trial

الموسوعة العقدية


ثانيا: المفاضلة بين عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما


أما المفاضلة بين عثمان وعلي فهذه دون تلك، وقد حصل فيها نزاع بين السلف قال ابن تيمية: (فإن سفيان الثوري وطائفة من أهل الكوفة رجحوا عليًا على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره، وبعض أهل المدينة توقَّف في عثمان وعلي وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على علي كما هو مذهب سائر الأئمة كالشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام) [11425])) ((مجموع الفتاوى)) (4/426). .
أما أبو حنيفة رحمه الله فقد روي عنه (تقديم علي على عثمان) [11426])) ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص: 486). وجاء في (السير الكبير) لمحمد بن الحسن الشيباني: (روى نوح بن أبي مريم عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: سألته عن مذهب أهل السنة فقال: أن تفضل أبا بكر وعمر، وتحب عليًّا وعثمان، وترى المسح على الخفين [11427])) مخالفة للرافضة، لأنهم لا يرون المسح على الخفين ولا الصلاة فيها، ولذلك درج علماء السلف على ذكر هذه المسألة الفرعية في عقائدهم للدلالة على مخالفتهم للرافضة. ، ولا تكفر أحدًا من أهل القبلة، وتؤمن بالقدر، ولا تنطق في الله بشيء...) ثم قال الشارح: (ومن الناس من يقول: قبل الخلافة كان عليًّا مُقَدَّمًا على عثمان، وبعد الخلافة عثمان أفضل من علي) [11428])) ((شرح السير الكبير)) (1/111). ثم اعتذر الشارح عن كلام الإمام السابق بقوله: (ولم يُرِدْ أبو حنيفة رضي الله عنه بما ذكر تقديم علي على عثمان، ولكن مراده أن محبتهما من مذهب أهل السنة فالواو عنده لا توجب الترتيب) [11429])) ((شرح السير الكبير)) (1/111). .
قلت: بل قد صرَّح في الفقه الأكبر بتقديم عثمان على علي فقال: (وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبو بكر، ثم عمر بن الخطاب الفاروق، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضي الله تعالى عنهم أجمعين) [11430])) انظر: ((الفقه الأكبر)) لأبي حنيفة (ص: 41). . وهو ظاهر المذهب قال السرخسي: (فأما المذهب عندنا أن عثمان أفضل من علي رضوان الله عليهما قبل الخلافة وبعدها) [11431])) ((شرح السير الكبير)) (1/111)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: 486). .
أدلة تفضيل عثمان على علي رضي الله عنه:
... أن الغالبية العظمى من أهل السنة والجماعة على تقديم عثمان على علي، ولم يخالف إلا القليل، ويدل على صحة ما ذهبوا إليه ما يلي:
- ما تقدّم من قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كنا نقول ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيّ: (أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم) [11432])) رواه أبو داود (4628). وسكت عنه، وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)). .
- وكذلك في قصة بيعة عثمان الثابتة في الصحيح [11433])) الحديث مطولاً رواه البخاري (3700). من حديث عمرو بن ميمون رضي الله عنه. - كما مر - أنه لما لم يبق في الشورى إلا عثمان، وعلي، والحكم عبد الرحمن بن عوف، وبقي عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمهات المؤمنين، ويشاور أمراء الأمصار - فإنهم كانوا بالمدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته - حتى قال عبد الرحمن: (إن لي ثلاثًا ما اغتمضت بنوم) بعد هذا كله وبعد أخذ المواثيق منهما على أن يبايع من بايعه، أعلن النتيجة بعد هذا الاستفتاء وهي قوله: (إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان) فبايعه علي وعبد الرحمن وسائر المسلمين بيعة رضى واختيار فدلّ ذلك على تقديمه في الأفضلية عليه، قال ابن تيمية: (وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علي) [11434])) ((مجموع الفتاوى)) (4/428). ولما سأل رجل عبد الله بن المبارك أيهما أفضل علي أو عثمان قال: (قد كفانا ذاك عبد الرحمن بن عوف) [11435])) ((السنة)) للخلال (2/389). ، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حينما ولي عثمان الخلافة (أمَّرنا خير من بقي ولم نَأْل) [11436])) رواه الطبراني (9/170) (8861). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (9/91): رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح، وقال الشوكاني في ((در السحابة)) (ص: 120): [ورد] بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح. .
ولهذا قال أيوب وأحمد بن حنبل والدارقطني: (من قَدَّم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) [11437])) ((مجموع الفتاوى)) (4/428). وانظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص 486). ويفسِّر ابن تيمية ذلك بأنه: (لو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني، ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم) [11438])) ((مجموع الفتاوى)) (4/428). .
والسلف وإن كان بعضهم يرى التوقف بعد ذكر عثمان، لا يقدِّمون على علي أحدًا بعد الثلاثة، كما قال الإمام أحمد: (من لم يربِّع بعلي فهو أضل من حمار أهله) [11439])) ((منهاج السنة)) (2/208). وإنما من قال بالتوقف في التفضيل عند عثمان يريد الاقتداء بحديث ابن عمر السابق، فيذكرون الثلاثة ثم يجملون بقية أصحاب الشورى كما هي رواية عن الإمام أحمد نفسه فقد ذكر عنه اللالكائي قوله: (وخير الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان. نقدِّم هؤلاء الثلاثة كما قدَّمهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا في ذلك، ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد كلهم يصلح للخلافة وكلهم إمام، ونذهب إلى حديث ابن عمر (كنا نعدّ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيّ وأصحابه متوافرون أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان) [11440])) ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (1/159). .
وبنحوه تمامًا عن علي بن المديني [11441])) ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (1/167). .
وإن كان ورد عنه نفسه رحمه الله روايات ينص فيها على التربيع بعلي منها الرواية السابقة: (من لم يربِّع بعلي فهو أضل من حمار أهله). ومنها رواية الإصطخري حيث قال فيها: (وخير الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان) [11442])) ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (1/30). .
ولذلك كانت خلاصة رأي الإمام أحمد رحمه الله في التفضيل - على ما يراه الخلال - هي من قوله: (من قال: أبو بكر وعمر وعثمان فقد أصاب. وهو الذي العمل عليه، ومن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فصحيح أيضًا جيد لا بأس به وبالله التوفيق) [11443])) ((السنة)) للخلال (2/410). .
قلت: لكنه ورد عنه رحمه الله تكذيبه لمن نسبه إلى التوقف عند عثمان فقال في رواية محمد بن عوف الحمصي: (وخير الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فقلت له يا أبا عبد الله، فإنهم يقولون: إنك وقفت على عثمان؟ فقال: كذبوا والله علي، إنما حدثتهم بحديث ابن عمر - وذكر الحديث - ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تخايروا بعد هؤلاء بين أحد، ليس لأحد في ذلك حجة، فمن وقف على عثمان ولم يربع بعلي فهو على غير السنة يا أبا جعفر) [11444])) ((طبقات الحنابلة)) (1/313). .
فالحاصل أن من نص على التربيع على علي، ومن توقف عن التنصيص عند عثمان، كلهم لا يقدمون على علي بعد الثلاثة أحدًا، ولا يلزم من عدم التنصيص عليه بعد عثمان أنهم يقدمون عليه أحدًا، قال ابن تيمية: (فليس في أهل السنة من يقدم عليه - أي علي - أحدًا غير الثلاثة، بل يفضلونه على جمهور أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وعلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وما في أهل السنة من يقول: إن طلحة والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف أفضل منه، بل غاية ما يقولون السكوت عن التفضيل بين أهل الشورى) [11445])) ((منهاج السنة)) (2/206). وقد حكى الحافظ ابن حجر الإجماع على أن ترتيب الخلفاء في الأفضلية كترتيبهم في الخلافة [11446])) ((فتح الباري)) (7/34). .
لكن من قدم عليًا على عثمان هل هو مبتدع أم لا؟ وعلى هذا السؤال يجيب الخلال، فقد قال بعد ذكره لعدة روايات مسنده عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فيمن قدم عليًا على عثمان قال: (فاستقر القول من أبي عبد الله أنه يكره هذا القول ولم يجزم في تبديعه، وإن قال قائل: هو مبتدع لم ينكر عليه وبالله التوفيق) [11447])) ((السنة)) للخلال (2/382). . الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي – ص: 317
هذا وبعض أهل السنة قد خمَّس بالخلفاء الراشدين، ولكن اختلفوا في الخامس، فمنهم من جعله عمر بن عبد العزيز، وُروي ذلك عن سفيان الثوري [11448])) رواه أبو داود (4631)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (7/32). قال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): ضعيف الإسناد مقطوع. وروي عن الشافعي [11449])) رواه ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي ومناقبه) (1/145)، والبيهقي في ((مناقب الشافعي)) (1/448). أيضًا. ومنهم من جعله الحسن بن علي لخلافته التي مدتها ستة أشهر قبل الصلح، واستدلوا على ذلك بحديث سفينة السابق ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة...)) رواه أبو داود (4646)، والحاكم (3/156)، والطبراني (7/84) (6459) بلفظ: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء)). ورواه الترمذي (2226)، وأحمد (5/221) (21978)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (5/47) (8155). بلفظ: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك)). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي، وابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/141): حسن، وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) و((صحيح سنن الترمذي)). الحديث. وقد عدّوا هذه الأشهر الستة تمام الثلاثين سنة [11451])) انظر: ((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي (ص: 9). .
وهذا القول أقوى من سابقه، لأن معاوية رضي الله عنه أفضل من عمر بن عبد العزيز ولم يُعَّد منهم، ويكفيه فضلاً صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكتابته الوحي بين يديه وغيرهما [11452])) انظر: ((العواصم من القواصم وحاشيته)) (ص: 151). وإنما اشتهر فضل عمر بن عبد العزيز لأنه أتى بعد سنوات من الظلم والعَسْفِ، فرفع المظالم ورد الأمانات إلى أهلها. أما معاوية رضي الله عنه فقد جاء بعد أفضل الأمة بعد الأنبياء، وهم الخلفاء الأربعة الراشدون رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ومع ذلك فقد كان له من الفضل والأمانة وحسن سياسة الرعية ومحبتهم له الشيء الكثير، روى الأثرم بسنده إلى أبي هريرة المكتَّب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله فقال الأعمش: (فكيف لو أدركتم معاوية؟) قالوا في حلمه؟ قال: (لا والله بل في عدله) [11453])) رواه الخلال في ((السنة)) (2/437). . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة) [11454])) ((مجموع الفتاوى)) (4/478). . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث في فضله رضي الله عنه، هذا من ناحية الخلفاء، أما أفضل الصحابة عمومًا بعد الأربعة فهم بقية أهل الشورى.
من السنة المفاضلة بين الخلفاء الراشدين قد يعترض معترض فيقول: الأولى أن نحبّ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جميعاً ولا نفاضل بينهم، ولهذا المعترض نقول: السنة المفاضلة بينهم على ما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وسار عليه السلف الصالح من تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين على سائر الصحابة، وقد سئل الإمام أحمد عن رجل يحب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يفضل بعضهم على بعض وهو يحبهم قال: (السنة أن يفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعلي من الخلفاء) [11455])) رواه الخلال في ((السنة)) (2/372). .
وإنما الذي ذموا التحدث فيه والتعرض له هو ما شجر بين الصحابة من قتال وفتن بعد مقتل الشهيد عثمان رضي الله عنه، ثم النزاع الذي حصل بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ومن معهما من الصحابة . الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي - ص: 327


انظر أيضا: