trial

الموسوعة العقدية

الفرع الأول: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا


 تبين... أن أصل هذا العمل واجب قطعاً.. لكن هذا الوجوب لا يكون لازماً في كل مطلوب شرعاً ولا على كل فرد كل حال (فيما زاد على القلب).
إذا عرفت هذا وتبينته فاعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون محرماً، وقد يكون مكروهاً..
أما حال كونه واجباً: فهذا يحصل إذا كان العمل المأمور به من الواجبات، أو الفعل المرتكب –الذي يراد النهي عنه- معدوداً من المحرمات انظر: ((الآداب الشرعية)) (1/174). .. فهنا يجب الأمر أو النهي ما لم يكن هناك عذر في تركه.
متى يسقط الوجوب انظر: ((المحلى)) (9/391)، ((الإحياء)) (2/315)، ((أحكام القرآن)) (2/720)، ((مجموع الفتاوى)) (14/479)، ((الآداب الشرعية)) (1/155-156)، ((جامع العلوم والحكم)) (ص: 283)، ((فتح المبين)) (ص: 245-246) ((غذاء الألباب)) (1/ 212-214)، ((التشريع الجنائي)) (1/497-498)، ((المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة)) (2/315-324). : لا شك أن الإنكار بالقلب لا يسقط بحال من الأحوال، لكن الإنكار باليد واللسان قد يسقط وجوبه وذلك في واحد من ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: إذا تكاثرت الفتن والمنكرات انظر ما جاء في ذلك من الآثار في كتاب ((الإبانة الكبرى)) من رقم (725-774). :
وهذا يكون على نوعين:
النوع الأول: ما يكون في آخر الزمان؛ وهذا النوع هو الذي تحمل عليه كثير من الأحاديث الواردة في العزلة والتي منها حديث أبي سعيد –رضي الله عنه- مرفوعاً ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)) رواه البخاري (19). .
ومن ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما-: ((شبك النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه وقال: كيف أنت يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة قد مرجت عهودهم وأمانتهم واختلفوا فصاروا هكذا، قال: فكيف أصنع يا رسول الله؟! قال: تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر وتقبل على خاصتك وتدعهم وعوامهم)) رواه البخاري (480) من حديث واقد عن أبيه عن ابن عمر أو ابن عمرو: شبك النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه. وقال عاصم بن علي حدثنا عاصم بن محمد سمعت هذا الحديث من أبي فلم أحفظه فقومه لي واقد عن أبيه قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله بن عمر كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس). بهذا. وانظر: ((الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم)) للحميدي (2/206) (1435)، و((جامع الأصول)) لابن الأثير (10/5) (7456). .
وفي لفظ آخر: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكرت الفتنة فقال: إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم وخفت أمانتهم وكانوا هكذا –وشبك بين أصابعه- قال ابن عمرو: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، وأملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة)) رواه أبو داود (4343)، وابن ماجه (3957)، وأحمد (2/212) (6987)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (6/59) (10033)، والحاكم (4/315). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (909) كما أشار لذلك في مقدمته. وقال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (2/291): إسناده حسن، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (5/95) كما أشار إلى ذلك في المقدمة. .
ومن ذلك أيضاً حديث حذيفة –رضي الله عنه- المشهور: ((كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت وما دخنه؟ قال قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: نعم، من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. فقلت: يا رسول الله فما ترى –وفي رواية- فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) رواه البخاري (3606)، ومسلم (1847). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة لا تحصى راجع الأرقام الآتية من كتاب: ((جامع الأصول)) (ص: 7457، 7460، 7470، 7473). .
هذا وقد حمل جماعة من السلف والخلف قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ... [المائدة: 105] على هذا المعنى، ومن ذلك ما ورد عن أبي مازن أنه قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم ((تفسير الطبري)) (11/140). . وفي لفظ عند ابن جرير: كنت في خلافة عثمان بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ يسندون إليه، فقرأ رجل عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ فقال الشيخ إنما تأويلها آخر الزمان ((تفسير الطبري)) (11/141-142). .
النوع الثاني: ما يقع من الفتن في بعض الأوقات دون التي تقع آخر الزمان:
وهذا كالفتن التي وقعت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد اعتزل جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حينما وقعت الفتن، ومن هؤلاء سعد بن أبي وقاص انظر: ((الإبانة الكبرى)) رقم (734). ، ومحمد بن مسلمة، وسلمة بن الأكوع، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وعروة بن الزبير من التابعين انظر: ((العزلة)) للخطابي (ص: 21). .
عن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في إبله فجاءه ابن عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فجاء فنزل فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون في الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره وقال: اسكت. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)) رواه مسلم (2965). .
وقال البخاري: (باب التعرب في الفتنة) وذكر حديثين: الأول: وفيه تعرب سلمة بن الأكوع بعد مقتل عثمان.. الحديث رواه البخاري (7087). والثاني: حديث أبي سعيد مرفوعاً ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم...)) رواه البخاري (7088). وقد تقدم ذكره قال الحافظ: والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في أصل العزلة انظر كلام ابن النحاس في ((العزلة والهجرة من بلد المعاصي)) (ص: 108-109). فقال الجمهور: الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك، وقال قوم: العزلة أولى لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعين.. وقال النووي: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى.
وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه، إما عيناً وإما كفاية بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح: من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي: من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالباً من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها، كما قال تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً... [الأنفال: 25].
ويؤيد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد أيضاً: ((خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله ورجل في شعب من الشعاب...)) رواه البخاري (6494). وقد تقدم في باب العزلة من كتاب الرقاق حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه آنفا فإن أوله عند مسلم: ((خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله)) الحديث رواه مسلم (1889). وفيه: ((ورجل في غنيمة)).. فإن أخذ على عمومه دل على فضيلة العزلة لمن لا يتأتى له الجهاد في سبيل الله إلا أن يكون قيد بزمان وقوع الفتن والله أعلم ((الفتح)) (13/42-43). ا.هـ.
قال البخاري رحمه الله: (باب العزلة راحة من خلاط السوء) وذكر حديثين:
الأول: حديث أبي سعيد ((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أي الناس خير؟ قال: رجل..)) رواه البخاري (6494). وذكر نحو الحديث السابق. والثاني حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((يأتي على الناس زمان خير مال المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)) رواه البخاري (6495). قال الحافظ: (ووقع في رواية مالك: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم..)) رواه البخاري (7088). ولفظه هنا صريح في أن المراد بخيرية العزلة أن تقع في آخر الزمان..) ((الفتح)) (11/330-333). . ا.هـ.
والذي يظهر من استقراء النصوص أن الفتن من حيث التعلق بالزمان على قسمين:
1- قسم مضى.            2- قسم سيأتي.
وأما من حيث التعلق بإمكانية ظهور الحق ومعرفته لكثير من الناس فهي أيضاً على قسمين وهما:
1- قسم يمكن معرفة الحق فيه وتمييزه، وإن أشكل على البعض.
2- قسم يوقع الناس في الحيرة.. فلا يكاد يعرف فيه الحق من الباطل لاختلاط المعروف بالمنكر والمحق بالمبطل.
فالفتن التي يمكن معرفة الحق فيها، وإن أشكلت على بعض الناس، فيقال فيها: إن من أشكلت عليه الأمور تعينت عليه العزلة، وعليه يحمل اعتزال من ذكر من الصحابة. والله أعلم.
أما من أمكنه معرفة الحق، ولم يتمكن من العمل به، أو أدت مخالطته للناس إلى تكثير سواد أهل الفتنة، أو حملهم له على المشاركة، فيلزمه أن يعتزل أيضاً.
ومن عرف الحق ولم يخش تفويت العمل به ولا حملهم إياه في فتنتهم.. ولا إعانتهم عليها، ولم يكثر لهم سواداً.. لكنه لو أمر ونهى لم يكن ذلك مؤثراً في حالهم ولا مغيراً لها.. فالأفضل في حقه العزلة وقد يكون هذا الحال أيضاً من أسباب اعتزال بعض الصحابة فمن بعدهم انظر أمثلة ذلك بوفرة في كتاب: ((العزلة للخطابي)). .
قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم هلاك أمتي على أيدي أُغيلمة سفهاء) وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش)) رواه البخاري (7058). قال الحافظ: وأما قوله: ((لو أن الناس اعتزلوهم)) محذوف الجواب وتقديره لكان أولى بهم.. ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك.
قال ابن وهب عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً. وقد صنع ذلك جماعة من السلف. ا.هـ ((الفتح)) (13/10). .
أما إن كان لا يخشى من المخالطة وقوع محذور مما سبق، وبقاؤه ينفع الناس، فهذا قد يتعين عليه البقاء وترك العزلة، وقد دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن المسلم إن كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)) رواه الترمذي (2507)، وابن ماجه (3273)، وأحمد (2/43) (5022)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (388). من حديث ابن عمر رضي الله عنه. ولم يسم الترمذي الصحابي وقال: شيخ من أصحاب النبي. وقال بعد روايته للحديث: قال ابن أبي عدي كان شعبة يرى أنه ابن عمر. قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (1/543): الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر، ولم يسم الترمذي الصحابي قال: شيخ من أصحاب النبي، والطريق واحد. وقال ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (3/449): [رواته] كلهم ثقات، وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (10/528): إسناده حسن، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (7/94). وقال الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)): صحيح. .
وهذا يشبه زماننا هذا والله المستعان.
وأما القسم الثاني من الفتن، وهي التي لا يعرف الحق فيها من الباطل، حيث تلتبس فيها الأمور، وهذا الالتباس ناتج عن طبيعة الفتنة وتلونها.. أو ناتج عن عدم قدرة المعاصر لها من تمييز الحق فيها من الباطل.. وأكثر ما يكون هذا في آخر الزمان.. وعلى ذلك تنزل كثير من الأحاديث السابقة في أول الكلام.. كحديث حذيفة، وحديث أبي سعيد، وحديث ابن عمرو بن العاص، وغيرها.. والله أعلم بالصواب.
الحال الثانية: من الأحوال التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي:
العجز الحسي وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان، فإن من عجز عن القيام بعمل (طولب به) عجزاً حسياً لم يكلف به، كمن عجز عن الجهاد لمرضه أو عرجه أو لذهاب بصره أو غير ذلك، وهذا معروف لا يحتاج إلى تعريف.
الحال الثالثة: ما كان في معنى العجز الحسي، وذلك إذا كان يلحقه من جرائه مكروه معتبر في إسقاط الوجوب عنه انظر: ((تنبيه الغافلين)) (ص: 19) ((لوامع الأنوار البهية)) (2/428)، ((مفتاح السعادة)) (3/307-309). . دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- مرفوعاً: ((إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟! فإن لقن الله عبداً حجته قال: يا رب! رجوتك وفرقت من الناس)) رواه ابن ماجه (3260)، وأحمد (3/29) (11263)، وابن حبان (16/368) (7368)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (6/90) (7574). وقال: له متابعة، وقال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (1/544): إسناده جيد، وقال ابن كثير في تفسيره (3/155): إسناده لا بأس به، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). فقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حجته. ومما يدل على هذا المعنى أيضاً حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه)) رواه الترمذي (2254)، وابن ماجه (3259)، وأحمد (5/405) (23491)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (7/418) (10824). قال الترمذي: حسن غريب، وقال البيهقي: تابعه سعيد بن سليمان النسيطي وعمر بن موسى الشامي عن حماد بن سلمة، وقال البغوي في ((شرح السنة)) (6/546): حسن غريب، وحسنه ابن حجر في ((الأمالي المطلقة)) (166). وقال أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/716): إسناده صحيح، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). .
حد المكروه المعتبر شرعاً انظر: ((الإحياء)) (2/317-319) وانظر: ((مفتاح السعادة)) (3/308-309).
من المعلوم أن الإنسان قد يكره كلمة، كما يكره الضرب، أو طول اللسان، أو الغيبة انظر: الآداب الشرعية (1/155-156) و((تنبيه الغافلين)) لابن النحاس (ص: 103-106) ((لوامع الأنوار البهية)) (2/434). ، وما من شخص يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا ويتوقع منه نوع من الأذى.
لذلك كان لابد من معرفة حد المكروه الذي يسقط بسببه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
اعلم أن مطالب الناس في هذه الدار ترجع إلى أربعة أمور (يطلبها الإنسان لنفسه ومن أحب كالقرابة ونحوهم) وهي:
الأول: مطلوب في النفس وهو العلم.
الثاني: مطلوب في البدن وهو الصحة.
الثالث: مطلوب في المال وهو الثروة.
الرابع: مطلوب في قلوب الناس وهو الجاه.
والمكروه في هذه الأمور الأربعة أمران:
الأول: زوال الموجود منها.
الثاني: امتناع المرتقب.
وكل واحد من هذين الأمرين يحصل بفواته الضرر.
ولكي تجلى لك صورة الأمر نمثل لك على تعرض كل واحد من تلك المطالب الأربعة للزوال باعتبار ما هو حاصل وموجود منها، لا ما كان مرتقباً.
فأما العلم: فلا يمكن لأحد رفعه من قلب صاحبه، وهذا من مزايا العلم وشرفه على غيره كما هو معلوم.. فانتفى المحذور من هذا الوجه.
وأما البدن: فقد يقصد بالعطب الكامل وذلك بالقتل.. فهذا يسقط الوجوب ولا ريب، وقد يقصد بأذى دونه كالضرب أو قطع شيء من الأعضاء ونحو ذلك، وهذا على قسمين وهما:
1- القسم الأول: ما كان الأذى فيه غير معتبر.. كالضربة الخفيفة ونحوها. فهي غير مؤثرة ولا معتبرة في إسقاط الوجوب.
2- القسم الثاني: ما كان الأذى فيه معتبراً كالضرب المؤثر، وقطع شيء من الأعضاء وما جرى مجرى ذلك.. فإن هذا يسقط الوجوب.
وأما المال.. فهذا على قسمين أيضاً وهما:
الأول: ما كان زواله غير مؤثر ولا منظور.. كنقص حبيبات من بر، أو درهم من ممتلكات المحتسب.. وهذا على سبيل التغليب، وإلا فلا شك أن ذلك يختلف باختلاف الناس.
الثاني: ما كان زواله مؤثراً على صاحبه، كإتلاف المال، أو جزء له قيمة معتبرة منه، وهذا مسقط للوجوب انظر: ((تنبيه الغافلين)) (ص: 97). .
وأما الجاه فهو على قسمين أيضاً وهما:
الأول: ما كان غير معتبر انظر: ((تنبيه الغافلين)) (ص: 97). ، وهو ما كان بنحو غيبة تقال فيه، أو لمز أمام أحد من الخلق، أو تجهيل.. أو نحو ذلك كأن يخرج من داره حاسر الرأس مثلا – وإن كان هذا يتفاوت ويختلف باختلاف الأعراف وتفاوتها – أو كأن يمنع من ركوب المراكب الفاخرة التي اعتاد ركوبها.. ونحو ذلك.. فهذا كله غير معتبر. وهذا هو الذي يعبر عنه بالجاه المحض.
الثاني: ما كان معتبراً، كأن يسود وجهه ويطاف به على حمار في السوق.. أو نحو ذا، فإن هذا يسقط الوجوب عنه.. وهو ما يعبر عنه بخوارم المروءة وليس كلها مسقطاً للوجوب انظر: ((تنبيه الغافلين)) (ص: 97). .
وأما التمثيل لما يخاف امتناع ما هو منتظر منها فكما يلي:
ففي جانب العلم: كأن يخشى الإنكار على معلمه أو من لو أنكر عليه لحال بينه وبين التعلم.. فيقال في هذا إن له ثلاثة أحوال.
الأولى: أن يجد غيره.. فهذا لا يسقط عنه الأمر والنهي.. فينكر عليه أو يأمره فإن امتنع من تعليمه ذهب وتعلم من غيره.
الثاني: أن لا يجد غيره لكن العلم الذي يتلقاه منه فرضاً في حقه فإن هذا أيضاً لا يسقط الوجوب عنه.
الثالثة: أن لا يجد غيره.. والعلم الذي يتعلمه منه فرض في حقه، كتعلم الوضوء والصلاة ونحو ذلك، فإن القول بسقوط الإنكار عنه متجه والله أعلم.
وأما في البدن: فكأن يترك الإنكار على الطبيب خوفاً من أن لا يداويه إذا اعتل.. أو خاف أن يتأخر عنه فتمتنع بسببه صحته المرتقبة..
وأما في المال: فكتركه الحسبة على السلطان وأصحابه، وعلى من يواسيه من ماله خوفاً من أن يقطع إدراره في المستقبل ويترك مواساته.
وأما الجاه: فكتركه الحسبة على من يتوقع منه نصرة.. أو جاهاً في المستقبل.. فيخشى أن لا يحصل له ذلك الجاه.. أو كأن يخاف أن يقبح حاله عند السلطان الذي يتوقع منه ولاية. فإن هذا واللذين قبله لا يسقطان شيئاً من وجوب الحسبة لأن هذه زيادات امتنعت.
والذي يمكن أن يستثنى من ذلك هو ما تدعو إليه الحاجة ويكون في فواته محذور يزيد على محذور السكوت على المنكر. كما إذا كان محتاجاً إلى الطبيب لمرض ناجز والصحة منتظرة من معالجة الطبيب.. ويعلم أن في تأخره عنه شدة الضنا به وطول المرض.. وقد يفضي إلى الهلاك.. فإذا انتهى إلى هذا الحد لم يبعد أن يرخص له في ترك الحسبة.
مسألة: هل للإنسان أن يسكت عن الإنكار بيده أو بلسانه خوفاً على منصبه؟!
الجواب: أن صاحب هذا المنصب إن كان بقاؤه فيه لا يقدم نفعاً للمسلمين ولا لدعوتهم إما لطبيعته وإما لحال صاحبه أو غير ذلك، فإن هذا لا يجوز له أن يسكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل بقاء هذا المنصب.
أما إن كان بقاؤه فيه ينتج منه مصالح للأمة.. وخدمات للدعوة إلى الله تعالى كالخطيب في منبره أو المعلم أو نحو ذلك.. فقد يسوغ له أن يسكت عن بعض الأمور إذا غلب على ظنه أن إنكاره لها يكون سبباً في إبعاده عن هذا المنصب.
أما إن كان يؤدي إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلية فهذا لا يظهر وجهه والله أعلم.
وبالجملة فإن الأمور تقدر بقدرها ولكل حالة حكم والله المستعان.
لكن ينبغي الحذر من مداخل الهوى في هذا الباب، فقد يصور المرء لنفسه أن منصبه مهم لخدمة الدعوة ومصلحتها وإنما الذي يحركه في ذلك هواه.
فائدة: قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ... [الأنفال: 65] ثم نزل قوله: الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ... [الأنفال: 66] قال ابن عباس: (فكتب أن لا يفر مائة من مائتين..)، قال سفيان: وقال ابن شبرمة: (وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا) رواه البخاري (4652). ا.هـ.
مسألة انظر: ((تنبيه الغافلين)) (ص: 101 – 102). : هل يشترط في الخوف من لحوق المكروه غلبة الظن، أو يكفي في ذلك تجويز الوقوع؟ وما ضابط ذلك:
قال الغزالي –رحمه الله-: (فإن قيل: فالمكروه الذي تتوقع إصابته إن لم يكن متيقناً ولا معلوماً بغالب الظن ولكن كان مشكوكاً فيه، أو كان غالب ظنه أنه لا يصاب بمكروه انظر: ((الآداب الشرعية)) (1/159). ، ولكن احتمل أن يصاب بمكروه، فهذا الاحتمال هل يسقط الوجوب حتى لا يجب إلا عند اليقين بأنه لا يصيبه مكروه، أم يجب في كل حال، إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه؟!
قلنا: إن غلب على الظن أنه يصاب بمكروه لم يجب، وإن غلب على الظن أنه لا يصاب وجب.
ومجرد التجويز لا يسقط الوجوب فإن ذلك ممكن في كل حسبة. وإن شك فيه من غير رجحان فهذا محل النظر، فيحتمل أن يقال: الأصل الوجوب بحكم العمومات، وإنما يسقط بمكروه، والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعاً. وهذا هو الأظهر. ويحتمل أن يقال: إنه إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضرر فيه عليه، أو ظن أنه لا ضرر عليه. والأول أصح، نظراً إلى قضية العمومات الموجبة للأمر بالمعروف. فإن قيل: فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن والجراءة فالجبان الضعيف القلب يرى البعيد قريباً حتى كأنه يشاهده ويرتاع منه. والمتهور الشجاع يبعد وقوع المكروه به بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل حتى إنه لا يصدق به إلا بعد وقوعه، فعلى ماذا التعويل؟!
قلنا: التعويل على اعتدال الطبع وسلامة العقل..) ((الإحياء)) (2/316-317). ا.هـ.
وإنما تؤتى الدعوات من أحد هذين الصنفين الذين ذكرهما.. فالمتهور يوقع نفسه ومن معه في مهالك تجهز عليهم وعلى دعوتهم.. وتفتح الباب على مصراعيه لعدوهم المتربص لضربهم ونسف جهودهم في الدعوة.. وهذا النوع يفسد في الغالب أكثر مما يصلح، ولا حيلة معه إلا بأن يروض نفسه ولو تكلفاً، كما ينبغي له أن يستشير من هو أعقل وأعلم منه، وعليه أن يقبل المشورة.
أما ضعيف القلب والذي يخاف ظله.. ويتوهمه عدواً يطارده.. فعليه أن يعود نفسه على الإقدام.. حتى في حال خوفه لعل هذا الخوف أن يزول عنه.. وهذا النوع من الخلق لا يقل خطراً على الدعوات من الأول، ولذا فلا ينبغي أن يولى هذان على رجلين أبداً. فهذا الضعيف كم من جهاد عطل بسببه، وكم من عمل بر أو حلقة علم جمدت نتيجة لأوهامه، وبالجملة فإن مجالسة هذا الصنف –أعني الأخير- تفسد قوى النفس وتجلب الوهن والوهم والخوف من النسمات.. ومثل هذا والذي قبله لا يصلح أن يحمل دعوة ولا أن يوجه أمة.. فمن أراد السلامة فعليه اجتنابهما ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) رواه البخاري (5707). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. بلفظ: ((وفر من المجذوم كما تفر من الأسد)). بل إن مجالسة المجاذيم أهون من مجالسة صاحب الوهن إن كان وهنه متعدياً كما سبق، لأن الجذام إذا أصيب به الإنسان –بإذن الله- تآكلت أطرافه وتعطلت قواها.
أما هذا الواهن الموهن فإن مجالسته سبب لتآكل قوى القلب وتلاشيها.. حتى يصير صاحبها لا يقدر على تحريك ساكن.
وغالباً ما يكون الأول –أعني المتهور- أكثر صدقاً من الثاني، لكنه لقلة علمه أو عقله وتجربته يتسرع فيوقع نفسه فيما هو في غنى عن الوقوع فيه.
أما الثاني فغالباً ما يكون سبب ضعفه إنما هو خوفه على نفسه أو منصبه، وهذا قد يوقعه في المداهنة كثيراً. والله المستعان.
ومما يدل على أن مجرد هيبة الناس لا تكفي في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيباً فكان فيما قال: ((ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه. قال: فبكى أبو سعيد وقال: قد والله رأينا فهبنا)) رواه الترمذي (2191)، وابن ماجه (3253)، وأحمد (3/71) (11696)، والحاكم (4/551). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال البغوي في ((شرح السنة)) (7/287)، وابن حجر في ((الأمالي المطلقة)) (169): حسن، وصححه أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/716) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). .
قال أبو المنذر إسماعيل بن عمر: سمعت أبا عبد الرحمن العمري الزاهد يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله، بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه، ولا تأمر ولا تنهى خوفاً من المخلوق. من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين نزعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لاستخف به ((نزهة الفضلاء)) (2/653). .
والحاصل أن هذه الأمور التي بها يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن المكلف باليد واللسان.
لكن إذا سقط عنه الوجوب فليس معنى ذلك أن ينتفي في حقه ويمنع منه بل قد يكون مستحباً.. كما أنه يكون محرماً أو مكروهاً في بعض الأحيان.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص96

انظر أيضا: