trial

الموسوعة العقدية

المبحث الأول: مسببات العزل


من المتفق عليه بين العلماء أن الإمام ما دام قائما بواجباته الملقاة على عاتقه، مالكا القدرة على الاستمرار في تدبير شؤون رعيته، عادلاً بينهم فإنه لا يجوز عزله ولا الخروج عليه، بل ذلك مما حذر منه الإسلام وتوعد الغادر بعذاب أليم يوم القيامة، كما أن الأخطاء اليسيرة، لا تجوِّز عزل الإمام، لأن الكمال لله وحده والمعصوم من عصمه الله، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، لكن هناك أمور عظيمة لها تأثير على حيات المسلمين الدينية والدنيوية، منها ما يؤدي إلى ضرورة عزل الإمام المرتكب لها، وهذه الأمور منها: ما هو متفق عليه بين العلماء. ومنها: ما هو مختلف فيه. والآن نستعرض هذه الأسباب لنرى آراء العلماء فيها:
الأول: الكفر والردَّة بعد الإسلام:
أول الأمور وأعظم الأسباب الموجبة لعزل الوالي وخلعه عن تدبير أوامر المسلمين هو الردة والكفر بعد الإيمان، فإذا ما ارتكب الإمام جرمًا عظيمًا يؤدي إلى الكفر والارتداد عن الدين فإنه ينعزل بذلك عن تدبير أمر المسلمين، ولا يكون له ولاية على مسلم بحال، قال تعالى: وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [ النساء: 141] وأي سبيل أعظم من سبيل الإمامة؟ وفي الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: ((بايعنا – أي: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)) [13600])) رواه البخاري (7055)، ومسلم (1840). .
قال الخطابي: (معنى بواحًا يريد ظاهرًا باديًا من قولهم باح بالشيء يبوح بوحًا وبواحًا إذا أذاعه وأظهره) [13601])) ((فتح الباري)) (13/8). ((وعندكم من الله فيه برهان)) قال الحافظ ابن حجر:(أي: نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل) [13602])) ((فتح الباري)) (13/5). . وقال النووي: (المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولاياتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام) [13603])) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (12/229). .
ومن مفهوم هذا الحديث أنه لا يشترط أن يعلن هذا الحاكم الردة عن الإسلام أو الكفر، بل يكفي إظهاره لبعض المظاهر الموجبة للكفر قال الكشميري: (ودل - أي هذا الحديث - أيضًا على هذا أن أهل القبلة يجوز تكفيرهم وإن لم يخرجوا عن القبلة، وأنه قد يلزم الكفر بلا التزام وبدون أن يريد تبديل الملة، وإلا لم يحتج الرائي إلى برهان) [13604])) ((إكفار الملحدين)) للكشميري (ص: 22). .
فظاهر الحديث أن من طرأ عليه الكفر فإنه يجب عزله، وهذا أهون ما يجب على الأمة نحوه، إذ الواجب أن يقاتل ويباح دمه بسبب ردته امتثالاً لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه ابن عباس: ((من بدل دينه فاقتلوه)) [13605])) رواه البخاري (3017). .
... وأن الكافر لا ولاية له على المسلم بحال وهذا السبب في عزل الإمام محل اتفاق بين العلماء، ومجمع عليه عندهم، قال أبو يعلى: (إن حدث منه ما يقدح في دينه، نظرت فإن كفر بعد إيمانه فقد خرج عن الإمامة، وهذا لا إشكال فيه لأنه قد خرج عن الملة ووجب قتله) [13606])) ((المعتمد في أصول الدين)) (ص: 243). .
وقال القاضي عياض: (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر) [13607])) ((شرح صحيح مسلم) للنووي (12/229). . وقال الحافظ ابن حجر: (أنه - أي الإمام - ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) [13608])) ((فتح الباري)) (13/123). .
وقال السفاقسي: (أجمعوا على أن الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة يثار عليه) [13609])) ((إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري)) (10/217). .
الثاني: ترك الصلاة والدعوة إليها:
كما أن من الأسباب الموجبة لعزل الإمام ترك الصلاة والدعوة إليها، إما جحودًا فهذا كفر ويدخل في السبب الآنف الذكر، وإما تهاونًا وكسلاً فعلى رأي بعض العلماء أنه معصية وكبيرة من الكبائر، وعلى الرأي الآخر أنه كفر... فعلى أي الحالين يجب عزل الإمام الذي يترك الصلاة عملاً بالأحاديث الواردة في ذلك والتي نهت عن منابذة أئمة الجور ونقض بيعتهم وعن مقاتلتهم بشرط إقامتهم الصلاة ومن الأحاديث:
1- ما رواه مسلم عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قال: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة...)) الحديث [13610])) رواه مسلم (1855). . ومن مفهوم الحديث أنه متى تركوا إقامة الصلاة فإنهم ينابذون، والمنابذة هي المدافعة والمخاصمة والمقاتلة.
2- كما يدل على ذلك أيضًا الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا)) [13611])) رواه مسلم (1854). .
وهذا الحديث فيه التصريح بمقاتلة الأمراء الذين لا يصلون، ومعلوم أن المقاتلة هي آخر وسيلة من وسائل العزل ...
الثالث: ترك الحكم بما أنزل الله:
وهذا السبب أيضًا كالذي قبله تستوي فيه الصور من الحكم بغير ما أنزل الله المخرجة لفاعلها من الإسلام، وكذلك الصور التي لا تخرجه من الملة...
والذي يدل على أن هذا السبب موجب لعزل الإمام بجميع صوره المكفرة والمفسقة هو ورودها مطلقة في الأحاديث النبوية الصحيحة الآتية:
1- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله)) رواه البخاري (7142). .
2- وعن أم الحصين الأحمسية رضي الله تعالى عنها قالت: ((حججت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع... إلى أن قالت: ثم سمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت: أسود - يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)) رواه مسلم (1298). . وفي رواية: الترمذي والنسائي سمعته يقول: ((يا أيها الناس اتقوا الله وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله)) [13614])) رواه الترمذي (1706)، والنسائي (7/154)، وابن ماجه (2328)، وأحمد (6/402) (27301)، والحاكم (4/206) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)). .
فهذه الأحاديث واضحة الدلالة على أنه يشترط للسمع والطاعة أن يقود الإمام رعيته بكتاب الله. أما إذا لم يحكم فيهم شرع الله فهذا لا سمع له ولا طاعة وهذا يقتضي عزله، وهذا في صور الحكم بغير ما أنزل الله المفسقة، أما المكفرة فهي توجب عزله ولو بالمقاتلة ...
الرابع: الفسق والظلم والبدعة:
من المتفق عليه بين العلماء أن الإمامة لا تعقد لفاسق ابتداء. قال القرطبي: (لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق [13615])) ((الجامع لأحكام القرآن)) (1/270). ... لكن لو انعقدت الإمامة لعادل ثم طرأ عليه الفسق فما الحكم؟ هنا حصل الخلاف بين العلماء فمنهم من قال يستحق العزل وتنتقض بيعته، ومنهم من قال باستدامة العقد ما لم يصل به الفسق إلى ترك الصلاة أو الكفر، وفصَّل آخرون القول في ذلك على ما سيأتي:
1- القائلون بالعزل مطلقًا:
وهؤلاء يرون أن طروء الفسق كأصالته في إبطال العقد وذلك لانتفاء الغرض المقصود أصلاً من الإمامة، ونسب القرطبي هذا القول للجمهور فقال: (قال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته، ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق، وحفظ أموال الأيتام والمجانين، والنظر في أمورهم، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها...).
قال: (فلو جوزنا أن يكون فاسق أدى إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله) [13616])) ((الجامع لأحكام القرآن)) (1/271). .
ونسب الزبيدي هذا القول إلى الشافعي في القديم [13617])) ((إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين)) (2/233). ، وإليه ذهب بعض أصحابه) [13618])) ((مآثر الإنافة)) (1/72). وهو المشهور عن أبي حنيفة.
وهو مذهب المعتزلة والخوارج، أما المعتزلة فقد قال عنهم القاضي عبد الجبار: (فأما الأحداث التي يخرج بها من كونه إمامًا فظهور الفسق سواء بلغ حد الكفر أو لم يبلغ لأن ذلك يقدح في عدالته) قال: (... لا فرق بين الفسق بالتأويل، وبين الفسق بأفعال الجوارح في هذا الباب عند مشايخنا... وهذا مما لا خلاف فيه، لأنهم أجمعوا أنه يهتك بالفجور وغيره (وكذا) أنه لا يبقى على إمامته) [13619])) ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (20/170) ق 2. .
وأما الخوارج فإنهم لما كانوا يقولون بأن الفسق يخرج مرتكبه من الإيمان قالوا بانعزال الإمام إذا فسق لأنه حينئذ ليس مؤمنًا - على مذهبهم - وغير المؤمن لا يصلح أن يكون إمامًا، ومما أجمعت عليه الخوارج هو (الخروج على الأئمة) [13620])) ((الفرق بين الفرق)) (ص: 73). .
2- القائلون بعدم العزل بالفسق مطلقًا:
وهم جمهور أهل السنة، قال القاضي عياض: (وقال جمهور أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه وتخويفه) [13621])) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (12/229). .
وقال النووي: (إن الإمام لا ينعزل بالفسق على الصحيح) [13622])) ((روضة الطالبين)) (10/48). وقال أبو يعلى في المعتمد: (ذكر شيخنا أبو عبد الله في كتابه عن أصحابنا أنه لا ينخلع بذلك، أي بفسق الأفعال كأخذ الأموال وضرب الأبشار، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي الله تعالى) [13623])) ((المعتمد في أصول الدين)) (ص: 243). .
وذهب في كتابه (الأحكام السلطانية) إلى أن الفسق (لا يمنع من استدامة الإمامة سواء كان متعلقًا بأفعال الجوارح وهو ارتكاب المحظورات وإقدامه على المنكرات إتباعًا لشهوة، أو كان متعلقًا بالاعتقاد وهو: المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحق) [13624])) ((الأحكام السلطانية)) (ص: 20). .
ثم استدل على ما ذهب إليه بكلام الإمام أحمد في المنع من الخروج على الأئمة لما في ذلك من إحياء الفتنة، وبالأحاديث الآمرة بالصبر على جور الأئمة...
لكن مما ينبغي التنبيه إليه في هذا المقام هو أن المراد هنا هل الفسق يجعله مستحقًا للعزل أم لا؟ ... علمًا بأن هناك طرقًا للعزل غير السيف، ... وليس كل من استحق العزل يعزل، وإنما ينظر إلى ما سيترتب على هذا العزل، فإن ترتب عليه فتنة أكبر لم يجز العزل والخروج عليه. كما لا يجوز إنكار المنكر بمنكر أعظم منه، أما إذا أمنت الفتنة وقدر على عزله بوسيلة لا تؤدي إلى فتنة ففي هذه الحال يقوم أهل الحل والعقد بعزله لأنهم الذين أبرموا معه عقد الإمامة، فهم الذين يملكون نقضه.
(3) ومنهم من فصل في ذلك:
وهذا التفصيل من جهتين: من جهة ماهية الفسق، ومن جهة زمان العزل.
أ- فأما ما يتعلق بماهية الفسق: فقد ذكر الماوردي الشافعي أن الفسق المانع لعقد الإمامة واستدامتها على ضربين:
أحدهما: ما تابع فيه الشهوة. وهو: فسق الجوارح، وهو: ارتكابه المحظورات، وإقدامه على المنكرات، تحكيمًا للشهوة وانقيادًا للهوى. قال: (فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها) [13625])) ((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 17). .
الثاني منهما: متعلق بالاعتقاد والمتأول لشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف العلماء فيها (فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ويخرج بحدوثه منها... وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها، كما لا يمنع ولاية القضاء وجواز الشهادة) [13626])) ((الأحكام السلطانية)) (ص: 17). .
ب- أما ما يتعلق بزمان العزل ففيها ثلاثة أوجه وهي كالتالي:
أحدها: ينخلع بنفس الفسق... كما لو مات.
والثاني: لا ينخلع حتى يحكم بخلعه، كما إذا فك عنه الحجر ثم صار مبذرًا، فإنه لا يصح أن يصير محجورًا عليه إلا بالحكم.
والثالث: إن أمكن استتابته وتقويم اعوجاجه لم يخلع وإن لم يمكن ذلك خلع [13627])) انظر: ((تكملة المجموع)) للمطيعي (17/520). .
وهذا الوجه هو الذي رجحه الجويني [13628])) ((غياث الأمم)) (ص: 92)، وانظر: (ص: 76) و(ص: 88). وذهب إليه ابن حزم الظاهري فقال: (والواجب إن وقع شيء من الجور وإن قل أن يكلم الإمام في ذلك ويمنع منه، فإن امتنع وراجع الحق وأذعن للقود من البشرة أو الأعضاء ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه فلا سبيل إلى خلعه. وهو: إمام كما كان لا يحل خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق) [13629])) ((الفصل)) (4/176). .
وقد استدل القائلون بالعزل بالأدلة الدالة على اشتراطه في عقد الإمامة ابتداء ... قالوا: فكذلك هنا، ولأن الغرض من المنصب هو حماية جناب الدين ورفع الظلم وتحقيق العدل، فإذا انتفت هذه الخصال انتفى مقصود الإمامة والإمامة واجبة شرعًا كما مر فدل على أنه لا بد أن يكون الإمام عادلاً.
واستدل المانعون بالأحاديث الصحيحة الكثيرة في الأمر بالصبر على جور الأئمة وعدم نزع اليد من الطاعة، وبما يترتب على العزل من فتن وإراقة الدماء وقد يجلب دفع هذا المنكر منكرًا أكبر منه وهذا لا يجوز...
الخامس: نقص التصرف:
ومن مسببات العزل أيضًا نقص التصرف، وذلك بأن يطرأ على الإمام ما يقيد تصرفاته أو يبطلها، وقد قسمه العلماء إلى حجر وقهر:
أ- فالحجر: (هو: أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقه) [13630])) ((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 19)، و((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 22). .
فهذا لا يقتضي عزله وخروجه من أحكام الإمامة، وإنما ينظر إلى أفعال من استولى على أموره وهي: لا تخرج عن صورتين.
1- إما أن تكون جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل، وفي هذه الحالة يجوز (إقراره عليها تنفيذًا لها وإمضاء لأحكامها، لئلا يقف من الأمور الدينية ما يعود بفساد على الأمة) [13631])) ((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 20)، و((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 23). .
2- وإما أن تكون أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل ففي هذه الحال (لم يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه) [13632])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 23)، و((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 20). .
ب- أما القهر فله صورتان:
الأولى: الأسر:
وهو: أن يصير مأسورًا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، سواء كان هذا العدو مشركًا أو مسلمًا باغيًا ...
1- أن يكون مرجو الخلاص من هذا الأسر فهو في هذه الحال باق على إمامته، قال الماوردي: (وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك إما بقتال أو بفداء) [13633])) ((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 20). وعلى كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته الإمامة من نصرته.
2- أن يكون ميئوسًا من خلاصه، وفي هذه الحال ينظر إلى الآسر:
أ- فإن كانوا المشركين: فعلى أهل الحل والعقد استئناف بيعة غيره على الإمامة.
ب- وإن كانوا بغاة: فلن يخلو حالهم من أمرين:
1- إما أن يكونوا قد نصبوا لأنفسهم إمامًا دخلوا في بيعته، وانقادوا لطاعته ففي هذه الحال يكون (الإمام المأسور في أيديهم خارجًا من الإمامة بالإياس من خلاصه، لأنهم قد انحازوا بدار تفرد حكمها عن الجماعة وخرجوا بها عن الطاعة، فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة وللمأسور معهم قدرة، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوا لها فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها) [13634])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلي (ص23)، و((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 20). .
2- وإما أن يكونوا لم ينصبوا لهم إمامًا، بل كانوا فوضى لا إمام لهم ففي هذه الحالة يكون (الإمام المأسور في أيديهم على إمامته، لأن بيعتهم له لازمة وطاعته عليهم واجبة، فصار معهم كمصيره مع أهل العدل إذا صار تحت الحجر، وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرًا يخلفه إن لم يقدر على الاستنابة، فإن قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم) [13635])) ((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 20)، و((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 23). .
الصورة الثانية: أن يخرج عليه من يستولي على الإمامة بالقوة:
وهذا أحد طرق انعقاد الإمامة ... وهو ما يسمى بالقهر والغلبة، وفي هذه الحال إذا تمكن هذا القاهر وغلب على الإمام الأول، واستولى على تدبير الأمور، فإن الإمام السابق في هذا الحال يكون معزولاً، وتنعقد الإمامة لهذا المستولي الجديد للضرورة، وحتى لا يقع الناس في الفوضى والفتنة، ويعمّ الفساد، وقد صلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بأهل المدينة يوم الحرَّة [13636])) الحرة موضع قريب من المدينة، ووقعة الحرة هذه هي الوقعة التي حصلت بين يزيد بن معاوية وبين أهل المدينة لما خلعوه لما أخذوا عليه من فسق، فبعث إليهم من يردهم إلى الطاعة، وأنظرهم ثلاثة أيام، فلما رجعوا قاتلهم واستباح المدينة ثلاثة أيام... انظر: ((البداية والنهاية)) (8/232). وقال: (نحن مع من غلب) [13637])) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (4/110). . وقال: (لا أقاتل في الفتنة، وأصلي وراء من غلب) [13638])) ((الطبقات الكبرى)) (4/149). وإسناده صحيح إلى سيف المازني، أما هو فأورده ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً. انظر: إرواء الغليل (2/304). .
وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى بطلان إمامة السابق كما في رواية أبي الحارث: (في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيفتتن الناس فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم، مع من تكون الجمعة؟ قال: (مع من غلب) [13639])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 23). .
وقد سبق الحديث عن هذه الطريقة، وأدلة ثبوتها، وأقوال العلماء فيها وأنها ليست من الطرق المشروعة وإنما للضرورة، ولأن مصلحة المسلمين تقتضي ذلك. والله أعلم.
السادس: نقص الكفاءة:
وذلك بعجز عقلي أو جسدي له تأثير على الرأي أو العمل: وهذه منها ما يمنع عقد الإمامة ابتداء ويمنع استدامتها، ومنها ما يمنع عقدها ابتداء فقط ...
- ومنها ما لا يمنع العقد لا ابتداء ولا يمنع من استدامتها، ونحن في هذا المقام سنقتصر على ما يمنع من عقد الإمامة ابتداء ومن استدامتها، لأن ذلك هو الموجب للعزل فقط.
أ- زوال العقل: بجنون ونحوه، وهذا مما لا خلاف فيه [13640])) حكى الجويني الإجماع على ذلك. انظر: ((غياث الأمم)) (ص: 93). إذا كان دائمًا لا ينفك، لأن الجنون يمتد عادة (فلو لم ينصبوا إمامًا آخر لأدى ذلك إلى اختلال الأمور، ولأن المجنون يجب ثبوت الولاية عليه، فكيف يكون وليًا لكافة الأمة) ؟ [13641])) ((مآثر الإنافة)) (1/67). وأيضًا لأن ذلك (يمنع المقصود الذي هو إقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحماية المسلمين) [13642])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 21). .
هذا إذا كان مطبقا لا يتخلله إفاقة، أما إذا كان يتخلله إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة ففي هذه الناحية يحتاج الأمر إلى تفصيل (فإن كان أكثر زمانه الخبل فهو كما لو كان مطبقًا - أي يمنع ابتداء العقد واستدامته - وإن كان أكثر زمانه الإفاقة فقد قيل: يمنع من عقدها، وهل يمنع من استدامتها؟ فقيل: يمنع من استدامتها كما يمنع من ابتدائها، لأن في ذلك إخلالاً بالنظر المستحق فيه، وقد قيل: لا يمنع من استدامتها وإن منع من عقدها، لأنه يراعى في ابتداء عقدها سلامة كاملة وفي الخروج منها نقص كامل) [13643])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 21)، و((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 18). أما إن كان عارضًا يرجى زواله كالإغماء ونحوه فهذا لا يمنع العقد ابتداء، ومن ثم لا يمنع استدامتها من باب أولى.
ب- فقد بعض الحواس المؤثرة في الرأي أو العمل مثل:
1- العمى: فهذا يمنع من عقدها ومن استدامتها، لأنه يُبْطِل القضاء ويمنع من جواز الشهادة - على رأي الجمهور - فأولى أن يمنع من صحة الإمامة [13644])) الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص: 21)، و((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 18). . أما عشى العين وضعف البصر فلا يمنع من الاستدامة.
2- الصمم والخرس: ففي انعزاله بطروئهما عليه ثلاثة مذاهب حكاها الماوردي وهي:
الأول: ينعزل بذلك كما ينعزل بالعمى لتأثيرهما في التدبير والعمل، ورجّح هذا القول [13645])) ((الأحكام السلطانية)) للماوردي (ص: 18). ، وعليه اقتصر الرافعي والنووي [13646])) ((مآثر الإنافة)) (1/68). .
الثاني: لا ينعزل لقيام الإشارة مقام السمع، والخروج من الإمامة لا يكون إلا بنقص كامل.
الثالث: إن كان يحسن الكتابة لم يعزل، وإن كان لا يحسنها انعزل، لأن الكتابة مفهومة والإشارة موهومة [13647])) ((الأحكام السلطانية)) (ص: 18). .
أما ما لا يؤثر ذهابه في الرأي والعمل كالخَشَم في الأنف الذي يمنع إدراك الروائح، وفقد الذوق الذي يعرف به الطعوم فإنهما لا يوجبان العزل بلا خلاف، وكذلك لا ينعزل بتمتمة
اللسان ونحوها لأن نبي الله موسى عليه السلام لم تمنعه عقدة لسانه من النبوة فأولى ألا يمنع الإمامة [13648])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 21)، وانظر: ((مآثر الإنافة)) (1/69). .
هذا وقد سبقت الإشارة إلى أن من الفقهاء من لا يشترط هذه الأمور في الإمامة عند ابتداء العقد، ومن باب أولى بعد العقد كابن حزم وغيره لكنه رأي مرجوح ...
جـ- فقد بعض الأعضاء المخل فقدها بالعمل أو النهوض:
وذلك كذهاب اليدين أو الرجلين. فإذا طرأ على الإمام شيء من ذلك انعزل لعجزه عن كمال القيام بحقوق الأمة. أما ما يؤثر في بعض العمل دون بعض كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرجلين ففيه وجهان:
الأول: أنه لا يؤثر وإن كان ذلك يمنع عقد الإمامة ابتداء، لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة، فيعتبر في الخروج منها كمال النقص، وهذا هو الراجح.
والثاني: يؤثر لنقص الحركة، فلو كان ذلك لا يؤثر فقده في عمل ولا نهوض كقطع الذكر أو الأنثيين، فهذا لا يمنع من الإمامة ولا من استدامتها، لأن ذلك مؤثر في التناسل فقط... وقد استدلوا على ذلك بوصف الله ليحيى بن زكريا عليهما السلام وثنائه عليه فقال تعالى: وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: 39] وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما (أنه لم يكن له ذكر يغشى به النساء...) [13649])) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/643) بلفظ: (الحصور: الذي لا يأتي النساء). قالوا: (فلما لم يمنع ذلك من النبوة، فأولى أن لا يمنع من الإمامة) [13650])) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص: 21). .
ونحو ذلك سمل إحدى العينين وجدع الأنف والأذن لأن ذلك لا تأثير له على الحقوق والله أعلم. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - ص 468


انظر أيضا: