المنكر، وعدم الفعل وفق القول الطيب.
فعلى سبيل المثال هناك طالب نجح في مادة (التفسير) ورسب في مادة (الحديث) هل يعقل توجيه اللوم بسبب النجاح في مادة التفسير؟ إنما يلام بسبب رسوبه في مادة الحديث.
هذا، وقد صرح كثير من المفسرين رحمهم الله تعالى أن التوبيخ في تلك النصوص بسبب ترك المعروف وليس بسبب الأمر بالمعروف. فعلى سبيل المثال يقول الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ... [البقرة: 44] الآية: (اعلم وفقك الله أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر) ((تفسير القرطبي)) (1/366). .
ويقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: (وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له) ((مختصر تفسير ابن كثير)) (1/59)، وانظر أيضاً ((تفسير البيضاوي)) (1/59)، و((تفسير أبي السعود)) (1/97)، و((تفسير فتح القدير)) (1/77). .
ثانيا: ترك أحد الواجبين ليس مبرراً لترك الواجب الثاني:
إن الواجبين اللذين ذكرناهما ليس أحدهما شرطا للثاني فيكون ترك أحدهما مبرراً لترك الثاني. وهذا أمر واضح ندركه في كثير من الأمور. هل نقول لمن يحافظ على الصلوات ولا يصوم أن تركه الصوم مبرر لتركه الصلوات؟ وقد بين كثير من العلماء هذا الأمر. فعلى سبيل المثال يقول الإمام أبو بكر الجصاص: (وجب أن لا يختلف في لزمه البر والفاجر، لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضاً غيره. ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه) ((أحكام القرآن)) (2/33). .
وبينه الإمام النووي بأسلوب آخر فقال: (قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسا بما ينهى عنه فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخرة) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (2/23)، وانظر أيضاً ((التفسير الكبير)) (3/47)، و((تفسير البيضاوي)) (1/150)، و((تفسير أبي السعود)) (1/97)، و((تفسير السراج المنير)) (1/55). .
ثالثا: الأخذ بهذا القول يؤدي إلى تعطيل الاحتساب:
لو اشترطنا للأمر والناهي أن يكون فاعلاً لكل ما أمر به ومجتنباً كل ما نهي عنه لن نجد من يقوم بالاحتساب، وبهذا يتعطل هذا الواجب العظيم. وقد نبه علماء الأمة –جزاهم الله تعالى خيرا- إلى هذا الأمر، فقد قال سعيد بن جبير: (لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف بمعروف ولا نهى عن منكر) نقلا عن ((تفسير القرطبي)) (1/367-368). .
وقال الإمام مالك تعليقاً على قوله: (وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟) نقلا عن ((تفسير القرطبي)) (1/368). .
وذكر القرطبي أن الحسن قال لمطرف بن عبد الله: (عظ أصحابك). فقال: (إني أخاف أن أقول ما لا أفعل)، قال: (يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر) نقلا عن ((تفسير القرطبي)) (1/367). .
وبين هذا الإمام الطبري حيث يقول: (وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأولى فجيد، وإلا فيستلزم سد باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره) نقلا عن ((فتح الباري)) (13/53). .
رابعاً: عدم جدوى احتساب غير الكامل ليس بأمر دائم:
لا شك أن دعوة الكامل أشد وقعاً في النفوس وأكثر استجابة من دعوة غير الملتزم لكن القول بأن دعوة غير الكامل أو احتسابه عديم الجدوى دائما غير صحيح.
كم من أنبياء الله الكاملين الملتزمين لم تؤثر دعوتهم في أقرب أقاربهم. لم يستجب لنداء رسول الله نوح عليه السلام ابنه، كما لم يستفد من دعوة خليل الله إبراهيم عليه السلام أبوه، ولم تقبل قول نبي الله لوط عليه السلام زوجته، كما لم يحول نصح أكمل خلق الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم ووعظه عمه أبا طالب إلى الإسلام.
وكم من أنبياء الله الكاملين دعوا أقوامهم فما آمن معهم إلا قليل، بل منهم من لم يؤمن به أحد.
وعلى عكس هذا كم من أصحاب الدعوات الفاسدة – المخالفين لأقوالهم بأفعالهم – نرى لهم أتباعا كثيرين! وكم من دعاة حرمة الإنسان وحريته يجدون أنصاراً كثيرين مع أنهم من أشد الناس انتهاكاً لحرمته وحريته! وكم من حماة لحقوق العمال والشعوب – على حسب زعمهم – ولهم أتباع كثيرون رغم كونهم من أكثر الناس هضماً لحقوقهم!
فخلاصة القول ليس لأحد أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أن احتسابه لا يفيد بسبب تقصيره فلربما يفيد المقصر حيث لا يفيد فيه من هو أحسن منه حالاً.
تنبيه:
لا يفهم بما ذكر بأننا لا نرى بأسا من ترك المعروف وفعل المنكر للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، بل نؤكد أنه يجب عليه فعل المعروف وترك المنكر، وأنه يعرض نفسه لغضب الله تعالى عند التساهل في هذا. ونقرر أيضاً بأنه ينبغي أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه كما كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.
غاية ما في الأمر أن فعل المعروف وترك المنكر ليس شرطاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يقال لمن أمر بالمعروف ولم يفعله أو نهى عن المنكر وفعله: (لا تأمر بالمعروف ولا تنه عن المنكر)، بل نقول له: (استمر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتق الله تعالى في نفسك فمرها بالمعروف وانهها عن المنكر). والله تعالى أعلم بالصواب. شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفضل إلهي- بتصرف– ص: 20

انظر أيضا: