trial

الموسوعة العقدية

المطلب الأول: الحكم العام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات، وأجلها وأفضلها.
ولقد دل على وجوبه الكتاب والسنة انظر: ((الإحياء)) (2/ 303-308)، ((الفتاوى العراقية)) (1/99)، ((الآداب الشرعية)) (1/171-173) ((مختصر الفتاوى المصرية)) (ص: 579)، ((جامع العلوم والحكم)) (ص: 281)، ((تنبيه الغافلين)) (ص: 5-18)، ((فتح المبين)) (ص: 245)، ((لوامع الأنوار البهية)) (2/427)، ((أصول الدعوة)) (ص: 165). ، كما نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم كابن عطية ((تفسير ابن عطية)) (5/166). والنووي وأبي المعالي الجويني ((النووي شرح مسلم)) (1/ 2/22). .
وإذا تأملت نصوص الكتاب والسنة في طلب هذا الأمر العظيم ألفيت ذلك قد ورد باستفاضة كبيرة جداً مع تنوع في الأساليب التي يمكن أن نوجز لك بعضها ثم نمثل عليها بعد ذلك:
1- الأمر به.
2- جعله من الصفات اللازمة للمؤمنين.
3- اعتبار فعل ما يضاده من الصفات اللازمة للمنافقين.
4- جعله سبباً للخيرية في هذه الأمة.
5- بيان أن تركه سبب لوقوع اللعن والإبعاد.
6- بيان أن فعله سبب للنجاة.
7- بيان أن تركه سبب للهلاك.
8- اعتباره سبباً للنصر.
9- اعتبار تركه سبباً للذم والتوبيخ.
10- وصف من تركه وقعد عنه بالظلم.
11- نفي الإيمان عمن قعد عنه حتى بالقلب.
12- الشهادة بالإيمان لفاعله، وتارة يجعله من أفضل أعمال المؤمنين.
13- تارة يقرنه بعدد من الحقوق والواجبات، ويجعلها معه في سياق واحد.
وبعد هذا العرض الموجز إليك ذكر بعض النماذج من الكتاب أو السنة على ما سبق فنقول:
من الأول: قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ... [آل عمران: 104] وقوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: 125] ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو سعيد الخدري –رضي الله عنه مرفوعاً: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده...)) رواه مسلم (49). ، ومنه حديث ابن مسعود –رضي الله عنه- مرفوعاً: ((إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح عليكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) رواه الترمذي (2257)، وأحمد (1/436) (4156)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (5/511) (9828)، وابن حبان (11/129) (4804)، والبيهقي (3/180) (5827). قال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (6/96)، وقال الألباني: صحيح. .
ومن الثاني: قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة: 71].
ومن الثالث: قوله تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة: 67] قال البيهقي –رحمه الله-: (ثم إن الله تعالى جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرق ما بين المؤمنين والمؤمنات لأنه قال: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ وقال وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ فثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمنين وأقواها دلالة على صحة عقدهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.) انظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) (3/216)، و((الشعب)) (6/84) (7558). ا.هـ
ومن الرابع: قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ... [آل عمران: 110] وقد تقدم قول عمر –رضي الله عنه (من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله في هذه الآية) رواه الطبري في تفسيره (7/102) (7612). .
ومن الخامس: قوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة: 78-79].
ومن السادس: قوله تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ... [هود: 116].
ومن السابع: حديث أبي بكر -رضي الله عنه- في تقويم مفهوم أخطأ فيه البعض: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)) رواه أبو داود (4338)، والترمذي (2168)، وأحمد (1/7) (29، 30)، وابن حبان (1/539) (304). قال الترمذي، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3/208): صحيح، وصحح إسناده النووي في ((الأذكار)) (412)، وابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (1/193)، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (1/36)، وقال الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)): صحيح. ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا ولا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)) رواه أبو داود (4338). قال الألباني في ((صحيح الترغيب)) (2317): صحيح، وقال الوادعي في ((الصحيح المسند)) (713): صحيح على شرط الشيخين. انظر بعض ما ورد في التحذير من تركه من كتاب: ((تنبيه الغافلين)) لابن النحاس (ص: 72-79). .
ومن الثامن: قوله تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ... [الحج: 40-41].
ومن التاسع: قوله تعالى: لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: 63] قال ابن جرير –رحمه الله-: (وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها). ا.هـ.
وأخرج في تفسيره بإسناد صحيح عن الضحاك أنه قال في هذه الآية: (ما في القرآن آية أخوف عندي منها: أنا لا ننهى) ((تفسير الطبري)) تحقيق أحمد شاكر (10/449). .
ومن العاشر: قوله تعالى: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ [هود: 116].
ومن الأقوال للمفسرين في هذه الآية قول بعضهم: (أراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات، أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتبعوا طلب الشهوات واللذات، واشتغلوا بتحصيل الرياسات) انظر: ((تفسير الرازي)) (18/75)، ((وفتح القدير)) (2/534)، ((وتفسير القاسمي)) (9/180). ا.هـ.
ومن الحادي عشر: حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((ما من نبي يبعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) رواه مسلم (50). .
ومنه حديث أبي سعيد المتقدم وفيه: ((وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم (49). .
ومن الثاني عشر: قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا... [فصلت: 33].
ومن الثالث عشر: قوله –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ((إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر...)) رواه البخاري (2465). فقد اعتبره من جملة الأمور التي بها يباح الجلوس في الطرقات.. وإلا فيحرم، وهذا يدل على أنه حق واجب له؛ ثم إنه عده في جملة أمور واجبة، وهي غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وهذه كلها من الواجبات كما هو معلوم.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص 90

انظر أيضا: