trial

الموسوعة العقدية

الفرع الثاني: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحبا


وأما حال كونه مستحباً فإن هذا يكون في أحد حالين وهما:
الحالة الأولى: أن يكون المأمور به مستحباً ولم يتواطأ أهل بلد على تركه، أو يكون الفعل المرتكب مكروهاً انظر: ((الآداب الشرعية)) (1/174)، ((الفروق)) للقرافي (4/257). فيكون النهي عنه مستحباً.
الحالة الثانية: وهي كون المأمور به أمراً واجباً أو الفعل المرتكب أمراً محرماً.. لكنه يخشى إذا أنكر أن يلحقه الضرر وهذا لا يعني أنه يسقط عنه الإنكار بالقلب فإنه واجب في هذه الحال. انظر: ((تفسير ابن عطية)) (5/166)، ((أصول الدعوة)) (ص: 189). أو الهلاك، فيسقط عنه الوجوب انظر: ((تفسير ابن عيطة)) (5/166)) ((الفروق)) للقرافي (4/257-258)، ((الفتح)) (13/53). ويبقى مستحباً في حقه انظر: ((تنبيه الغافلين)) (ص: 47-62، 97-99) ((أصول الدعوة)) (ص: 191). إن كان يرجو النفع من جراء أمره ونهيه – على قول- ولذا قال الإمام أحمد –رحمه الله-: (إن عرضت على السيف لا أجيب. -وقال- إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟!) ((الآداب الشرعية)) (1/159). .
وإن مما يدل على استحبابه في هذه الحالة: ما قصه الله تعالى عن الأنبياء وأتباعهم مع أقوامهم وما لاقوه من صنوف الأذى منهم.. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لخباب حينما شكى إليه ما يجد وأصحابه من المشركين، والنبي صلى الله عليه وسلم متوسد بردة له في ظل الكعبة: ((كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه..)) رواه البخاري (3612). .
قال القرطبي عند قوله تعالى في وصية لقمان: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان: 17] (يقتضي حضاً على تغيير المنكر وإن نالك ضرر فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحياناً وهذا القدر على جهة الندب والقوة في ذات الله. أما على اللزوم فلا) ا.هـ انظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (1/266) و((تفسير القرطبي)) (14/68). .
وقال الجصاص في كلامه على قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ... [آل عمران: 21] (وفي هذه الآية جواز إنكار المنكر مع خوف القتل، وأنه منزلة شريفة يستحق بها الثواب الجزيل لأن الله مدح هؤلاء الذين قتلوا حين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر..) ((أحكام القرآن)) للجصاص (2/286-287). هذا واعلم أن الذي يأمر وينهى في مثل هذه الحال أفضل وأكمل حالاً من غيره. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (3/215)، والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد) (6/376). من حديث جابر رضي الله عنه. قال الحاكم: صحيح الإسناد و لم يخرجاه، وقال الشوكاني في ((در السحابة)) (263): في إسناده حكيم بن زيد قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله ثقات، والحديث صححه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (374). .
قال ابن طاهر: سمعته – يعني شيخ الإسلام الهروي – يقول: عرضت على السيف خمس مرات لا يقال لي: ارجع عن مذهبك. لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك فأقول: لا أسكت ((نزهة الفضلاء)) (3/1314). .

انظر أيضا: