trial

الموسوعة العقدية

المطلب الثاني: الأدلة من السنة


أ- الأدلة من السنة القولية:
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة فيها دلالة على وجوب نصب الإمام، ومن هذه الأدلة ما يلي:
1- ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) [13143])) رواه مسلم (1851). أي: بيعة الإمام، وهذا واضح الدلالة على وجوب نصب الإمام لأنه إذا كانت البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، فنصب الإمام واجب.
2- ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)) [13144])) رواه أبو داود (2608)، وأبو يعلى (2/319) (1054)، والبيهقي (5/257) (10651). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسن إسناده النووي في ((رياض الصالحين)) (351)، وقال ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (1/452): إسناده جيد. . ومثله عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمّروا أحدهم)) [13145])) رواه أحمد (2/176) (6647)، والطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) (4/84). من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما. قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، وقال ابن حجر في ((فتح الباري) (11/87): في سنده ابن لهيعة، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (10/134). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإذا كان قد أوجب في أقلِّ الجماعات وأقصر الاجتماعات، أن يولى أحدهم، كان هذا تشبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك) اهـ [13146])) ((الحسبة)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 11). .
3- ومنها الحديث الذي رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لينقضن عرى الإسلام عروة، عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة)) [13147])) رواه الطبراني (8/98) (7502)، وابن حبان (15/111) (6715)، والحاكم (4/104)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (4/326): وقال: إسناده صحيح ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (7/284): رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (5075). . قال الأستاذ عبد الكريم زيدان (والمقصود بالحكم: الحكم على النهج الإسلامي، ويدخل فيه بالضرورة وجود الخليفة الذي يقوم بهذا الحكم، ونقضه يعني التخلي عنه وعدم الالتزام به، وقد قرن بنقض الصلاة وهي واجبة، فدلّ على وجوبه) [13148])) ((أصول الدعوة)) لعبد الكريم زيدان (ص: 195). .
4- ومنها أيضًا الحديث المشهور في السنن عن العرباض بن سارية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال - من حديث طويل – ((إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) رواه أبو داود (4607) والترمذي (2676)، وابن ماجه (42) وأحمد (4/126) (17184)، والحاكم (1/176). من حديث العرباض بن سارية. والحديث سكت عنه أبو داود, وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (2/1164): ثابت صحيح, وحسنه البغوي في ((شرح السنة)) (1/181)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). .
وقد تواتر عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم بايعوا أبا بكر رضي الله عنه بالخلافة بعد لحاق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى، ثم استخلف أبو بكر عمر رضي الله تعالى عنهما، ثم استخلف عمر أحد الستة الذين اختاروا عثمان رضي الله عنه، ثم بعد استشهاده بايعوا عليًا بالخلافة، فهذه سنتهم رضي الله عنهم في الخلافة، وعدم التهاون في منصبها، فوجب الاقتداء بهم في ذلك بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الحكام فيما لا معصية فيه، وأحاديث البيعة، والأمر بالوفاء بها للأول فالأول، وحرمة الخروج على أئمة المسلمين، والحث على ضرب عنق من جاء ينازع الإمام الحق، ... كل هذه الأحاديث تقتضي وجود الإمام المسلم، فدلّ ذلك على وجوب نصبه. والله أعلم.
ب - من السنة الفعلية:
إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقام أول حكومة إسلامية في المدينة، وصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول إمام لتلك الحكومة، فبعد أن هيأ الله لهذا الدين من ينصره ورسوله بدأ - صلى الله عليه وسلم - في تشييد أركانها، فأصلح ما بين الأوس والخزرج من مشاكل وحروب طاحنة قديمة، ثم آخى بين الأنصار والمهاجرين، ونظم الجيوش المجاهدة لنشر هذا الدين والذود عن حماه، وقد أرسل الرسل والدعوات إلى ملوك الدول المجاورة يدعوهم إلى الإسلام، وعقد الاتفاقات والمعاهدات مع اليهود وغيرهم، وأبان أحكام الأسرى وما يتعلق بهم، وأحكام الحرب وأهل الذمة، وقام بتدبير بيت مال المسلمين وتوزيعه كما أمر الله عز وجل، وعيَّن الأمراء والقضاة لتدبير شؤون المسلمين، وأقام الحدود الشرعية والعقوبات.. إلى غير ذلك من مظاهر الدولة ووظائف الإمامة. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: (ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة) [13150])) ((الاعتصام)) (1/49). .
ومن المعلوم أن قيام هذه الدولة وزعامته - صلى الله عليه وسلم - لها لم يكن هدفًا له في حد ذاته، وإنما هو من مستلزمات هذا الدين الذي لا يتم إلا به، كيف وقد عرضت عليه قريش من أول وهلة الملك عليها من دون تعب ولا جهاد، وإنما بترك سبِّ آلهتهم، فرفض ذلك رفضًا باتًا [13151])) ((سيرة ابن هشام)) (1/293). .
وإنما كان هدفه الوحيد - صلى الله عليه وسلم - القيام بتبليغ هذه الرسالة وحملها إلى الناس، واتخاذ كافة الوسائل المؤدية إلى ذلك، ومن هذه الوسائل قيام الدولة الإسلامية، فهي واجبة لهذا الغرض، ولأنها من مستلزمات هذا الدين...
فالمقصود أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في تولية زعامة الدولة الإسلامية الأولى دليل على وجوب الإمامة، حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مبينًا للأحكام الشرعية بقوله وفعله وإقراره، وفعله - صلى الله عليه وسلم - يقتضي الوجوب [13152])) على خلاف بين علماء الأصول، لكن هذا هو الراجح لقوة الدليل. انظر: ((تفصيل المسألة في شرح الكوكب المنير)) لابن النجار الحنبلي (2/189). إذا لم يكن مختصًا به - صلى الله عليه وسلم - ولا جبلِّيا ولا مترددًا بين الجبلي وغيره، ولا بيانًا لمجمل كقطع يد السارق ونحوه لقوله تعالى: فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ الأعراف: 158.]، ولقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا... [الحشر: 7] ولقوله عز من قائل كريمًا فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً... [الأحزاب: 63] قال ابن النجار: (فلولا الوجوب لما رفع تزويجه الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم) [13153])) ((شرح الكوكب المنير)) (2/190). .

انظر أيضا: