trial

الموسوعة العقدية

المبحث الثالث: الحرية


وهذا الشرط أيضًا من الشروط الضرورية في الإمامة لأن المملوك لا يحق له التصرف في شيء إلا بإذن سيده، فلا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره، ويعلل الغزالي هذا الشرط بقوله: (فلا تنعقد الإمامة لرقيق، فإن منصب الإمامة يستدعي استغراق الأوقات في مهمات الخلق فكيف ينتدب لها من هو كالمفقود في حق نفسه الموجود لمالك يتصرف تحت تدبيره وتسخيره، كيف وفي اشتراط نسب قريش ما يتضمن هذا الشرط، إذ ليس يتصور الرق في نسب قريش بحال من الأحوال) [13185])) ((فضائح الباطنية)) (ص: 180). .
هذا وقد نقل ابن بطال عن المهلب الإجماع على ذلك فقال: (وأجمعت الأمة على أنها - أي الإمامة - لا تكون في العبيد) [13186])) ((فتح الباري)) (13/122). . وقال الشنقيطي: (لا خلاف في هذا بين العلماء) [13187])) ((أضواء البيان)) (1/55). .
ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا الخوارج، فإنهم جوزوا أن يكون الإمام عبدًا [13188])) ((الملل والنحل للشهرستاني)) (1/116). وشذوذ الخوارج لا يعده العلماء قادحًا في صحة الإجماع.
فإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على إمامة العبد فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) رواه البخاري (7142). . ونحوه عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه في الحديث الطويل: قال: ((وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقام رجل فقال: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله... والسمع والطاعة وإن عبد حبشي...)) الحديث رواه أبو داود (4607) والترمذي (2676)، وابن ماجه (42) وأحمد (4/126) (17184)، والحاكم (1/176). من حديث العرباض بن سارية. والحديث سكت عنه أبو داود, وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)): ثابت صحيح, (2/1164) وحسنه البغوي في ((شرح السنة)) (1/181)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). . وما في معناهما.
فالجواب على ذلك من أوجه:
(1) أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود عادة، فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يتصور شرعًا أن يلي ذلك، ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي [13191])) ((فتح الباري)) (13/122). ، ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: 81] على أحد التفسيرات [13192])) ((أضواء البيان)) (1/56). .
(2) أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مأمورًا من وجهه الإمام الأعظم على بعض البلاد، قال الشنقيطي رحمه الله: (وهو أظهرها) [13193])) ((أضواء البيان)) (1/56). فليس هو الإمام الأعظم.
(3) أن يكون أطلق عليه اسم العبد نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا مع أنه وقت التولية حر، ونظيره إطلاق لفظ اليتيم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا في قوله: وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ... [النساء: 2].
(4) أو أن المراد بذلك المتغلِّب لا المختار، ففي هذه الحالة تجب طاعته وإن كان عبدًا حبشيًا، ولا يجوز الخروج عليه لمجرد عبوديته، ويؤيد هذا الرأي لفظ: ((إن تأمر عليكم...)) فلفظ ((تأمر)) يدل على أنه تسلط على الإمارة بنفسه ولم يؤمر من قبل أهل الحل والعقد.
والراجح من هذه الإجابات في نظري هو الجواب الثاني، وهو الذي رجحه الشنقيطي رحمه الله، وسبب الترجيح هو ورود بعض الأحاديث الدالة على ذلك، منها ما أخرجه الحاكم من حديث علي رضي الله عنه
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الأئمة من قريش، أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها، ولكل حق، فآتوا كل ذي حق حقه، وإن أمرت قريش فيكم عبدًا حبشيًا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا)) رواه الطبراني (4/26), والحاكم (4/85). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/195): [فيه] حفص بن عمر بن الصباح الرقي قال الحاكم حدث بغير حديث لم يتابع عليه, وحسنه ابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/472), وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (2757). . ويعضد هذا الرأي أيضًا ألفاظ الحديث: ((وإن استعمل)), ((وإن أُمِّر)) ونحوها... والله أعلم.
ومما يدل على اشتراط الحرية، وأن تصرف العبد باطل وإن كان حاكمًا حكم العز بن عبد السلام رحمه الله ببيع أمراء الدولة الأيوبية في مصر - المماليك - لأنه لا يصح شرعًا تصرفهم إلا إذا عتقوا فحكم ببيعهم وإدخال أثمانهم إلى بيت مال المسلمين، فلما حكم بذلك غضبوا وغضب نجم الدين أيوب - حاكم مصر في ذلك الوقت - وقال: هذا ليس من اختصاصه فقرر العز الرحيل عن مصر فجهز أمتعته وسار، ثم لحقه جميع الناس وقالوا: إن خرج خرجنا، فلحق به نجم الدين في الطريق وترضاه وطلب منه أن يعود وينفذ ما حكم به، فعاد ونفذ ما أراد [13195])) انظر: ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (8/216، 217). . الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: 237


انظر أيضا: