الموسوعة العقدية

الفرع السادس: العمل عند تزاحم المفاسد


إذا ازدحمت المفسدتان ارتكب أيسرهما لدفع أشرهما.. هذا في حال التفاوت والذي يبنى على ما تقدم.
قال في المراقي: (وارتكب الأخف من ضرين انظر: ((مراقي السعود إلى مراقي السعود)) (ص: 117). .....
ومن صور هذه القاعدة: وجود هذه المراكز الإسلامية الصيفية للنساء فهو لا يخلو من مفاسد كتعود المرأة على الخروج من المنزل، وفتح الباب لأهل الشر لفتح مراكز شيطانية ونحو ذا من الأمور المحذورة!!
ولكن في هذا العصر الذي دخل فيه الشر كل بيت –إلا من رحم الله- وتفنن فيه دعاة الفساد بشتى الأساليب.. وبقيت كثير من بنات المسلمين تحت تأثيرهم وما ينشرون من منكر وفساد.. فانشغال هؤلاء النساء بأمور خيرة خير من بقائهن فريسة لهؤلاء، فالأمر لم يعد كالسابق، إذ المرأة اليوم تشاهد التلفاز، وتقرأ الصحف والمجلات، وتخرج إلى العمل أو المدرسة.. فلابد وأن تعرف الشر وتشاهده.
وحينما نقر أمثال تلك المراكز إنما ذلك بشروط وضوابط تلائم الحال والواقع.. كأن يكون الوقت معقولاً لا طول فيه.. وأن لا يكون في جميع الأيام بل في يومين أو ثلاثة من الأسبوع.. وأن تعلم فيه النساء القرآن وما يناسب حالهن من معرفة أمور الطهارة والحيض والصلاة والصوم والزكاة والحج.
ويعلمن تربية الأولاد على وفق تعاليم الشرع ونحو ذلك من الأمور الهامة لهن.. وأن يكون الإشراف على هذه الأماكن من قبل ذوي الكفاءة والديانة.
هذا لمن دعت الحاجة لمشاركتها في ذلك إما للحاجة إلى تعليمها وإرشادها، وإما لحاجتها هي بحيث لم يتوفر لها من يربيها على الإسلام ويعلمها ما تحتاج إليه، فتستغني عن مثل هذا الخروج.
أما عدا هذين الصنفين من النساء فيبقين في بيوتهن.
وهذا كله مخرج على قاعدة ارتكاب أخف الضررين، وإنما يكون ذلك إذا كان لابد من الوقوع في أحدهما لا محالة، أما إذا أمكن تلافيهما فالأمر يجري على قاعدتين هما:
الأولى: (الضرر يزال).
والثانية: (الضرر لا يزال بالضرر).
فاقتحام النساء المسلمات مجالات الطب بحجة ارتكاب أخف الضررين غلط ظاهر، لأن هناك وسيلة ثالثة غير ما يظن البعض! ومثل هذا يقال في تعليم أهل الصلاح لهن وجهاً لوجه، بحجة ارتكاب أخف الضررين، لئلا يدرسهن رجل فاسق! فهذا غير صحيح، بل يفصل الجميع عنهن ويعلمن بأسلوب آخر دون رؤيته لهن.
ومن صور ذلك إشغال من تعلق بالأغاني وسماعها بالقصائد التي تحمل المعاني الطيبة، حتى تنصرف نفسه عن ذلك الغناء، إن كان لا يتركه إلا بمثل هذا؛ مع أنه قد يشتغل بهذه القصائد عن قراءة القرآن أو الذكر.
ومن صور ذلك دفع أشرطة (الفيديو) التي تحمل مواد طيبة لمن تعلق بالتلفاز تعلقاً ميؤوساً من مفارقته.. فيعطى أمثال تلك الأشرطة وإن كان المعطي يرى أن تلك الصور التي تظهر فيه من قبيل المحظور.
ولا يحتج على هذا بقاعدة (الضرر لا يزال بالضرر) لأن القاعدة ليس هذا محلها فالضرر الأصل فيه قاعدة (الضرر يزال) وأنه (لا يزال بالضرر) هذا فيما إذا كانت إزالته بغيره ممكنة.. أما في مثل تلك الصور والتي لابد فيها من الوقوع في أحد المفسدتين فإن القاعدة التي يجب إعمالها هي (ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما). كما مر بك في الأمثلة السابقة.
ومن صور هذه القاعدة: القول بالتحالف مع بعض أصحاب البدع أو المناهج الدعوية التي تحمل بعض المخالفات في سبيل مواجهة العدو الجاثم في البلاد أو المهاجم لها، مع استمرار النصح والتعليم، شريطة أن لا يصل أمر هؤلاء –أعني الذين نحالفهم- إلى الكفر كالإسماعيلية ومن كان على شاكلتهم من الروافض والعلمانيين.
ومن صور هذه القاعدة الترخيص لمن عرض على السيف أن يتكلم بما يشعر السامع بالكفر.. بأن يتكلم بذلك شريطة أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان.
ومن صورها ما فعله عبد الله بن حذافة السهمي –رضي الله عنه- حينما خير بين القتل وبين تقبيل رأس عظيم الروم.. فقبل ذلك عبد الله –أعني تقبيله- على أن يفك أسارى المسلمين.
أما إذا تساوت المفاسد في القدر فإنه يخير بينها.. كما قال في المراقي:


وارتكب الأخف من ضرين




وخيرن لدى استوى هذين

ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- حول هاتين القاعدتين:
قال ابن تيمية –رحمه الله-: فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما لم يكن الآخر في هذه الحال واجباً، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة.
وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرماً في الحقيقة، وإن سمى ذلك ترك واجب وسمى هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر، وفعل المحرم للمصلحة الراجحة، أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم، وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء... وهذا –باب التعارض- باب واسع جداً لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يغنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات، لكون الأهواء قارنت الآراء.
فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل، وقد يكون الواجب في بعضها.. العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء، لا التحليل والإسقاط؛ مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلاً لمعصية أكبر منها، فيترك الأمر بها دفعاً لوقوع تلك المعصية، مثل أن ترفع مذنبا إلى ذي سلطان ظالم فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضرراً من ذنبه، ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركاً لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات، فيسكت عن النهي خوفاً أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر.
فالعالم تارة يأمر وتارة ينهى وتارة يبيح وتارة يسكت عن الأمر والنهي أو (الإباحة).. فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهله وإما لظلمه ولا يمكن إزالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه ((مجموع الفتاوى)) (20/57-61). ا.هـ.
وقد نقلنا باقي كلامه فما تقدم فراجعه إن شئت.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: 242

انظر أيضا: