trial

الموسوعة العقدية


خامسا: فضل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه


هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري أبو عبيدة بن الجراح مشهور بكنيته وبالنسبة إلى جده، وأمه أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامر بن عميرة ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (3/409)، ((المستدرك)) للحاكم (3/262)، ((الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة)) (3/2)، ((الرياض النضرة في مناقب العشرة)) (4/301)، ((الإصابة)) (2/243). . وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام (وكان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحدة قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم) ((المستدرك)) (3/266)، ((الإصابة)) (2/243). .
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهاجر الهجرتين وشهد بدراً وما بعدها وهو الذي انتزع حلقتي المغفر من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيتاه بسبب ذلك وثبت يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انهزم الناس ((المستدرك)) (3/266)، ((الإصابة)) (2/243). ومناقبه -رضي الله عنه- تضمنتها أحاديث صحيحة مشهورة منها:
- ما رواه الشيخان من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لكل أمة أميناً وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) رواه البخاري (3744)، ومسلم (2419). .
هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة لأبي عبيدة -رضي الله عنه- (والأمين هو الثقة المرضي وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيداً في ذلك لكن خص النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها فأشعر بقدر زائد فيها على غيره كالحياء لعثمان والقضاء لعلي ونحو ذلك) انظر: ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (15/191-192)، ((فتح الباري)) (7/93)، ((عمدة القاري)) (16/238)، ((تحفة الأحوذي)) (10/260). .
وروى البخاري بإسناده إلى حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران: ((لأبعثن عليكم – يعني – أمينا حق أمين)) فأشرف أصحابه فبعث أبا عبيدة رضي الله عنه رواه البخاري (3745). .
وروى مسلم بإسناده إلى أنس ((أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة)) رواه مسلم (2419). .
وروى أيضاً: بإسناده إلى حذيفة قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلا أميناً فقال: ((لأبعثن إليكم رجلا أميناً حق أمين)) قال: فاستشرف لها الناس رواه مسلم (2420). .
إنها لمنقبة عظيمة خص بها أبو عبيدة -رضي الله عنه- حق لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتطلعوا لها (وكان تطلعهم رضي الله عنهم إلى الولاية ورغبتهم فيها حرصاً منهم على أن يكون أحدهم هو الأمين الموعود في الحديث لا حرصاً على الولاية من حيث هي) انظر ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (15/192)، ((فتح الباري)) (7/94)، ((عمدة القاري)) (16/239). .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله لأهل نجران هم أهل بلد قريب من اليمن وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد ومن معهما، ذكر ابن سعد أنهم وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في سنة تسع وسماهم انظر: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (3/412). ... ووقع في حديث أنس عند مسلم: (أن أهل اليمن قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام فأخذ بيد أبي عبيدة وقال: ((هذا أمين هذه الأمة)) رواه مسلم (2419). فإن كان الراوي تجوز عن أهل نجران بقوله: (أهل اليمن) لقرب نجران من اليمن وإلا فهما واقعتان والأول أرجح) ا.هـ ((فتح الباري)) (7/93-94). .
- ومن مناقبه العالية -رضي الله عنه- أنه كان أحد من يصلح للخلافة، وأحد الناس الذين كانوا أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم روى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا رواه مسلم (2385). .
وهذا الأثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تضمن منقبة عظيمة لأبي عبيدة وهي اعتقادها رضي الله عنها أنه صالح للخلافة وأنه أهل لها رضي الله عنه وأرضاه.
وروى الترمذي وابن ماجة بإسناديهما إلى عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر قلت: ثم من؟ قالت: ثم عمر، قلت: ثم من؟ قالت ثم أبو عبيدة بن الجراح قلت: ثم من؟ فسكتت رواه الترمذي (3657)، وابن ماجه (102). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه))، وقال الوادعي في ((الصحيح المسند)) (1643): صحيح على شرط مسلم. .
وفي هذا بيان فضيلة لأبي عبيدة وهي أنه كان أحد الذين هم أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن الفاروق -رضي الله عنه- كان يكره مخالفته فيما يراه وأنه كان جليل القدر عنده. فقد روى الشيخان في (صحيحيهما) عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن عمر لما خرج إلى الشام وأخبر أن الوباء قد وقع به فجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم فاختلفوا فرأى عمر رأي من رأى الرجوع فرجع فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة وكان عمر يكره خلافه، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله.. إلخ) الحديث رواه البخاري (5729)، ومسلم (2219). .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: (وذلك دال على جلالة أبي عبيدة عند عمر) ((الإصابة)) (2/244). .
- ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه عليه الصلاة والسلام قرنه في المدح بالشيخين.
روى الترمذي بسنده إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح)) رواه الترمذي (3795). وقال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث سهيل، وقال ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (25/469): محفوظ، وقال النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (2/99): إسناده صحيح، وقال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (5/296): إسناده على شرط مسلم، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (5/482) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وقال المناوي في ((تخريج أحاديث المصابيح)) (5/340): رجاله رجال الصحيحين إلا سهيل بن أبي صالح فإن البخاري روى له مقروناً. ثم قال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث سهيل.
في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأبي عبيدة حيث قرنه عليه الصلاة والسلام في المدح والثناء عليه مع أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهم جميعاً.
- ومن مناقبه العالية الرفيعة شهادة المصطفى عليه الصلاة والسلام له بالجنة ضمن جماعة من الصحابة كما تقدم في حديث العشرة المبشرين بالجنة، وهو ما رواه الترمذي وغيره بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)) رواه الترمذي (3747)، وأحمد (1/193) (1675). وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (5/436) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (3/136): إسناده صحيح. وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)). .
- ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن وفاته كانت شهادة في سبيل الله فقد مات في الطاعون الذي حصل بأرض الشام زمن الفاروق -رضي الله عنه- وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من كانت وفاته بسبب هذا الداء فإنه شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد وقد جمع الله لأبي عبيدة بين هذين الوصفين. فقد روى الإمام مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد)) قال ابن مقسم: (أشهد على أبيك في هذا الحديث أنه قال: والغريق شهيد) رواه مسلم (1915). (وهذه الموتات إنما كانت شهادة بتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها) انظر: ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (13/63). .
قال النووي رحمه الله تعالى: (قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم... والشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفار وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم هؤلاء المذكورون هنا وشهيد في الدنيا دون الآخرة وهو من غل في الغنيمة أو قتل مدبراً) انظر: ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (13/63). .
(وقد اتفق العلماء على أن أبا عبيدة مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة) ((الاستيعاب على حاشية الإصابة)) (3/3)، ((الإصابة)) (2/245). .
ولما دفن -رضي الله عنه- خطب الناس معاذ بن جبل خطبة بين فيها الكثير من فضائل أبي عبيدة. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد المقبري قال: لما طعن أبو عبيدة قال: يا معاذ صل فصلى معاذ بالناس ثم مات أبو عبيدة بن الجراح فقام معاذ في الناس فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحاً فإن عبداً لله يلقى الله تائباً من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له ثم قال: إنكم أيها الناس قد فجعتم برجل والله ما أزعم أني رأيت من عباد الله عبداً قط أقل غمزاً ولا أبر صدراً ولا أبعد غائلة ولا أشد حباً للعاقبة ولا أنصح للعامة منه فترحموا عليه رحمه الله ثم أصحروا للصلاة عليه فوالله لا يلي عليكم مثله أبداً فاجتمع الناس وأخرج أبو عبيدة وتقدم معاذ فصلى عليه حتى إذا أتي به قبره دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس فلما وضعوه في لحده وخرجوا فشنوا عليه التراب فقال معاذ بن جبل: يا أبا عبيدة لأثنين عليك ولا أقول باطلا أخاف أن يلحقني بها من الله مقت كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيراً ومن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً وكنت والله من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الخائنين المتكبرين ((المستدرك)) (3/295). .
فهذا الثناء من معاذ -رضي الله عنه- كله تضمن بيان فضائل لأبي عبيدة بن الجراح ذلك هو أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على أنه جليل القدر رفيع المنزلة رضي الله عنه وأرضاه.عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام رضي الله عنهم لناصر بن علي عائض – 1/311


انظر أيضا: