trial

الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الأوَّلُ: أدِلَّةُ أهلِ السُّنَّةِ على حُكمِ مُرتَكِبِ الكبيرةِ (الحُكْم الدُّنْيَوِي والأُخْرَوِي)


استدَلَّ أهلُ السُّنَّةِ لذلك بأدِلَّةٍ كثيرةٍ جِدًّا، وتُذكَرُ هنا الأدِلَّةُ الكُليَّةُ التي يندَرِجُ تحتَها عَدَدٌ من الأدِلَّةِ التفصيليَّةِ.
الدَّليلُ الأوَّلُ: نصوصٌ تَدُلُّ على أنَّ من مات لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا دَخَل الجنَّةَ، وعلى أنَّ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، دَخَل الجنَّةَ؛ منها:
1- قَولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: 48].
قال المروزيُّ: (فحَكَم بأنَّ الشِّركَ غيرُ مغفورٍ للمُشرِكِ، يعني: إذا مات غيرَ تائبٍ منه؛ لِقَولِه: قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38] مع آياتٍ غيرِ هذه تدُلُّ على أنَّ التَّائِبَ من الشِّركِ مغفورٌ له شِرْكُه، فثبت بذلك أنَّ الشِّركَ الذي أخبر اللهُ أنَّه لا يَغفِرُه: هو الشِّركُ الذي لم يُتَبْ منه، وأنَّ التَّائِبَ مغفورٌ له شِرْكُه، وأخبر أنَّه يَغفِرُ ما دون الشِّركِ لِمن يشاءُ، يعني: لمن أتى ما دون الشِّركِ، فلَقِيَ اللهَ غيرَ تائبٍ منه؛ لأنَّه لو أراد أن يَغفِرَ ما دون الشِّركِ للتَّائبِ، دونَ من لم يَتُبْ، لكان قد سَوَّى بين الشِّركِ وما دونه، ولو كان كذلك لم يكُنْ لفَصْلِه بين الشِّركِ وما دونه معنًى، ففَصْلُه بينهما دليلٌ على أنَّ الشِّركَ لا يَغفِرُه لو مات وهو غيرُ تائبٍ منه، وأن يَغفِرَ ما دون ذلك الشِّركِ لِمن يشاء ممن مات وهو غيرُ تائبٍ، ولا جائِزٌ أن يَغفِرَ له ويُدخِلَه الجنَّةَ إلَّا وهو مُؤمِنٌ [750] أي: معه أصلُ الإيمانِ. [751] يُنظر: ((تعظيم قدر الصلاة)) (2/617). .
 قال ابنُ كثير: (أخبر تعالى: أنَّه لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ أي: لا يَغفِرُ لعَبدٍ لَقِيَه وهو مُشرِكٌ به، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ أي: من الذُّنوبِ لِمَنْ يَشَاءُ أي: من عبادِه) [752] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/325). .
وقال السعديُّ: (فالذُّنوبُ التي دون الشِّركِ قد جعل اللهُ لِمَغفرتِها أسبابًا كثيرةً؛ كالحَسَناتِ الماحيةِ، والمصائبِ المكَفِّرةِ في الدُّنيا، والبَرْزخِ ويومِ القيامةِ، وكدُعاءِ المُؤمِنين بَعْضِهم لبَعضٍ، وبشفاعةِ الشَّافعين، ومن فوق ذلك كُلِّه رَحمتُه التي أحقُّ بها أهلُ الإيمانِ والتوحيدِ، وهذا بخِلافِ الشِّركِ؛ فإنَّ المشرِكَ قد سَدَّ على نَفْسِه أبوابَ المغفرةِ، وأغلقَ دونَه أبوابَ الرَّحمةِ) [753] يُنظر: ((تيسير الكريم الرحمن)) (ص: 181). .
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، لا يَلْقَى اللهَ بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلَّا دَخَل الجَنَّةَ)) [754] أخرجه مسلم (27). .
3- حديثُ مُعاذِ بنِ جبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وفيه قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((حَقُّ اللهِ على العِبادِ أن يَعبُدوه ولا يُشرِكوا به شيئًا، وحَقُّ العِبادِ على اللهِ ألَّا يُعَذِّبَ مَن لا يُشرِكُ به شيئًا)) [755] أخرجه البخاري (2856)، ومسلم (30). .
4- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال فيما يرويه عن رَبِّه عزَّ وجَلَّ: ((... ومَن لَقِيَني بقُرابِ الأرضِ خَطيئةً لا يُشرِكُ بي شَيئًا لَقِيتُه بقُرابِها مَغفِرةً)) [756] أخرجه مسلم (2687). .
 قال ابنُ رجب: (فمن جاء مع التوحيدِ بقُرابِ الأرضِ، وهو مِلْؤُها أو ما يقارِبُ مِلْأَها خطايا، لَقِيَه اللهُ بقُرابِها مَغفِرةً، لكِنَّ هذا مع مشيئةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخَذَه بذُنوبِه، ثم كان عاقِبَتُه ألَّا يُخلَّدَ في النَّارِ، بل يخرجُ منها ثمَّ يَدخُلُ الجنَّةَ) [757] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) (2/ 417). .
الدَّليلُ الثَّاني: نصوصٌ فيها التصريحُ بعَدَمِ دُخولِ المُوَحِّدِ النَّارَ أو خُلودِه فيها إن دخَلَها، مع تصريحِها بارتكابِه الكبائِرِ؛ منها:
1- حديثُ أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه عن النَّبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((أتاني جِبريلُ عليه السَّلَامُ فبَشَّرني أنَّه من مات من أمَّتِك لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا دَخَل الجَنَّةَ، قُلتُ: وإنْ زنى وإن سَرَق، قال: وإن زنى وإن سَرَق)) [758] أخرجه البخاري (1237)، ومسلم (94). .
قال النَّووي: (أمَّا قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وإن زنى وإن سرق)) فهو حُجَّةٌ لِمَذهَبِ أهلِ السُّنَّة أنَّ أصحابَ الكبائِرِ لا يُقطَعُ لهم بالنَّارِ، وأنَّهم إن دخلوها أُخرِجوا منها، وخُتِم لهم بالخُلودِ في الجنَّةِ) [759] يُنظر: ((شرح صحيح مسلم)) (2/97). .
2-عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعليه ثوبٌ أبيَضُ وهو نائِمٌ، ثم أتيتُه وقد استيقظ فقال: ((ما من عَبدٍ قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ثم مات على ذلك، إلَّا دَخَل الجنَّةَ. قُلتُ: وإن زنى وإن سَرَق؟! قال: وإن زنى وإن سَرَق. قلتُ: وإن زنى وإن سَرَق؟! قال: وإن زنى وإن سَرَق. قُلتُ: وإن زنى وإن سَرَق؟! قال: وإن زنى وإن سرق، على رَغمِ أنْفِ أبى ذَرٍّ))، وكان أبو ذَرٍّ إذا حَدَّث بهذا قال: وإن رَغِمَ أنفُ أبى ذَرٍّ! [760] أخرجه البخاري (5827)، ومسلم (94). .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (وإنَّما واجه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا ذَرٍّ بهذه الكَلِماتِ؛ لَمَّا فَهِمَ عنه من استبعادِه دُخولَ مَن زنى ومن سَرَق الجنَّةَ، وكان وقع له هذا الاستبعادُ بسَبَبِ ظاهِرِ قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مُؤمِنٌ)) الحديث، وممَّا هو في معناه، فرَدَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا الوَهْمَ وأنكَرَه، وكان هذا الحديثُ نَصًّا في الرَّدِّ على المكَفِّرةِ بالكبائِرِ، كما تقَدَّم، وخروجُ أبي ذَرٍّ قائِلًا: وإنْ رَغِمَ أنفُ أبي ذَرٍّ: رجوعٌ منه عمَّا كان وقع له من ذلك، وانقيادٌ للحَقِّ لَمَّا تَبَيَّن له)  [761]يُنظر: ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) (1/292). .
3- حديثُ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: كُنَّا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مجلِسٍ فقال: ((تُبايعوني على ألّا تُشرِكوا باللهِ شَيئًا، ولا تَزْنوا، ولا تَسرِقوا، ولا تَقْتُلوا النَّفْسَ التي حَرَّم اللهُ إلَّا بالحَقِّ، فمَن وَفى منكم فأجرُه على اللهِ، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعُوقِبَ به فهو كَفَّارةٌ له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فسَتَره اللهُ عليه فأمْرُه إلى اللهِ؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عَذَّبه)) [762] أخرجه البخاري (18)، ومسلم (1709) واللَّفظُ له. .
قال المروزيُّ: (في هذا الحَديثِ دَلالتانِ على أنَّ السَّارِقَ والزَّاني ومن ذُكِرَ في هذا الحديثِ غيرُ خارجينَ من الإيمانِ بأَسْرِه.
إحداهما: قَولُه: ((فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقِبَ في الدُّنيا، فهو كفَّارةٌ له))، والحدودُ لا تكونُ كفَّاراتٍ إلَّا للمُؤمِنين، ألا ترى قَوْلَه: ((من سَتَرَ اللهُ عليه فأَمْرُه إلى اللهِ؛ إن شاء غَفَر له، وإن شاء عَذَّبه))، فإذا غَفَر له أدخَلَه الجَنَّةَ، ولا يدخُلُ الجَنَّةَ مِن البالغين المكَلَّفين إلَّا مُؤمِنٌ.
وقَولُه [763] هذه هي الدَّلالةُ الثانيةُ. صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إن شاء غفر له، وإن شاء عَذَّبه)) هو نظيرُ قَولِ اللهِ تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48]... وأن يَغفِرَ ما دون ذلك الشِّركِ لِمن يشاءُ ممَّن مات وهو غيرُ تائبٍ، ولا جائزٌ أن يَغفِرَ له ويُدخِلَه الجنَّةَ إلَّا وهو مُؤمِنٌ) [764] يُنظر: ((تعظيم قدر الصلاة)) (2/616). .
وقال النووي: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ومن أصاب شيئًا من ذلك)) إلى آخِرِه. المرادُ به ما سِوى الشِّرْكِ، وإلَّا فالشِّركُ لا يُغفَرُ له) [765] يُنظر: ((شرح صحيح مسلم)) (11/223). ، ثمَّ ذَكَر من فوائِدِ الحَديثِ: (الدَّلالةَ لِمَذهَبِ أهلِ الحَقِّ أنَّ المعاصيَ غيرَ الكُفرِ لا يُقطَعُ لصاحِبِها بالنَّارِ إذا مات ولم يَتُبْ منها، بل هو بمشيئةِ اللهِ تعالى؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عَذَّبه) [766] يُنظر: ((شرح صحيح مسلم)) (11/224). .
الدَّليلُ الثَّالثُ: نصوصٌ فيها التصريحُ ببَقاءِ الإيمانِ والأُخُوَّةِ الإيمانيَّةِ مع ارتكابِ الكبائِرِ؛ منها:
1- قَولُه تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: 9-10].
استدَلَّ أهلُ السُّنَّةِ بهاتين الآيتينِ على أنَّ المُؤمِنَ لا يَكفُرُ بارتِكابِه الكبائِرَ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ أبقى عليه اسمَ الإيمانِ مع ارتكابِه لمعصيةِ القَتْلِ [767] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (1/85). ، ووصَفَهم بالأُخُوَّةِ، وهي هنا أُخُوَّةُ الدِّينِ.
قال البَغَوي: (وفي هاتينِ الآيتينِ دليلٌ على أنَّ البَغيَ لا يُزيلُ اسمَ الإيمانِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى سَمَّاهم إخوةً مُؤمِنين مع كونِهم باغِينَ.
يدلُّ عليه ما رُوِيَ عن الحارِثِ الأعوَرِ أنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه سُئِلَ -وهو القُدوةُ في قتالِ أهلِ البَغيِ- عن أهلِ الجَمَلِ وصِفِّين: أمُشرِكون هم؟ فقال: (لا، من الشِّركِ فَرُّوا)، فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: (لا، إنَّ المنافقين لا يَذكُرون اللهَ إلَّا قليلًا)، قيل: فما حالُهم؟ قال: (إخوانُنا بَغَوا علينا!) [768] يُنظر: ((معالم التنزيل)) (4/259). .
2- قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة: 178].
 قال ابنُ الجوزيِّ: (دَلَّ قَولُه تعالى: مِنْ أَخِيهِ على أنَّ القاتِلَ لم يخرُجْ عن الإسلامِ) [769] يُنظر: ((زاد المسير)) (1/137). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (من أُصولِ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ الدِّينَ والإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ: قَولُ القَلبِ واللِّسانِ، وعَمَلُ القَلبِ واللِّسانِ والجوارحِ، وأنَّ الإيمانَ يَزيدُ بالطَّاعةِ، ويَنقُصُ بالمعصيةِ، وهم مع ذلك لا يُكَفِّرون أهلَ القِبْلةِ بمُطلَقِ المعاصي والكبائرِ كما يَفعَلُه الخوارجُ، بل الأُخُوَّةُ الإيمانيَّةُ ثابتةٌ مع المعاصي، كما قال سُبحانَه وتعالى في آيةِ القِصاصِ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 178]، وقالوَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [770] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/151). .
3- لعَلَّ مِمَّا يدخُلُ تحتَ هذا الدَّليلِ ما رواه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَجُلًا كان على عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان اسمُه عبدَ اللهِ، وكان يُلَقَّبُ حمارًا، وكان يُضحِكُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد جلَدَه في الشَّرابِ، فأُتيَ به يومًا فأَمَرَ به فجُلِدَ، فقال رجُلٌ من القَومِ: اللَّهُمَّ الْعَنْه، ما أكثَرَ ما يؤتى به! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تَلْعَنوه، فواللهِ ما عَلِمْتُ إلَّا أنَّه يحِبُّ اللهَ ورَسولَه!)) [771] أخرجه البخاري (6780). .
فالحديثُ صريحٌ هنا ببقاءِ محبَّةِ اللهِ ورَسولِه، وهي من أعظَمِ أُصولِ الإيمانِ القَلبيِّ مع تَكرارِ شُرْبِه للخَمْرِ.
 قال ابنُ حَجَر: (وفيه: الرَّدُّ على من زَعَم أنَّ مُرتَكِبَ الكبيرةِ كافِرٌ؛ لثُبوتِ النَّهيِ عن لَعْنِه، والأمرِ بالدُّعاءِ له، وفيه: ألَّا تنافيَ بين ارتكابِ النَّهيِ وثُبوتِ محَبَّةِ اللهِ ورَسولِه في قَلْبِ المرتَكِبِ؛ لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبَرَ بأنَّ المذكورَ يُحِبُّ اللهَ ورَسولَه مع وجودِ ما صَدَرَ منه) [772] يُنظر: ((فتح الباري)) (12/78). .
الدَّليلُ الرَّابِعُ: أنَّ اللهَ تعالى قد شرع إقامةَ الحُدودِ على بعضِ الكبائِرِ
قال أبو عُبَيدٍ: (قد وجَدْنا اللهَ تبارك وتعالى يُكَذِّبُ مقالتَهم، وذلك أنَّه حَكَم في السَّارِقِ بقَطْعِ اليَدِ، وفي الزَّاني والقاذِفِ بالجَلْدِ، ولو كان الذَّنبُ يُكَفِّرُ صاحِبَه، ما كان الحُكمُ على هؤلاء إلَّا بالقَتلِ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من بَدَّل دينَه فاقتُلوه)) [773] أخرجه البخاري (3017) من حديثِ عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ عنهما. ، أفلا ترى أنَّهم لو كانوا كُفَّارًا لَمَا كانت عُقوباتُهم القَطْعَ والجَلْدَ؟ وكذلك قَولُ اللهِ فيمن قُتِلَ مظلومًا: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [الإسراء: 33]، فلو كان القَتلُ كُفرًا ما كان للوَليِّ عَفوٌ ولا أَخْذُ دِيَةٍ، ولَزِمَه القَتلُ) [774] يُنظر: ((الإيمان)) (ص: 77). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (بل القُرآنُ والنَّقلُ المتواتِرُ عنه يُبَيِّنُ أنَّ هؤلاء لهم عقوباتٌ غيرُ عُقوبةِ المرتَدِّ عن الإسلامِ، كما ذَكَر اللهُ في القُرآنِ جَلْدَ القاذِفِ والزَّاني، وقَطْعَ يَدِ السَّارِقِ، وهذا متواتِرٌ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولو كانوا مرتَدِّين لقَتَلَهم، فكِلا القولين مِمَّا يُعلَمُ فَسادُه بالاضطرارِ من دينِ الإسلامِ) [775] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/287). .
وقال ابنُ أبي العزِّ: (نصوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ تَدُلُّ على أنَّ الزَّانيَ والسَّارِقَ والقاذِفَ لا يُقتَلُ، بل يقامُ عليه الحَدُّ، فدَلَّ على أنَّه ليس بمُرتَدٍّ) [776] يُنظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (2/443). .
الدَّليلُ الخامِسُ: نُصوصٌ صريحةٌ في خُروجِ من دَخَل النَّارَ مِن المُوَحِّدين بالشَّفاعةِ وبغَيْرِها
إنَّه لو كان مُرتَكِبُ الكبائِرِ كافِرًا لَمَا خرج من النَّارِ، وقد تواترت الأدِلَّةُ بخُروجِه كما ذكر البيهقيُّ، وابنُ تيميَّةَ، وابنُ أبي العِزِّ، وابنُ الوَزيرِ [777] يُنظر: ((الجامع لشعب الإيمان)) للبيهقي (1/ 475)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (7/ 500)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (1/ 290)، ((إيثار الحق على الخلق)) (ص: 359). .
 قال ابنُ الوزير: (أحاديثُ الشَّفاعةِ المصَرِّحةُ بخُروجِ الموَحِّدين من النَّارِ قاطِعةٌ في معناها بالإجماعِ، وهي قاطِعةٌ في ألفاظِها... لوُرودِها عن عشرينَ صَحابيًّا أو تزيدُ؛ في (الصِّحاح) و(السُّنَن) و(المسانيد)، وأمَّا شواهِدُها بغيرِ ألفاظِها فقاربت خمسَمائة حديثٍ) [778] يُنظر: ((إيثار الحق على الخلق)) (ص: 359). .
ومن هذه الأحاديثِ:
1- حديثُ أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يخرُجُ من النَّارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ وفي قَلْبِه وَزْنُ شَعيرةٍ مِن خَيرٍ، ويَخرُجُ مِنَ النَّارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ وفي قَلْبِه وَزنُ بُرَّةٍ من خَيرٍ، ويخرُجُ مِنَ النَّارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ وفي قَلْبِه وَزنُ ذَرَّةٍ مِن خيرٍ))، وفي روايةٍ: ((من إيمانٍ)) مكانَ ((من خَيرٍ)) [779] أخرجه البخاري (44)، ومسلم (193). .
2- أحاديثُ شفاعةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أهلِ الكبائِرِ الذين دخلوا النَّارَ أن يَخرُجوا منها، ومنها حديثُ: أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لكُلِّ نبيٍّ دَعوةٌ مستجابةٌ، فتعَجَّلَ كُلُّ نبيٍّ دَعْوَتَه، وإني اختبَأْتُ دَعوتي شفاعةً لأُمَّتي يومَ القيامةِ، فهي نائِلةٌ -إن شاء اللهُ- من مات من أمَّتي لا يُشرِكُ باللهِ شَيئًا)) [780] أخرجه مسلم (199). ، ويوضِّحُ ذلك حديثُ الشَّفاعةِ المشهورُ، وفيه: ((فيقولُ أي: عيسى عليه السَّلَامُ: ائتُوا محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، عَبدًا غَفَر اللهُ له ما تقَدَّم من ذَنْبِه وما تأخَّر، فيأتوني، فأنطَلِقُ حتى أستأذِنَ على رَبِّي فيؤذَنُ لي، فإذا رأيتُ رَبِّي وقَعْتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاء اللهُ، ثم يُقالُ: ارفَعْ رأسَك، وسَلْ تُعْطَه، وقُلْ يُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفَعُ رأسي فأحمَدُه بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيه، ثم أَشْفَعُ، فيَحُدُّ لي حدًّا، فأدخِلُهم الجنَّةَ، ثم أعودُ إليه، فإذا رأيتُ رَبِّي -وذكَرَ مِثلَه- ثمَّ أَشْفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأدخِلُهم الجنَّةَ، ثم أعود الثَّالثةَ، ثم أعودُ الرَّابعةَ، فأقولُ: ما بَقِيَ في النَّارِ إلَّا من حَبَسَه القُرآنُ، ووجب عليه الخلودُ))، قال البخاري: إلَّا من حَبَسَه القُرآنُ، يعني: قَولَ اللهِ تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا [781] أخرجه البخاري (4476) واللَّفظُ له، ومسلم (193). .
3- عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يَدخُلُ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ، ثم يقولُ اللهُ تعالى: أخرِجوا من كان في قَلْبِه مِثقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ، فَيخرُجون منها قد اسوَدُّوا، فيُلْقَون في نَهْرِ الحَيَا -أو الحياة [782] قال النووي: (الحَيَا هنا مقصورٌ: وهو المطَرُ سُمِّي حَيًا؛ لأنَّه تحيا به الأرضُ؛ ولذلك هذا الماءُ يحيا به هؤلاء المحتَرِقون، وتحدُثُ فيهم النَّضارةُ كما يُحدِثُ ذلك المطَرُ في الأرضِ. واللهُ أعلَمُ) ((شرح صحيح مسلم)) (3/37). ، شَكَّ مالك- فيَنبُتُون كما تَنبُتُ الحِبَّةُ في جانِبِ السَّيلِ، ألم تَرَ أنَّها تخرُجُ صَفراءَ مُلتويةً؟)) [783] أخرجه البخاري (22)، ومسلم (184).
قال زُهَير بنُ عَبَّادٍ: (كُلُّ من أدركتُ من المشايخِ -مالِكُ بنُ أنَسٍ، وسُفيانُ بنُ عُيَينةَ، وعيسى بنُ يُونُسَ، وفُضَيلُ بنُ عِياضٍ، وعبدُ اللهِ بنُ المبارَكِ، ووكيعُ بنُ الجَرَّاحِ، وغَيرُهم- لا يُكَفِّرون أحدًا بذَنبٍ، ولا يَشهَدون لأحَدٍ أنَّه في الجنَّةِ وإن لم يَعْصِ اللهَ، ولا أنَّه في النَّارِ وإن عَمِلَ الكبائِرَ، ومن خالف هذا فهو عندَهم مُبتَدِعٌ) [784] يُنظر: ((أصول السنة)) لابن أبي زمنين (ص: 222). .
وقال الشَّافعي في وصيَّتِه المشهورة: (لا أُكَفِّرُ أحدًا من أهلِ التوحيدِ بذَنبٍ وإن عَمِلَ بالكبائِرِ، وأَكِلُهم إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ) [785] يُنظر: ((اعتقاد الشافعي)) للهكاري (ص: 17). .
وقال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: (أجمعَ تِسعون رجُلًا من التابعينَ وأئمَّةِ المُسلمين وأئمَّةِ السَّلَفِ وفُقَهاءِ الأمصارِ، على أنَّ السُّنَّةَ التي توفِّيَ عنها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:... ألَّا نُكَفِّرَ أحدًا من أهلِ التوحيدِ وإن عَمِلوا الكبائِرَ) [786] يُنظر: ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (1/130). .
وقال أيضًا: (من مات من أهلِ القِبلةِ مُوَحِّدًا، يُصَلَّى عليه، ويُستغفَرُ له، ولا يُحجَبُ عنه الاستغفارُ، ولا تُترَكُ الصَّلاةُ عليه لذَنبٍ أذنَبَه، صغيرًا كان أو كبيرًا، أمْرُه إلى اللهِ تعالى) [787] يُنظر: ((أصول السنة)) (ص: 60). .
وقال أيضًا: (يَخرُجُ الرَّجُلُ من الإيمانِ إلى الإسلامِ، فإن تاب رجع إلى الإيمانِ، ولا يُخرِجُه من الإسلامِ إلَّا الشِّركُ باللهِ العظيمِ، أو يَرُدُّ فَريضةً مِن فرائِضِ اللهِ جاحِدًا لها، فإن ترَكَها تهاونًا بها وكَسَلًا كان في مشيئةِ اللهِ؛ إن شاء عَذَّبه، وإن شاء عفا عنه) [788] يُنظر: ((مناقب الإمام أحمد)) لابن الجوزي (ص: 226). .
وقال المُزَني: (لا يَخرُجون بالذُّنوبِ من الإيمانِ، ولا يَكفُرون برُكوبِ كبيرةٍ ولا عصيانٍ) [789] يُنظر: ((شرح السنة)) (ص: 78). .
وقال محمَّدُ بنُ نَصرٍ المَرْوَزي: (إنَّ المُصِرَّ على ما دونَ الشِّركِ حتى يموتَ: مؤمِنٌ، غيرُ كافرٍ ولا مُشرِكٍ، وهو بين خَوفٍ ورجاءٍ، يُخافُ أن يُعاقِبَه اللهُ على مَعصيتِه إيَّاه بما استحَقَّ من العقوبةِ، ونرجو أن يتفَضَّلَ اللهُ عليه فيعفو عنه ويغفِرُ له ذَنْبَه) [790] يُنظر: ((تعظيم قدر الصلاة)) (2/ 623). .
وقال أيضًا: (الذي عندنا أنَّ المعاصيَ لا تُزيلُ الإيمانَ، ولا توجِبُ الكُفرَ، ولكِنَّها تنفي حقائِقَ الإيمانِ الذي نَعَت اللهُ تبارك وتعالى بها أهلَه في مواضِعَ مِن كِتابِه) [791] يُنظر: ((تعظيم قدر الصلاة)) (2/ 577). .
وقال ابنُ خُزَيمة: (كُلُّ مُرتَكبِ مَعصيةٍ زَجَر اللهُ عنها، فقد أغواه إبليسُ، واللهُ عزَّ وجَلَّ قد يشاءُ غُفرانَ كلِّ مَعصيةٍ يرتَكِبُها المسلِمُ دون الشِّركِ، وإن لم يتُبْ منها؛ كذاك أعلَمَنا في محكَمِ تنزيلِه في قَولِه: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48]) [792] يُنظر: ((التوحيد)) (2/ 705). .
وقال الطَّحاوي: (أهلُ الكبائِرِ مِن أمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّارِ، لا يُخَلَّدون إذا ماتوا، وهم مُوَحِّدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لَقُوا اللهَ عارفين مؤمنين، وهم في مشيئتِه وحُكْمِه؛ إن شاء غَفَر لهم وعفا عنهم بفَضْلِه، كما ذكر عزَّ وجَلَّ في كتابِه: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: 48 و 116]، وإن شاء عَذَّبهم في النَّارِ بعَدْلِه ثمَّ يخرِجُهم منها برحمتِه وشفاعةِ الشَّافعين من أهلِ طاعتِه، ثمَّ يبعَثُهم إلى جَنَّتِه) [793] يُنظر: ((متن الطحاوية)) (ص: 65). .
وقال أبو الحَسَنِ الأشعريُّ: (جملةُ ما عليه أهلُ الحديثِ والسُّنَّةِ... ولا يُكَفِّرون أحدًا من أهلِ القِبلةِ بذَنبٍ يرتكِبُه؛ كنَحوِ الزِّنا والسَّرِقةِ، وما أشبَهَ ذلك من الكبائِرِ، وهم بما معهم من الإيمانِ مُؤمِنون وإن ارتكَبوا الكبائِرَ) [794] يُنظر: ((مقالات الإسلاميين)) (1/ 226). .
وقال ابنُ بطَّةَ: (قد أجمعَت العُلَماءُ لا خِلافَ بينهم أنَّه لا يُكَفَّرُ أحَدٌ مِن أهلِ القِبلةِ بذَنبٍ، ولا نُخرِجُه من الإسلامِ بمعصيةٍ، نرجو للمُحسِنِ، ونخافُ على المسيءِ) [795] يُنظر: ((الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة)) (ص: 292). .
وقال الصَّابوني: (يعتَقدُ أهل السُّنَّة أنَّ المُؤمِنَ وإن أذنب ذنوبًا كثيرةً صَغائِرَ وكبائِرَ، فإنَّه لا يَكفُرُ بها، وإن خرج من الدُّنيا غيرَ تائبٍ منها، ومات على التوحيدِ والإخلاصِ فإنَّ أمْرَه إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ إن شاء عفا عنه، وأدخَلَه الجنَّةَ يومَ القيامةِ سالِمًا غانمًا، غيرَ مُبتلًى بالنَّارِ ولا مُعاقَبٍ على ما ارتكَبَه واكتسَبَه ثمَّ استصحَبَه إلى يومِ القيامةِ مِنَ الآثامِ والأوزارِ، وإن شاء عاقَبَه وعَذَّبه مُدَّةً بعَذابِ النَّارِ، وإذا عَذَّبَه لم يُخَلِّدْه فيها، بل أعتَقَه وأخرَجَه منها إلى نعيمِ دارِ القرارِ) [796] يُنظر: ((عقيدة السلف وأصحاب الحديث)) (ص: 276). .
وقال ابنُ رُشد الجد: (من واقعَ كبيرةً من الكبائرِ، فهو فاسِقٌ محمولٌ على الفِسقِ، حتى تُعلَمَ توبتُه منها) [797] يُنظر: ((البيان والتحصيل)) (17/100). .
وقال البَغَوي: (اتَّفَق أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ المُؤمِنَ لا يَخرُجُ عن الإيمانِ بارتكابِ شَيءٍ مِن الكبائِرِ إذا لم يعتَقِدْ إباحتَها، وإذا عَمِلَ شيئًا منها فمات قبل التوبةِ لا يُخَلَّدُ في النَّارِ، كما جاء به الحديثُ، بل هو إلى اللهِ؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقَبه بقَدْرِ ذُنوبِه، ثمَّ أدخَلَه الجنَّةَ برَحمتِه) [798] يُنظر: ((شرح السنة)) (1/103). .
وقال عبدُ الوَهَّاب ابن الحنبلي: (قد أجمعت العُلَماءُ مِن أهلِ السُّنَّةِ مِن غيرِ خِلافٍ بينهم أنَّه لا يُكَفَّرُ أحدٌ من أهلِ القبلةِ بذَنبٍ صغيرٍ وكبيرٍ، ولا يُخرِجُه عن الإسلامِ بمعصيةٍ صَغُرت أم كَبُرت، ونرجو للمُحسِنِ، ونخافُ على المسيءِ) [799] يُنظر: ((الرسالة الواضحة في الرد على الأشاعرة)) (2/1005). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ مُتَّفِقون على أنَّه لا يُكفَّرُ المسلِمُ بمجَرَّدِ الذَّنبِ كما يقولُه الخوارجُ، ولا أنَّه يخرجُ من الإيمانِ بالكُلِّيَّةِ، كما يقولُه المعتزلةُ، لكِنْ يَنقُصُ الإيمانَ، ويَمنَعُ كَمالَه الواجِبَ) [800] يُنظر: ((الاستقامة)) (2/185). .
وقال أيضًا: (الواجِبُ موالاةُ أولياءِ اللهِ المتَّقين من جميعِ الأصنافِ، وبُغْضُ الكُفَّارِ والمنافقين من جميعِ الأصنافِ، والفاسِقُ المِلِّي يُعطى من الموالاةِ بقَدْرِ إيمانِه، ويُعطى من المعاداةِ بقَدْرِ فِسْقِه؛ فإنَّ مَذهَبَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّ الفاسِقَ المِلِّي له الثوابُ، والعِقابُ إذا لم يَعْفُ اللهُ عنه) [801] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (28/578). .
وقال ابنُ القَيِّم: (القَصدُ أنَّ المعاصيَ كُلَّها من نوعِ الكُفرِ الأصغَرِ؛ فإنَّها ضِدُّ الشُّكرِ الذي هو العَمَلُ بالطَّاعة، فالسَّعيُ: إمَّا شُكرٌ وإمَّا كُفرٌ وإمَّا ثالِثٌ لا من هذا ولا من هذا) [802] يُنظر: ((مدارج السالكين)) (1/ 346). .
وقال الحَكَميُّ: (فاسِقُ أهلِ القِبلةِ لا يُنفى عنه مُطلَقُ الإيمانِ بفُسوقِه، ولا يُوصَفُ بالإيمانِ التَّامِّ، ولكِنْ هو مُؤمِنٌ ناقِصُ الإيمانِ، أو مُؤمِنٌ بإيمانِه، فاسِقٌ بكبيرتِه) [803] يُنظر: ((معارج القبول)) (3/ 1017). .
وقال ابنُ قاسم: (من قَتَل مُسلِمًا عَمْدًا عُدوانًا، فَسَق عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وغَلَتِ الخوارجُ فكَفَّروه بذلك، وعند أهلِ السُّنَّةِ أمْرُه إلى اللهِ، إن شاء غَفَر له، وإن شاء عَذَّبه) [804] يُنظر: ((الإحكام شرح أصول الأحكام)) (4/238). .
فالذُّنوبُ والمعاصي لا تؤثِّرُ على أصلِ الإيمانِ مِن حيثُ بقاؤُه أو ذَهابُه، وإنَّما تؤثِّرُ فيه من حيثُ زيادتُه ونُقصانُه. والمُؤمِنون متفاضِلون في إيمانِهم، فمنهم المقتَصِدُ، ومنهم الظَّالمُ لنَفْسِه، ومنهم السَّابقُ بالخيراتِ. ولكلٍّ درجةٌ عند اللهِ تعالى.
قال السعديُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يوسف: 57]: (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ من أجرِ الدُّنيا لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ أي: لِمَن جَمَع بين التقوى والإيمانِ، فبالتقوى تُترَكُ الأمورُ المحَرَّمةُ مِن كبائِرِ الذُّنوبِ وصَغائِرِها، وبالإيمانِ التَّامِّ يحصُلُ تصديقُ القَلْبِ، بما أمَرَ اللهُ بالتصديقِ به، وتَتْبَعُه أعمالُ القُلوبِ وأعمالُ الجوارحِ، مِنَ الواجِباتِ والمستحَبَّاتِ) [805] يُنظر: ((تيسير الكريم الرحمن)) (ص: 401). .
والوعيدُ يَلحَقُ أهلَ المعاصي في الآخِرةِ، كما قال اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: 10].
وقال اللهُ سُبحانَه: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: 23].
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93].
وقال اللهُ تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 114].
ولكِنْ هذا الوعيدُ لاحِقٌ بأهلِ المعاصي إذا ماتوا عليها دون توبةٍ، فالتَّوبةُ تُسقِطُ العذابَ عن عُصاةِ الموَحِّدين، فإذا عُدِمَت التوبةُ فأمْرُهم إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ إن شاء عَذَّبهم، وإن شاء عفا عنهم.
قال محمد الطائي: أملى عليَّ أحمَدُ بْنُ حَنبَلٍ: (من لَقِيَه مصرًّا غيرَ تائبٍ مِن الذُّنوبِ التي قد استوجب بها العُقوبةَ، فأمْرُه إلى اللهِ؛ إن شاء عَذَّبه، وإن شاء غَفَر له، إذا توفِّيَ على الإسلامِ والسُّنَّةِ) [806] يُنظر: ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (1/ 311). .
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: (إن مات صاحِبُ الكبيرةِ فمَصيرُه إلى اللهِ؛ إن شاء غَفَر له، وإن شاء عَذَّبه، فإن عَذَّبه فبِجُرمِه، وإن عفا عنه فهو أهلُ العَفوِ وأهلُ المغفرةِ، وإن تاب قبل الموتِ وقَبلَ حُضورِه ومعاينَتِه ونَدِمَ واعتَقَد ألَّا يعودَ واستغفَرَ ووَجِلَ، كان كمن لم يُذنِبْ، وبهذا كُلِّه الآثارُ الصِّحاحُ عن السَّلَفِ قد جاءت، وعليه جماعةُ عُلَماءِ المُسلِمين) [807] يُنظر: ((التمهيد)) (4/49). .
وقال يحيى بن أبي الخير العمراني: (مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ أنَّ الموحِّدين لا يَكفُرونَ بفِعلِ شَيءٍ مِن المعاصي الصَّغائِرِ والكبائِرِ، وإذا عَمِلوا الكبائِرَ وتابوا لم تَضُرَّهم، وإن ماتوا قبل التوبةِ منها فأمْرُهم إلى اللهِ؛ إن شاء عَذَّبَهم عليها، وإن شاء غَفَرَها لهم) [808] يُنظر: ((الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار)) (3/666). .
وقد ذَكَر أهلُ العِلمِ أنَّ العُصاةَ مِن الموَحِّدين ثلاثُ طَبَقاتٍ يومَ القيامةِ.
الطَّبَقةُ الأُولى: قومٌ رَجَحَت حَسَناتُهم على سَيِّئاتِهم، فأولئك يَدخُلون الجنَّةَ من أوَّلِ وهلةٍ، ولا تَمَسُّهم النَّارُ أبدًا، كما قال تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المُؤمِنون: 102].
الطَّبقةُ الثَّانيةُ: قَومٌ تساوت حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم، فقَصَّرت بهم سَيِّئاتُهم عن الجنَّةِ، وتجاوَزَت بهم حَسَناتُهم عن النَّارِ، وهؤلاء أصحابُ الأعرافِ الذين ذكَرَ اللهُ تعالى أنَّهم يُوقَفون بين الجنَّةِ والنَّارِ ما شاء اللهُ يُوقَفونَ، ثمَّ يُؤذَنُ لهم في دُخولِ الجنَّةِ، كما قال سُبحانَه: وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: 46، 47].
الطَّبَقةُ الثَّالثةُ: قَومٌ لَقُوا مُصِرِّين على كبائِرِ الإثمِ والفواحِشِ، ومعهم أصلُ التوحيدِ، فرجَحَت سيِّئاتُهم بحَسَناتِهم؛ فهؤلاء تمسُّهم النَّارُ بقَدْرِ ذُنوبِهم، غيرَ أنَّهم يَخرُجونَ منها بأحَدِ الأسبابِ؛ كعَفْوِ اللهِ تعالى أو شفاعةِ نَبيِّنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وهم قبل ذلك في مشيئةِ اللهِ تعالى؛ إن شاء عَذَّبهم، وإن شاء عفا عنهم [809] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 622-625)، ((معارج القبول)) لحافظ الحكمي (2/422-424)، ((الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه)) لعبد الرزاق بن طاهر (ص: 93). .
قال الله تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المُؤمِنون: 103].
وقال سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48].
 قال ابنُ تيميَّةَ: (يؤمِنُ أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ بأنَّ فُسَّاقَ المُسلِمين معهم بعضُ الإيمانِ وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمانِ الواجِبِ الذي يستوجِبون به الجَنَّةَ، وأنَّهم لا يُخَلَّدون في النَّارِ، بل يَخرُجُ منها من كان في قَلْبِه مثقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ، أو مثقالُ خَردلةٍ من إيمانٍ، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ادَّخَر شفاعتَه لأهلِ الكبائِرِ مِن أمَّتِه) [810] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/375). .
واعلَمْ أنَّ القَولَ بعَدَمِ تكفيرِ عُصاةِ الموحِّدين ليس على إطلاقِه، بل هو مُقَيَّدٌ بما عدا الكُفرَ، أمَّا من كانت معصيتُه كُفرًا فإنَّه يَكفُرُ.
قال محمَّدُ بنُ نَصرٍ المروزيُّ: (لَمَّا كانت المعاصي بعضُها كُفرًا وبعضُها ليس بكُفرٍ، فَرَّق بينهما فجعَلَها ثلاثةَ أنواعٍ، نوعٌ منها كفرٌ، ونوعٌ فِسقٌ وليس بكُفرٍ، ونوعٌ عِصيانٌ وليس بكُفرٍ ولا فُسوقٍ، وأخبر أنَّه كَرَّهَها كُلَّها إلى المُؤمِنين، ولَمَّا كانت الطَّاعاتُ كُلُّها داخِلةً في الإيمانِ، وليس شيءٌ منها خارجًا منه، لم يُفَرِّقْ بينهما فيَقولَ: حَبَّب الإيمانَ والفرائِضَ وسائِرَ الطَّاعاتِ، بل أجمل ذلك فقال: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ [الحجرات: 7]، فدخل في ذلك جميعُ الطَّاعاتِ؛ لأنَّه قد حَبَّب إلى المُؤمِنينَ الصَّلاةَ والزكاةَ وسائِرَ الطَّاعاتِ حُبَّ تدَيُّنٍ؛ لأنَّ اللهَ أخبَرَ أنَّه حَبَّب ذلك إليهم، وزَيَّنَه في قُلوبِهم؛ لِقَولِه: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ [الحجرات: 7]، ويَكرَهون جميعَ المعاصي منها والفُسوقَ وسائِرَ المعاصي كراهةَ تدَيُّنٍ؛ لأنَّ اللهَ أخبَرَ أنه كرَّه ذلك إليهم؛ لِقَولِه: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات: 7]) [811] يُنظر: ((تعظيم قدر الصلاة)) (1/362). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (إذا أُطلِقَت المعصيةُ لله ورَسولِه، دخل فيها الكُفرُ والفُسوقُ، كقَولِه تعالى: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23]) [812] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/ 59). .
ومِن أبرَزِ المعاصي التي هي كُفرٌ مُخرجٌ عن المِلَّةِ: الشِّركُ بالله تعالى، فقد أخبر اللهُ سُبحانَه في كتابِه العزيزِ أنَّه لا يَغفِرُ الشِّركَ إلَّا بالتَّوبةِ النَّصوحِ وتجديدِ الإيمانِ، أمَّا مَن لَقِيَ اللهَ مُشرِكًا فإنَّه من أهلِ النَّارِ المخَلَّدين فيها، لا ينفَعُه أيُّ عَمَلٍ قَدَّمه، بل إنَّ أعمالَه جميعًا تَحبَطُ عند مُواقَعَتِه الشِّرْكَ، كما قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]، ثمَّ إذا كان مع المعصيةِ استِحلالٌ لها فإنَّها تكونُ كُفرًا، ويدخُلُ تحت هذينِ النَّوعَينِ مِن المعاصي صُوَرٌ كثيرةٌ يَصعُبُ حَصْرُها.
وعلى هذا فالقَولُ بعَدَمِ تكفيرِ عُصاةِ الموحِّدين مُقَيَّدٌ بعَدَمِ الإشراكِ باللهِ تعالى ولقائِه، وكذلك بعَدَمِ استِحلالِ المعصيةِ [813] يُنظر: ((الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه)) لعبد الرزاق بن طاهر (ص: 93). .
قال الطحاوي: (لا نُكَفِّرُ أحدًا من أهلِ القِبلةِ بذَنبٍ ما لم يَستحِلَّه) [814] يُنظر: ((العقيدة الطحاوية)) (ص: 60). ، والمقصودُ بكُلِّ ذَنبٍ أو بذَنبٍ دونَ الكُفرِ. قال ابنُ أبي العزِّ: (امتنع كثيرٌ مِن الأئمَّةِ عن إطلاقِ القَولِ بأنَّا لا نُكَفِّرُ أحدًا بذَنبٍ، بل يقالُ: لا نُكَفِّرُهم بكُلِّ ذَنبٍ كما يفعَلُه الخوارجُ، وفَرقٌ بين النَّفيِ العامِّ، ونفيِ العُمومِ، والواجِبُ إنَّما هو نَفيُ العُمومِ، مُناقَضةً لقَولِ الخوارجِ الذين يَكفُرونَ بكُلِّ ذَنبٍ) [815] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 433). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (إذا قُلْنا: أهلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقون على أنَّه لا يُكفَّرُ بالذَّنبِ، فإنَّما نريدُ المعاصيَ كالزِّنا والشُّربِ، وأمَّا هذه المباني ففي تكفيرِ تاركِها نزاعٌ مشهورٌ) [816] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/302). .
ومن أدِلَّةِ أهلِ السُّنَّةِ على هذا الأصلِ:
1- قَولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48].
فأدخل في المشيئةِ كُلَّ ذَنبٍ عدا الشِّركَ، وهذا في حَقِّ غيرِ التائبينَ، وأمَّا مع التوبةِ فلا فَرْقَ بين الشِّركِ وغَيرِه، فاللهُ يَغفِرُ الذُّنوبَ جميعًا، كما قال سُبحانَه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] [817] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (2/358)، (7/683). .
2- عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال، وحَولَه عِصابةٌ مِن أصحابِه: ((بايِعوني على ألَّا تُشرِكوا باللهِ شيئًا، ولا تَسرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تَقتُلوا أولادَكم، ولا تأتُوا ببُهتانٍ تَفترونَه بين أيديكم وأرجُلِكم، ولا تَعْصُوا في معروفٍ، فمن وفى منكم فأجْرُه على اللهِ، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعُوقِبَ في الدُّنيا فهو كَفَّارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثمَّ سَتَره اللهُ فهو إلى اللهِ؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه)). فبايَعْناه على ذلك [818] أخرجه البخاري (18)، ومسلم (937). .
3- من أظهَرِ الأدِلَّة على ذلك: أنَّ المُسلِمين مجمِعون على أنَّ الزَّانيَ غيرَ المحصَنِ والسَّارِقَ والقاذِفَ لا يُقتَلُ واحِدٌ منهم، ولو كانت ذنوبُهم مُوجِبةً للرِّدَّةِ لقُتِلوا جميعًا.
 قال ابنُ أبي العزِّ: (الجوابُ: أنَّ أهلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقون كُلُّهم على أنَّ مُرتَكِبَ الكبيرةِ لا يَكفُرُ كُفرًا يَنقُلُ عن المِلَّةِ بالكُليَّةِ، كما قالت الخوارجُ؛ إذ لو كَفَر كُفرًا يَنقُلُ عن الملَّةِ، لكان مرتَدًّا يُقتَلُ على كُلِّ حالٍ، ولا يُقبَلُ عَفوُ وَلِيِّ القِصاصِ، ولا تجري الحُدودُ في الزِّنا والسَّرِقةِ وشُربِ الخَمرِ! وهذا القَولُ مَعلومٌ بُطلانُه وفسادُه بالضَّرورةِ مِن دينِ الإسلامِ.
ومتَّفِقون على أنَّه لا يَخرُجُ من الإيمانِ والإسلامِ، ولا يدخُلُ في الكُفرِ، ولا يستَحِقُّ الخُلودَ مع الكافرينَ، كما قالت المعتَزِلةُ؛ فإنَّ قَولَهم باطِلٌ أيضًا؛ إذ قد جعل اللهُ مُرتَكِبَ الكبيرةِ من المُؤمِنين؛ قال تعالى: آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة: 178] إلى أن قال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوف [البقرة: 178] فلم يُخرِجِ القاتِلَ من الذين آمنوا، وجعَلَه أخًا لوَلِيِّ القِصاصِ، والمرادُ أُخُوَّةُ الدِّينِ بلا رَيبٍ. وقال تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 9] إلى أن قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10].
ونصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ تدُلُّ على أنَّ الزَّانيَ والسَّارِقَ والقاذِفَ لا يُقتَلُ، بل يقامُ عليه الحَدُّ، فدَلَّ على أنَّه ليس بمُرتَدٍّ. وقد ثبت في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((من كانت عنده لأخيه اليومَ مَظلَمةٌ مِن عِرضٍ أو شَيءٍ، فلْيَتحَلَّلْه منه اليومَ قبل ألَّا يكونَ دِرهَمٌ ولا دينارٌ؛ إن كان له عَمَلٌ صالحٌ أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظلَمتِه، وإن لم يكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ من سَيِّئاتِ صاحِبِه فطُرِحَت عليه ثمَّ أُلقِيَ في النَّارِ)). أخرجاه في الصَّحيحين [819] أخرجه البخاري (2449) باختِلافٍ يسيرٍ. ولم نجِدْه عند مسلمٍ. ؛ فثبت أنَّ الظَّالمَ يكونُ له حَسَناتٌ يَستوفي المظلومُ منها حقَّه) [820] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/ 442). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (7/482). .
4- أحاديثُ الشَّفاعةِ التي فيها خروجُ أقوامٍ مِنَ النَّارِ بعد دُخولِهم فيها، كقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((شفاعتي لأهلِ الكبائِرِ مِن أُمَّتي)) [821] أخرجه من طرق أبو داود (4739) والترمذي (2435) وأحمد (13222) من حديثِ أنس رَضِيَ اللهُ عنه. قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وصحَّحه ابن حبان في ((صحيحه)) (6468)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4739)، والوادعي في ((الشفاعة)) (100)، وصحَّحه بطرقه وشواهده شعيب الأرناؤوط في تخريج ((شرح الطحاوية)) (290). وقال ابنُ حجر في ((التلخيص الحبير)) (3/1150): رواه مسلم بدون ذكر الكبائر ، وقَولِه: ((يخرُجُ مِنَ النَّارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وفي قَلْبِه وَزنُ شَعيرةٍ مِن خَيرٍ، ويخرجُ مِنَ النَّارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وفي قَلْبِه وَزنُ بُرَّةٍ مِن خَيرٍ، ويخرُجُ مِنَ النَّارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وفي قَلْبِه وَزنُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ)) [822] أخرجه البخاري (44) ومسلم (193) مِن حديثِ أنس رَضِيَ اللهُ عنه. .
 قال ابنُ تيميَّةَ عن أهل السُّنَّةِ والجَماعةِ: (هم في بابِ الأسماءِ والأحكامِ والوَعدِ والوَعيدِ وَسَطٌ بين الوعيديَّةِ الذين يجعَلونَ أهلَ الكبائِرِ من المُسلِمينَ مُخَلَّدين في النَّارِ، ويخرِجونَهم من الإيمانِ بالكُلِّيةِ، ويُكذِّبون بشَفاعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وبين المرجِئةِ الذين يقولون: إيمانُ الفُسَّاقِ مِثلُ إيمانِ الأنبياءِ، والأعمالُ الصَّالحةُ ليست من الدِّينِ والإيمانِ، ويُكَذِّبون بالوَعيدِ والعِقابِ بالكُلِّية، فيؤمِنُ أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ بأنَّ فُسَّاق المُسلِمين معهم بعضُ الإيمانِ وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمانِ الواجِبِ الذي يستوجِبون به الجَنَّةَ، وأنَّهم لا يُخَلَّدون في النَّارِ، بل يخرجُ منها من كان في قَلْبِه مِثقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ أو مِثقالُ خَردَلةٍ مِن إيمانٍ، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ادَّخَر شَفاعتَه لأهلِ الكبائِرِ مِن أُمَّتِه) [823] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/374). .
وقال ابنُ تيميَّةَ أيضًا: (السَّلَفُ والأئِمَّةُ مُتَّفِقون على ما تواترت به النُّصوصُ من أنَّه لا بُدَّ أن يَدخُلَ النَّارَ قومٌ مِن أهلِ القِبلةِ، ثمَّ يَخرُجون منها، وأمَّا من جزم بأنَّه لا يدخُلُ النَّارَ أحَدٌ مِن أهلِ القِبلةِ، فهذا لا نعرِفُه قولًا لأحدٍ، وبَعده قولُ من يقولُ: ما ثَمَّ عذابٌ أصلًا، وإنَّما هو تخويفٌ لا حقيقةَ له! وهذا مِن أقوالِ الملاحِدةِ والكُفَّارِ) [824] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/501). .
وقال أيضًا: (هذا مَذهَبُ الصَّحابةِ والسَّلَفِ والأئِمَّةِ، وهو القَطعُ بأنَّ بَعضَ عُصاةِ الأمَّةِ يدخُلُ النَّارَ، وبعضَهم يُغفَرُ له) [825] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (16/19). .
وقال السَّفارينيُّ: (ذَكَر بَعضُ المحَقِّقين انعِقادَ الإجماعِ على أنَّه لا بُدَّ سمعًا من نفوذِ الوَعيدِ في طائفةٍ من العُصاةِ، أو طائفةٍ من كُلِّ صِنفٍ منهم؛ كالزُّناة، وشَرَبة الخَمَر، وقَتَلة الأنْفُسِ، وأكَلَة الرِّبا، وأهلِ السَّرِقةِ والغُصوبِ، إذا ماتوا على غَيرِ توبةٍ، فلا بُدَّ من نفوذِ الوَعيدِ في كُلِّ طائفةٍ مِن كُلِّ صِنفٍ، لا لفَردٍ مُعَيَّنٍ؛ لجوازِ العَفْوِ، وأقَلُّ ما يَصدُقُ عليه نفوذُ الوَعيدِ واحِدٌ من كُلِّ صِنفٍ، والأدِلَّةُ قاضيةٌ بقَصرِ العُصاةِ على عصاةِ الموحِّدين. وقد رَتَّب بعضُ النَّاسِ على ذلك امتناعَ سُؤالِ العَفْوِ لجميع المُسلِمين؛ لمنافاتِه لذلك، وهذا ساقِطٌ، إلَّا إذا قَصَد العَفْوَ ابتداءً لكُلِّ فَردٍ مِن أفرادِ الأمَّةِ، على أنَّ العَفْوَ يَصدُقُ بما بعد العذابِ والتعذيبِ، فمن قال بمَنْعِ المَنْعِ فهو المصيبُ. وبالله التوفيقُ) [826] يُنظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (1/389). ويُنظر: ((الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين)) لمحمد آل خضير (1/168). .

انظر أيضا: