trial

الموسوعة العقدية

تمهيدٌ


إنَّ السِّحرَ موجودٌ ومعلومٌ بأنواعِه المختَلِفةِ في غالِبِ الأُمَمِ، كما يشيرُ إليه قَولُه تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: 52].
قال ابنُ تيميَّةَ: (اسمُ السَّاحِرِ معروفٌ في جميعِ الأُمَمِ) [2817]) يُنظر: ((النبوات)) (2/1049). .
فقد وُجِدَ السِّحُر عند أهلِ فارِسَ، وعند قُدَماءِ المِصريِّين، وكذا في الهِندِ، وبلادِ اليونان، كما أنَّ اليهودَ لَمَّا انحرفوا فأعرَضوا عن كِتابِ اللهِ تعالى، أقبَلوا على السِّحْرِ، واتَّبَعوا ما تتلو الشَّياطينُ.
قال اللهُ تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:101- 102].
قال ابنُ تيميَّةَ: (بَيَّن سُبحانَه أنَّ طُلَّابَ السِّحْرِ يَعلَمونَ أنَّ صاحِبَه ما له في الآخرةِ مِن خَلاقٍ، أي: من نصيبٍ، ولكِنْ يَطلُبون به الدُّنيا من الرِّئاسةِ والمالِ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لحَصَل لهم من ثوابِ اللهِ في الدُّنيا والآخِرةِ ما هو خيرٌ لهم ممَّا يَطلُبونَه؛ ولهذا تجِدُ الذين يَدخُلون في السِّحْرِ ودَعوةِ الكواكِبِ وتَسبيحاتِها، فيُخاطِبونها يَسجُدون لها: إنَّما مطلوبُ أحَدِهم المالُ والرِّئاسةُ، فيَكفُرُ ويُشرِكُ باللهِ؛ لأجْلِ ما يتوهَّمُه من حُصولِ رئاسةٍ ومالٍ، ولا يحصُلُ له إلَّا ما يَضُرُّه ولا ينفَعُه، كما يدُلُّ عليه استقراءُ أحوالِ العالَمِ) [2818] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (29/384). .
وقال أيضًا: (إنَّ الكثيرينَ من أربابِ السِّحْرِ ممَّن يدخُلُ في الباطِلِ الخَفيِّ الدقيقِ، يحتاجُ إلى أعمالٍ عظيمةٍ، وأفكارٍ عَميقةٍ، وأنواعٍ من العباداتِ والزَّهاداتِ والرِّياضاتِ، ومُفارَقةِ الشَّهَواتِ والعاداتِ، ثمَّ آخِرُ أمْرِهم الشَّكُّ بالرَّحمنِ، وعبادةُ الطَّاغوتِ والشَّيطانِ، والفَسادُ في الأرضِ، والقليلُ منهم من ينالُ بعضَ غَرَضِه، الذي لا يزيدُه من اللهِ إلَّا بُعدًا، وغالِبُهم محرومٌ مأثومٌ، يتمنَّى الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيانَ، وهو لا يحصُلُ إلَّا على نَقلِ الأكاذيبِ وتمَنِّي الطُّغيانِ، سَمَّاعون للكَذِب، أكَّالون للسُّحتِ، عليهم ذِلَّةُ المُفتَرين) [2819]) يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) (5/62) باختصار يسير. ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (29/384). .
وقال السَّعديُّ: (لَمَّا كان من العوائِدِ القَدَريَّةِ والحِكْمةِ الإلهِيَّةِ أنَّ من تَرَك ما ينفَعُه وأمكَنَه الانتفاعُ به ولم ينتَفِعْ، ابتُلِيَ بالاشتغالِ بما يَضُرُّه؛ فمن ترك عبادةَ الرَّحمنِ ابتُلِيَ بعبادةِ الأوثانِ، ومن تَرَك محَبَّةَ اللهِ وخَوْفَه ورَجاءَه ابتُلِيَ بمحَبَّةِ غيرِ اللهِ وخَوْفِه ورَجائِه، ومن لم ينفِقْ مالَه في طاعةِ اللهِ أنفقه في طاعةِ الشَّيطانِ، ومن تَرَك الذُّلَّ لرَبِّه ابتُلِيَ بالذُّلِّ للعبيدِ، ومن تَرَك الحَقَّ ابتُلِيَ بالباطِلِ، كذلك هؤلاء اليهودُ لَمَّا نَبَذوا كِتابَ اللهِ اتَّبَعوا ما تتلو الشَّياطينُ وتختَلِقُ من السِّحْرِ) [2820]) يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 61). .
وفي هذا العَصرِ تزدادُ ظاهِرةُ السِّحْرِ نُفوذًا وانتشارًا، فأكثَرُ شُعوبِ العالمِ تقَدُّمًا مادِّيًّا تجري فيها طُقوسُ السِّحْرِ على نطاقٍ واسعٍ وبطُرُقٍ متنَوِّعةٍ، كأمريكا وفَرَنسا وألمانيا، بل إنَّ السِّحْرَ قد واكب هذا التطَوُّرَ المادِّيَّ، فأقيمَت الجَمعِيَّاتُ والمعاهِدُ لتعليمِ السِّحْرِ، سواءٌ عن طريقِ الانتِظامِ أو الانتِسابِ، كما نُظِّمَت المؤتمراتُ والنَّدَواتُ في هذا المجالِ، وانتَشَرت القَنَواتُ الفَضائيَّةُ الخاصَّةُ بالسَّحَرةِ والمُشَعْوذين، كما أنَّ بلاد المُسلِمينَ عُمومًا تنتَشِرُ فيها مَظاهِرُ السِّحْرِ وأنواعُه؛ بسَبَبِ ضَعفِ الإيمانِ باللهِ تعالى، وظهورِ الجَهلِ بأحكامِ الشَّريعةِ، وسَذاجةِ الكثيرِ من المُسلِمين وجَهْلِهم بحالِ هؤلاء السَّحَرةِ المُشَعوذين، وتعطيلِ أحكامِ اللهِ تعالى في هؤلاءِ السَّحَرةِ [2821] يُنظر: ((نواقض الإيمان القولية والعملية)) لعبد العزيز آل عبد اللطيف (ص: 499). .
قال محمود شكري الألوسي وهو يتكَلَّمُ على خِصالِ الجاهِليَّةِ: (التَّاسِعةَ عَشرةَ من خصالِهم: الاعتياضُ عن كِتابِ الله تعالى بكُتُبِ السِّحْرِ... وهذه الخَصلةُ الجاهِليَةُ موجودةٌ اليومَ في كثيرٍ من النَّاسِ، لا سِيَّما من انتَسَب إلى الصَّالحين، وهو عنهم بمراحِلَ، فيتعاطى الأعمالَ السِّحْريةَ من إمساكِ الحَيَّاتِ، وضَربِ السِّلاحِ، والدُّخولِ في النِّيرانِ، وغيرِ ذلك مما وردت الشَّريعةُ بإبطالِه، فأعرَضوا ونَبَذوا كِتابَ اللهِ وراءَ ظُهورِهم، واتَّبَعوا ما ألقاه إليهم شياطينُهم، وادَّعَوا أنَّ ذلك من الكراماتِ، مع أنَّ الكرامةَ لا تَصدُرُ عن فاسِقٍ، ومن يتعاطى تلك الأعمالَ فِسقُهم ظاهِرٌ للعِيانِ؛ ولذا اتَّخَذوا دينَهم لَعِبًا ولهوًا، وفي مِثْلِهم قال تعالى: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 104]) [2822] فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية (1/ 226). .

انظر أيضا: