trial

الموسوعة العقدية

المبحث الثالث: المناصحة


إن الإمام بَشَرٌ، يعتريه ما يعتري البشر من الضعف والخطأ والنسيان، ولذلك شرعت النصيحة له لتذكيره وتبيين ما قد يخفى عليه من الأمور، وهذه من حقوقه على الرعية، فعلى الرعية القيام بأدائها إليه سواء طلبها أم لا، والأدلة على هذا كثيرة منها:
1- ما رواه مسلم في صحيحه عن تميم الداري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الدين النصيحة)). وفي رواية - قالها ثلاثًا - قلنا: لمن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) [13514])) رواه مسلم (55). .
وهذا من الأحاديث العظيمة ومن جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -، قال النووي: (وأما ما قاله جماعة من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام، أي: أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام فليس كما قالوا بل المدار على هذا وحده) [13515])) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (1/37). .
ومعنى النصيحة لله كما نقله النووي عن الخطابي وغيره من العلماء: (أن معناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال، والجلال كلها، وتنزيهه سبحانه وتعالى عن جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه والبغض فيه...
وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى: فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها.
وأما النصيحة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيًا وميتًا، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء سنته وبث دعوته ونشر شريعته...
وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به وتذكريهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم.
وأما النصيحة لعامة المسلمين وهم من عدا ولاة الأمر: فبإرشادهم إلى مصالحهم في آخرتهم ودنياهم... وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر) [13516])) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (1/38، 39) مختصرًا. .
والنصيحة كما قال الخطابي: (كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، قال: ويقال هو: من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها العبارة عن هذه الكلمة) [13517])) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (1/37). .
وقال أبو عمرو بن الصلاح: (النصيحة: كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلاً) [13518])) ((جامع العلوم والحكم)) (ص76). .
2- ومنها ما رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخيف من منى فقال: ((نضر الله امرءًا سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) [13519])) رواه ابن ماجه (189)، وأحمد (4/80) (16784)، والدارمي (1/86) (228)، وأبو يعلى (13/408) (7413)، والطبراني (2/126) (1542)، والحاكم (1/162). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين قاعدة من قواعد أصحاب الروايات ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (1/144): رواه الطبراني في ((الكبير)) وأحمد وفي إسناده ابن إسحاق عن الزهري وهو مدلس وله طريق عن صالح بن كيسان عن الزهري ورجالها موثقون، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). .
مما سبق نستنتج أن النصيحة أصل عظيم من أصول الإسلام ولذلك عدها ابن بطة من أصول السنة عند السلف رضوان الله عليهم [13520])) انظر: ((الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة)) (ص: 179) رسالة ماجستير مقدمة من الطالب رضا معطي نعسان بجامعة أم القرى. .
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما يبايع أحدًا، يشترط عليه النصح لكل مسلم. قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: (بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على النصح لكل مسلم) [13521])) رواه مسلم (56). .
وقد دأب الصحابة رضوان الله عليهم على أداء هذا الحق لأئمتهم، فقد روى الإمام أحمد بسنده إلى محمد بن عبد الله (أن عبد الله بن عمر لقي ناسًا خرجوا من عند مروان فقال: من أين جاء هؤلاء؟ قالوا: خرجنا من عند الأمير مروان، قال: وكل حق رأيتموه تكلًّمتم به وأعنتم عليه، وكل منكر رأيتموه أنكرتموه عليه؟ قالوا: لا والله، بل يقول ما ينكر فنقول قد أصبت أصلحك الله، فإذا خرجنا من عنده قلنا: قاتله الله ما أظلمه وأفجره. قال عبد الله: كنا بعهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعدُّ هذا نفاقًا لمن كان هكذا) [13522])) رواه أحمد (2/69) (5373). قال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (7/198): إسناده صحيح، وقال شعيب الأرناؤوط محقق ((المسند)): صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمر بن عبدالله. .
وقد رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن يؤدي المؤمن هذه النصيحة إلى أئمة الجور وإن خاف منهم الهلاك وعد ذلك من أفضل الجهاد يدل عليه الأحاديث التالية:
1- عن أبي أمامة رضي الله عنه ((أن رجلاً قال: يا رسول الله ! أي الجهاد أفضل؟ ورسول الله يرمي الجمرة الأولى فأعرض عنه، ثم قال له عند الجمرة الوسطى فأعرض عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز قال: أين السائل؟ قال: أنا ذا يا رسول الله. قال: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)) [13523])) رواه ابن ماجه (3257)، وأحمد (5/256) (22261)، والطبراني (8/282) (8097)، والبيهقي (10/91) (20680). قال ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (3/397): [فيه] أبو غالب أرجو أنه لا بأس به، وحسنه البغوي في ((شرح السنة)) (5/314)، وقال الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)): حسن صحيح. .
قال الخطابي: (إنما كان هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان على أمل الظفر بعدوه ولا يتيقن العجز عنه، لأنه لا يعلم يقينًا أنه مغلوب، وهذا يعلم أن يد سلطانه أقوى من يده، فصارت المثوبة فيه على قدر عظيم المئونة) [13524])) ((العزلة)) (ص: 92). .
2- وعن جابر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى رجل فأمره ونهاه في ذات الله فقتله على ذلك)) [13525])) رواه الحاكم (3/215) بلفظ: ((سيد)) بدلاً من ((خير))، والديلمي (2/324) (3472)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (6/53). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (374). .
3- وروى أحمد بسنده إلى عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك أنت ظالم فقد تُوُدِّع منها)) [13526])) رواه أحمد (2/190) (6784)، والبزار (6/363) (2375)، وابن عدي (6/123)، والحاكم (4/108). وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي (7/265): رواه أحمد، والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد. وقال في (7/273): رواه أحمد، والبزار، والطبراني، وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (10/30). .
وقد كان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم يَحُثُّون أقوامهم على نصحهم وتقويمهم إذا أخطئوا، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يقول في خطبته المشهورة: (أيها الناس إنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني) [13527])) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (3/183). .
وقال رضي الله عنه: (إني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني) [13528])) رواه ابن هشام في ((السيرة النبوية)) (6/82)، والطبري في ((التاريخ)) (2/237). من حديث أنس رضي الله عنه. قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (5/248): رواه ابن إسحاق بإسناد صحيح. .
وهذا عمر رضي الله عنه يقول فيما رواه سفيان بن عيينة عنه: (وأحب الناس إليَّ من رفع إليَّ عيوبي) [13529])) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (3/293). وكذلك بقية الخلفاء.
كما أنه ينبغي للناصح للسلطان أن يراعي مكانته بحيث لا يخرق هيبته. يدل على ذلك حديث عياض بن غنم الأشعري رضي الله عنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من كان عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية، وليأخذ بيده فلْيخل به، فإن قَبِلَهَا، قَبِلَهَا، وإلا كان قد أدى الذي عليه والذي له)) [13530])) رواه أحمد (3/403) (15369)، والحاكم (3/329)، والبيهقي (8/164) (17103)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (1096). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/232): رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أني لم أجد لشريح من عياض وهشام سماعاً وإن كان تابعيا، وصححه الألباني في ((تخريج كتاب السنة)). .
كما أنه يجب على الناصح أن يحذر التأنيب والتعيير [13531])) ألّف ابن رجب الحنبلي رسالة قيمة في ((الفرق بين النصيحة والتعيير)) حققها نجم عبد الرحمن خلف ونشرتها المكتبة القيمة. والغيبة والسعاية حتى تكون خالصة لله تعالى.
وقد كان علماء السلف رضوان الله عليهم يصدعون بقول الحق والنصح لأئمة الجور في وجوههم، وإن توقعوا أو تيقنوا الإيذاء بسبب ذلك، لا يخشون في الله لومة لائم، لأنهم يعلمون أن من قتل بسبب ذلك فهو شهيد، والشهادة أغلى أماني المؤمن المصدق بوعد الله، لذلك قدموا على ذلك موطنين أنفسهم على الهلاك ومحتملين ألوان العذاب، وصابرين عليه في ذات الله تعالى، ومحتسبين لما يبذلونه من مهجهم عند الله.
والأمثلة على ذلك كثيرة نأخذ منها على سبيل المثال:
أ- قدم هشام بن عبد الملك حاجًا إلى مكة فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة، فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين. فأتي بطاوس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال: السلام عليك يا هشام، ولم يكنه، وجلس بإزائه. وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبًا شديدًا حتى هم بقتله. فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله، ولا يمكن ذلك. فقال: يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضبًا وغيظًا. قال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تقبل يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت: كيف أنت يا هشام؟ قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات، ولا يعاتبني ولا يغضب عليَّ، وأما قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: (لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة، أو ولده من رحمة). وأما قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب، وأما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا يحيى يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: 1] وأما قولك: جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه يقول: (إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام) [13532])) ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (2/146). . فانظر إلى عزة المؤمن كيف تفعل أمام السلاطين.
ب- وروى أبو سليمان الخطابي بسنده إلى عبد الله بن بكر السهمي قال: (سمعت بعض أصحابنا قالوا: أرسل عمر بن هبيرة - وهو على العراق - إلى فقهاء من فقهاء البصرة وفقهاء من فقهاء الكوفة، وكان ممن أتاه من فقهاء البصرة الحسن، ومن أهل الكوفة الشعبي، فدخلوا عليه، فقال لهم: إن أمير المؤمنين يزيد يكتب إلي في أمور أعمل بها فما تريان؟ قال: فقال الشعبي:أصلح الله الأمير أنت مأمور والتبعة على من أمرك، فأقبل على الحسن فقال: ما تقول؟ قد قال هذا، قل أنت، قال: اتق الله يا عمر فكأنك بملك قد أتاك فاستزلك عن سريرك هذا، وأخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، إن الله تعالى ينجيك من يزيد، وإن يزيد لا ينجيك من الله سبحانه، فإياك أن تعرض لله تعالى بالمعاصي، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم قام فتبعه الآذن فقال: أيها الشيخ ما حملك على ما استقبلت به الأمير؟ قال: حملني عليه ما أخذ الله تعالى على العلماء في علمهم ثم تلا: وَإِذ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ... [ آل عمران: 187 ]) [13533])) ((العزلة)) للخطابي (ص: 96). .
إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا حصر لها. الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: 405

انظر أيضا: