trial

الموسوعة العقدية

الفَصلُ الثَّالثُ: النَّواقِضُ العَمَليَّةُ في بابِ النُّبُوَّاتِ كالاستهانةِ بالمُصحَفِ


حَكَم اللهُ تعالى بالكُفْرِ على من استهزأ بشيءٍ من آياتِه، فقال: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التَّوبة: 64-66].
 قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه مُحَمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قل لهؤلاء الذين وصفتُ لك صِفَتَهم: لَا تَعْتَذِرُوا بالباطِلِ، فتقولوا: كنَّا نخوضُ ونلعَبُ قَدْ كَفَرْتُمْ يقول: قد جحَدْتُم الحَقَّ بقَولِكم ما قُلتُم في رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمؤمنين به بَعْدَ إِيمَانِكُمْ يقولُ: بعد تصديقِكم به وإقرارِكم به) [2369] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/ 546). .
 وقال السَّعديُّ: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ عَمَّا قالوه من الطَّعنِ في المُسلِمين وفي دينِهم، يقولُ طائفةٌ منهم في غزوةِ تَبُوك "ما رأَيْنا مِثلَ قُرَّائنا هؤلاء -يعنون النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابَه- أرغَبَ بُطونًا وأكذَبَ ألسُنًا وأجبَنَ عند اللِّقاءِ"، ونحو ذلك. ولَمَّا بلَغَهم أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد عَلِمَ بكلامِهم جاؤوا يعتَذِرون إليه ويقولون: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي: نتكَلَّمُ بكلامٍ لا قَصْدَ لنا به، ولا قَصَدْنا الطَّعنَ والعَيبَ. قال اللهُ تعالى مُبَيِّنًا عَدَمَ عُذرِهم، وكَذِبَهم في ذلك: قُلْ لهم: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ؛ فإنَّ الاستهزاءَ باللهِ وآياتِه ورَسولِه كُفرٌ مُخرِجٌ عن الدِّين؛ لأنَّ أصلَ الدِّينِ مَبنيٌّ على تعظيمِ اللهِ وتعظيمِ دينِه ورُسُلِه، والاستهزاءُ بشَيءٍ من ذلك منافٍ لهذا الأصلِ ومناقِضٌ له أشَدَّ المناقَضةِ؛ ولهذا لَمَّا جاؤوا إلى الرَّسولِ يَعتَذِرون بهذه المقالةِ، والرَّسولُ لا يزيدُهم على قَولِه: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [2370] أخرجه الطبري في ((التفسير)) (16912)، وابن أبي حاتم في ((التفسير)) (10515) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. صَحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((تفسير الطبري)) (16912)، وقال الوادعي في ((صحيح أسباب النزول)) (122): رجاله رجال الصَّحيح إلَّا هشامَ بنَ سعدٍ، فلم يخرِجْ له مسلمٌ إلَّا في الشَّواهِدِ، وله شاهِدٌ بسَنَدٍ حَسَن. [2371] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 342). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الجاثية: 9].
 قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: وَإِذَا عَلِمَ هذا الأفَّاكُ الأثيمُ مِنْ آياتِ اللهِ شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا يقولُ: اتَّخذ تلك الآياتِ التي عَلِمَها هُزُوًا، يَسخَرُ منها، وذلك كفِعْلِ أبي جَهلٍ حين نزلت إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ؛ إذ دعا بتَمرٍ وزُبدٍ، فقال: تزقَّموا من هذا، ما يَعِدُكم مُحَمَّدٌ إلَّا شَهْدًا! وما أشبَهَ ذلك مِن أفعالِهم) [2372] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/ 76). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (لم يجئْ إعدادُ العذابِ المُهينِ في القُرآنِ إلَّا في حَقِّ الكُفَّارِ) [2373] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (2/109). .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الجاثية: 34-35].
 قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: يقالُ لهم: هذا الذي حَلَّ بكم من عذابِ اللهِ اليومَ بِأَنَّكُمْ [الجاثية: 35] في الدُّنيا اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا [الجاثية: 35] وهي حُجَجُه وأدِلَّتُه وآيُ كِتابِه التي أنزلها على رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هُزُوًا يعني سُخْريةً تَسخَرونَ منها وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الجاثية: 35] يقول: وخدعَتْكم زينةُ الحياةِ الدُّنيا فآثَرْتُموها على العَمَلِ لِما يُنجِيكم اليومَ مِن عذابِ اللهِ. يقولُ تعالى ذكره: فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا [الجاثية: 35] من النَّارِ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ يقولُ: ولا هم يُرَدُّون إلى الدُّنيا ليتوبوا ويراجِعوا الإنابةَ مِمَّا عُوقِبوا عليه) [2374] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/ 109). .
وقد نهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ؛ حتى لا يقَعَ في أيديهم فيكونَ عُرضةً للاستخفافِ والاستهانةِ.
عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى أن يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ) [2375] أخرجه البخاري (2990) واللَّفظُ له، ومسلم (1869). ، وفي روايةٍ: (مخافةَ أن ينالَه العَدُوُّ) [2376] رواها مسلم (1869). .
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (معلومٌ أنَّ من تنزيهِ القُرآنِ وتعظيمِه إبعادَه عن الأقذارِ والنَّجاساتِ، وفي كونِه عند أهلِ الكُفْرِ تعريضٌ له بذلك وإهانةٌ له، وكُلُّهم أنجاسٌ لا يَغتَسِلون من الجنابةِ، ولا يَعافُون مَيتةً) [2377] يُنظر: ((التمهيد)) (15/255). .
والاستهانةُ بالمُصحَفِ قد تكونُ أقوالًا، وقد تكونُ أفعالًا.
فمِن الاستهانةِ القَوليَّةِ بالمصحَفِ أن يَسُبُّه أو يكَذِّبَ بخَبَرٍ مِن أخبارِه، أو يستهزئَ بآيةٍ من آياتِه، ومِن الاستهانةِ الفِعليَّةِ بالمصحَفِ أن يَفعَلَ عامدًا ما يَتضَمَّنُ احتقارًا أو استخفافًا بهذا القُرآنِ، أو إسقاطًا لحُرمتِه، كأن يَضَعَ المُصحَفَ تحتَ قَدَمِه، أو يُلقِيَه في القاذوراتِ، أو يسعى إلى تغييرِه وتبديلِه بزيادةٍ أو نُقصانٍ.
من تقريراتِ أئِمَّةِ المَذاهِبِ حَولَ ذلك:
قال مُحَمَّدُ بنُ إسماعيل الرشيد الحنفيُّ: (من استخَفَّ بالقُرآنِ أو بالمسجِدِ أو بنَحْوِه مِمَّا يُعَظَّمُ في الشَّرعِ، كَفَر، ومن وَضَع رِجْلَه على المصحَفِ حالِفًا استخفافًا، كَفَر) [2378] يُنظر: ((ألفاظ الكفر)) (ص: 29) (ضمن كتاب الجامع في ألفاظ الكفر)، وقال مُلَّا علي قاري معلِّقًا على الجملة الأخيرة: ولا يخفى أنَّ قَولَه: حالفًا قيدٌ واقعيٌّ؛ فلا مفهومَ له. ((شرح الفقه الأكبر)) (ص: 278). .
وذكر الدردير المالكيُّ من مُوجِباتِ الرِّدَّةِ: (إلقاءُ مُصحَفٍ أو بَعْضِه ولو كَلِمةً، وكذا حَرْقُه استخفافًا لا صَوْنًا،... ومثلُ إلقائِه تَرْكُه بمكانٍ قَذِرٍ، ولو طاهرًا كبُصاقٍ، أو تلطيخُه به،... ومِثلُ المصحَفِ: الحديثُ، وأسماءُ الله تعالى، وكُتُبُ الحديثِ، وكذا كُتُبُ الفِقهِ إن كان على وَجهِ الاستخفافِ بالشَّريعةِ) [2379] يُنظر: ((حاشية الصاوي على الشرح الصغير)) (4/ 433). .
وقال الرَّافعي الشَّافعي: (حقيقةُ الرِّدَّةِ هي قَطعُ الإسلامِ، ويحصُلُ ذلك بالقَولِ الذي هو كُفرٌ تارةً، وبالفِعلِ أُخرى، والأفعالُ التي توجِبُ الكُفرَ هي التي تَصدُرُ عن تعَمُّدٍ واستهزاءٍ بالدِّينِ صَريحٍ، كالسُّجودِ للصَّنَمِ والشَّمسِ، وإلقاءِ المصحَفِ في القاذوراتِ... سواءٌ صَدَر عن اعتقادٍ، أو عِنادٍ، أو استهزاءٍ... أو سَبَّ نبيًّا من الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، أو استخَفَّ به...) [2380])) يُنظر: ((العزيز شرح الوجيز)) (11/ 98). .
وقال النووي الشافعيُّ: (الأفعالُ الموجِبةُ للكُفرِ هي التي تصدُرُ عن تعمُّدٍ واستهزاءٍ بالدِّينِ صَريحٍ، كـ... إلقاءِ المصحَفِ في القاذوراتِ) [2381] يُنظر: ((روضة الطالبين)) (10/64). .
وقال أيضًا: (الفِعلُ المكَفِّرُ ما تعَمَّدَه استهزاءً صَريحًا بالدِّينِ أو جحودًا له، كإلقاءِ مُصحَفٍ بقاذورةٍ) [2382] يُنظر: ((منهاج الطالبين)) (ص: 293). .
وقال قليوبي شارحًا كلامَ النووي: (قوله: (كإلقاءِ مُصحَفٍ بقاذورةٍ) بالِفعلِ أو بالعَزمِ والتردُّدِ فيه، ومَسُّه بها كإلقائِه فيها، وألحقَ بَعضُهم به وَضْعَ رِجْلِه عليه، ونُوزعَ فيه، والمرادُ بالمصحَفِ: ما فيه قُرآنٌ، ومِثْلُه الحديثُ، وكُلُّ عِلمٍ شَرعيٍّ، وما عليه اسمٌ مُعَظَّمٌ؛ قال شيخنا الرملي: ولا بُدَّ في غيرِ القُرآنِ مِن قرينةٍ تدُلُّ على الإهانةِ، وإلا فلا، وشَمِلَت القاذورة الطَّاهرةَ، كبُصاقٍ ومُخاطٍ ومَنِيٍّ) [2383] يُنظر: ((حاشيتا قليوبي وعميرة)) (4/177). .
وقال ابنُ حَجَر الهيتميُّ الشَّافعيُّ عن المكَفِّراتِ: (منها: إلقاءُ المصحَفِ في القاذوراتِ لغَيرِ عُذرٍ ولا قرينةٍ تدُلُّ على عَدَمِ الاستهزاءِ وإن ضَعُفَت، والمرادُ بها النَّجاساتُ مُطلَقًا، بل والقَذَرُ الطَّاهِرُ أيضًا كما صرَّح به بعضُهم.
قال الروياني: وكالمُصحَفِ في ذلك أوراقُ العُلومِ الشَّرعيَّةِ، ويؤيِّدُه ما يأتي فيمن قال: قَصعةُ ثريدٍ خيرٌ من العِلمِ وكُتُبِ الحديثِ. وكُلُّ ورقةٍ فيها اسمٌ من أسمائِه تعالى أَولى بذلك في كَونِ إلقائِه في القَذَرِ مُكَفِّرًا) [2384])) يُنظر: ((الإعلام بقواطع الإسلام)) (ص: 77). .
وعدَّ البهوتي الحنبليُّ من نواقِضِ الإسلامِ ما يلي: (أو وُجِدَ منه امتهانُ القُرآنِ، أو طَلَبُ تناقُضِه، أو دعوى أنَّه مختَلِفٌ، أو مقدورٌ على مِثْلِه، أو إسقاطُ حُرمتِه: كَفَر؛ لقَولِه تعالى: لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًــا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21]، وقَولِه: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء:82]، وقَولِه: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88]) [2385] يُنظر: ((كشاف القناع)) (14/228).
وقال ابنُ باز: (وهكذا الذي يُهِينُ المصحَفَ أو يُلَطِّخُه بالنجاسةِ أو يجلِسُ عليه وهو يعلَمُ أنَّه كِتابُ اللهِ؛ فإنَّ هذا دليلٌ على أنَّ هذا الرَّجُلَ لا إيمانَ له، وإنَّما يدَّعي الإيمانَ، ولو كان عنده إيمانٌ صَحيحٌ لحَجَزَه عن هذا العَمَلِ الذي يوجِبُ كُفْرَه) [2386] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (3/38). .
والاستهانةُ بالقُرآنِ ناقِضٌ من نواقِضِ الإيمانِ؛ لعِدَّةِ أسبابٍ؛ منها:
1- أنَّ الإيمانَ مَبنيٌّ على إجلالِ اللهِ تعالى وتعظيمِ كَلامِه، والاستهانةُ استِخفافٌ واستهزاءٌ يناقِضُ ذلك.
قال اللهُ تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التَّوبة: 65، 66].
ونقل ابنُ قُدامةَ اتِّفاقَ المُسلِمين على تعظيمِ المصحَفِ وتبجيلِه [2387] يُنظر: ((حكاية المناظرة في القرآن مع بعض أهل البدع)) (ص: 49). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (إنَّ الانقيادَ إجلالٌ وإكرامٌ، والاستخفافَ إهانةٌ وإذلالٌ، وهذان ضِدَّان، فمتى حصل في القَلْبِ أحَدُهما، انتفى الآخَرُ؛ فعُلِمَ أنَّ الاستِخفافَ والاستهانةَ ينافي الإيمانَ مُنافاةَ الضِّدِّ للضِّدِّ) [2388] يُنظر: ((الصارم المسلول)) (3/969). .
2- أنَّ الاستهانةَ بالمصحَفِ تكذيبٌ لله تعالى في خَبَرِه، ومناقَضةٌ لِما أمر اللهُ تعالى به من تعظيمِ كلامِه عَزَّ وجَلَّ، والاستهانةُ بالقُرآنِ استهانةٌ بمن تكَلَّم به تعالى [2389] يُنظر: ((مغني المحتاج)) للشربيني (5/431). .
قال اللهُ تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].
قال أبو السُّعودِ: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ من كُلِّ ما لا يليقُ به، فيدخُلُ فيه تكذيبُهم له واستهزاؤُهم به دخولًا أوليًّا، فيكونُ وعيدًا للمُستهزِئين، وأمَّا الحِفظُ عن مجَرَّدِ التَّحريفِ والزِّيادةِ والنَّقصِ وأمثالِها، فليس بمقتضى المقامِ؛ فالوجهُ الحَمْلُ على الحِفْظِ من جميعِ ما يقدَحُ فيه من الطَّعنِ فيه، والمجادَلةِ في حقِّيَّتِه، ويجوزُ أن يرادَ حِفْظُه بالإعجازِ دليلًا على التنزيلِ مِن عِندِه تعالى؛ إذ لو كان من عندِ غيرِ اللهِ لتطرَّقَ إليه الزِّيادةُ والنَّقصُ والاختلافُ) [2390] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/68). ويُنظر: ((فتح القدير)) للشوكاني (3/147). .
3- أنَّ الاستهانةَ بالمُصحَفِ -تحريفًا أو تبديلًا- استهانةٌ بالدِّينِ، وهَدمٌ لأصولِ هذه الشَّريعةِ وفُروعِها، وهو طَعنٌ في تمامِ دينِ الإسلامِ وكَمالِه.
قال ابنُ حزم: (الدِّينُ قد تَمَّ، فلا يزادُ فيه ولا يُنقَصُ منه ولا يُبدَّلُ.
قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وقال تعالى: لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، والنَّقصُ والزِّيادةُ تبديلٌ) [2391] يُنظر: ((المحلى)) (1/26). .
وقال أيضًا: (إنَّ الأُمَّةَ مُجمِعةٌ كُلُّها بلا خِلافٍ من أحدٍ منهم، وهو أنَّ كلَّ من بدَّل آيةً من القُرآنِ عامِدًا وهو يدري أنَّها في المصحَفِ بخِلافِ ذلك، أو أسقَطَ كَلِمةً عامدًا كذلك، أو زاد فيها كَلِمةً عامدًا؛ فإنَّه كافِرٌ بإجماعِ الأُمَّةِ كُلِّها) [2392] يُنظر: ((الفصل)) (3/141) .
وقال مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ: (من اعتَقَد عَدَمَ صِحَّةِ حِفْظِه أي: المصحَفِ من الإسقاطِ، واعتَقَد ما ليس منه أنَّه منه؛ فقد كَفَر، ويلزَمُ من هذا رَفْعُ الوُثوقِ بالقُرآنِ كُلِّه، وهو يؤدِّي إلى هَدْمِ الدِّينِ، ويَلزَمُهم عدمُ الاستدلالِ به، والتعَبُّدِ بتلاوتِه؛ لاحتِمالِ التبَدُّلِ. ما أخبَثَ قَولَ قَومٍ يَهدِمُ دينَهم!) [2393] يُنظر: ((رسالة في الرد على الرافضة)) (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني عشر) (ص: 15). .
4- أجمَعَ العُلَماءُ على كُفرِ من استهان بالمُصحَفِ، وخروجِه عن المِلَّةِ
فقد ذَكَر ابنُ حَزمٍ أنَّ العُلَماءَ اتَّفَقوا على: (أنَّ كُلَّ ما في القُرآنِ حَقٌّ، وأنَّ من زاد فيه حرفًا من غيرِ القِراءاتِ المرويَّةِ المحفوظةِ المنقولةِ نَقْلَ الكافَّةِ، أو نَقَص منه حرفًا، أو بدَّل منه حرفًا مكانَ حَرفٍ، وقد قامت عليه الحُجَّةُ أنَّه من القُرآنِ، فتمادى متعَمِّدًا لكُلِّ ذلك، عالِمًا بأنَّه بخِلافِ ما فَعَل- فإنَّه كافِرٌ) [2394] يُنظر: ((مراتب الإجماع)) (ص: 174). .
وقال القاضي عِياضٌ: (اعلَمْ أنَّ من استخفَّ بالقُرآنِ أو المصحَفِ أو بشيءٍ منه، أو سَبَّهما، أو جحَدَه أو حرفًا منه أو آيةً، أو كذَّب به أو بشيءٍ منه، أو كذَّب بشَيءٍ مِمَّا صَرَّح به فيه من حُكمٍ أو خبَرٍ، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبتَه، علـى عِلمٍ منه بذلك، أو شَكَّ في شيءٍ من ذلك- فهو كافِرٌ عند أهلِ العِلْم بإجماعٍ؛ قال اللهُ تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]) [2395] يُنظر: ((الشفا)) (2/304) .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (قد اتَّفَق المُسلِمون على أنَّ من استخَفَّ بالمصحَفِ، مِثلُ أن يُلقِيَه في الحُشِّ، أو يَركُضَه برِجْلِه إهانةً له؛ أنَّه كافِرٌ مباحُ الدَّمِ) [2396] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/425). .

انظر أيضا: