trial

الموسوعة العقدية

تمهيدٌ


ذهب جُمهورُ أهلِ السُّنَّةِ إلى انقِسامِ الذُّنوبِ إلى صغائِرَ وكبائِرَ، واستدَلُّوا على ذلك بعِدَّةِ أدِلَّةٍ.
 قال ابنُ القَيِّمِ: (قد دَلَّ القُرآنُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الصَّحابةِ والتابعين بَعْدَهم والأئِمَّةِ، على أنَّ من الذُّنوبِ كبائِرَ وصغائِرَ) [651] يُنظر: ((الجواب الكافي)) (ص: 125). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (11/659). .
أوَّلًا: الأدِلَّةُ من القُرآنِ:
1- قَولُ الله تعالى: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: 31].
عن السُّدِّي: نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ قال: الصَّغارَ [652] يُنظر: ((تفسير القرآن العظيم)) لابن أبي حاتم (3/934). .
 قال ابنُ جَريرٍ: (قَولُه: نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: 31] فإنَّه يعني به: نُكَفِّرْ عنكم -أيُّها المُؤمِنون- باجتنابِكم كبائِرَ ما ينهاكم عنه رَبُّكم صغائِرَ سَيِّئاتِكم، يعني: صغائِرَ ذُنوبِكم) [653] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/658). .
وقال القُرطبي: (لَمَّا نهى تعالى في هذه السُّورةِ عن آثامٍ هي كبائِرُ وَعَد على اجتنابِها التخفيفَ من الصَّغائِرِ، دلَّ هذا على أنَّ في الذُّنوبِ كبائِرَ وصغائِرَ، وعلى هذا جماعةُ أهلِ التأويلِ، وجماعةُ الفُقَهاءِ) [654] يُنظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) (5/158). .
وقال الشَّوكاني: (أي: إن تجتَنِبوا كبائِرَ الذُّنوبِ التي نهاكم اللهُ عنها، نُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم، أي: ذُنوبَكم التي هي صغائِرُ، وحَمْلُ السِّيئاتِ على الصَّغائِرِ هنا مُتعَيَّن؛ لذِكرِ الكبائِرِ قَبْلَها، وجَعَل اجتنابَها شَرْطًا لتكفيرِ السيِّئاتِ) [655] يُنظر: ((فتح القدير)) (1/527). .
وقال السعديُّ: (هذا من فَضلِ اللهِ وإحسانِه على عبادِه المُؤمِنين، وعَدَهم أنَّهم إذا اجتنبوا كبائِرَ المنهيَّاتِ، غَفَر لهم جميعَ الذُّنوبِ والسَّيِّئاتِ، وأدخَلَهم مُدخَلًا كريمًا كثيرَ الخَيرِ، وهو الجنَّةُ المشتَمِلةُ على ما لا عَينٌ رأت، ولا أذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَر على قَلبِ بَشَرٍ.
ويدخُلُ في اجتنابِ الكبائِرِ فِعلُ الفرائِضِ التي يكونُ تاركُها مرتكبًا كبيرةً؛ كالصَّلواتِ الخَمسِ، والجُمُعةِ، وصومِ رمضانَ، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((الصَّلواتُ الخَمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمعةِ، ورمضانُ إلى رَمَضانَ: مُكَفِّراتٌ لِما بينهُنَّ ما اجتُنِبَت الكبائِرُ)) [656] أخرجه مسلم (233) باختِلافٍ يسيرٍ مِن حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. . وأحسن ما حُدَّت به الكبائِرُ: أنَّ الكبيرةَ ما فيه حَدٌّ في الدُّنيا، أو وعيدٌ في الآخرةِ، أو نفيُ إيمانٍ، أو ترتيبُ لَعنةٍ أو غَضَبٍ عليه) [657] يُنظر: ((تيسير الكريم الرحمن)) (ص: 176). .
2- قَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم: 32].
وهذه الآيةُ صريحةُ الدَّلالةِ في تقسيمِ الذُّنوبِ إلى كبائِرَ وصغائِرَ على خِلافٍ بين العُلَماءِ في المقصود باللَّمَمِ؛ ففي معناه قولان.
 قال ابنُ القَيِّمِ: (فأمَّا اللَّمَمُ فقد رُوِيَ عن جماعةٍ من السَّلَفِ: أنَّه الإلمامُ بالذَّنبِ مَرَّةً، ثم لا يعودُ إليه، وإن كان كبيرًا، قال البغوي: هذا قَولُ أبي هُرَيرةَ ومجاهِدٍ والحسَنِ وروايةُ عَطاءٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ... والجمهورُ على أنَّ اللَّمَمَ ما دون الكبائِرِ، وهو أصَحُّ الروايتينِ عن ابنِ عَبَّاسٍ، كما في صحيحِ البُخاريِّ من حديثِ طاوسٍ عنه قال: ما رأيتُ أشبَهَ باللَّمَمِ ممَّا قاله أبو هُرَيرةَ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ الله كتب على ابنِ آدَمَ حَظَّه من الزِّنا، أدرك ذلك لا محالةَ؛ فزِنا العينِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطقُ، والنَّفْسُ تمَنَّى وتشتَهي، والفَرجُ يُصَدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُه)) [658] أخرجه البخاري (6243)، ومسلم (2657) واللَّفظُ له. ...
والصَّحيحُ: قَولُ الجُمهورِ: أنَّ اللَّمَمَ صغائِرُ الذُّنوبِ؛ كالنَّظرةِ، والغَمْزةِ، والقُبلةِ، ونحوِ ذلك، هذا قَولُ جمهورِ الصَّحابةِ ومَن بَعْدَهم، وهو قَولُ أبي هُرَيرةَ، وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، ومَسروقٍ، والشَّعبيِّ) [659] يُنظر: ((مدارج السالكين)) (1/323). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/460). .
وقال الشنقيطي: (قَولُه: إِلَّا اللَّمَمَ يدُلُّ على عدمِ المساواةِ، وأنَّ بعضَ المعاصي كبائِرُ، وبَعضَها صغائِرُ) [660] يُنظر: ((أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)) (7/78). .
3- قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: 37].
قال الشوكاني: (المرادُ بكبائِرِ الإثمِ: الكبائِرُ من الذُّنوبِ) [661] يُنظر: ((فتح القدير)) (4/ 619). .
وقال السعديُّ: (الفَرقُ بين الكبائِرِ والفواحِشِ -مع أنَّ جميعَهما كبائِرُ- أنَّ الفواحِشَ هي الذُّنوبُ الكِبارُ التي في النُّفوسِ داعٍ إليها، كالزِّنا ونحوِه، والكبائِرُ: ما ليس كذلك، هذا عند الاقترانِ، وأمَّا مع إفرادِ كُلٍّ منهما عن الآخَرِ فإنَّ الآخَرَ يدخُلُ فيه) [662] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 760). .
4- قَولُه عزَّ وجَلَّ: وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف: 49].
 قال ابنُ جَريرٍ: (يعني: أنَّهم يقولون إذا قَرؤوا كتابَهم، ورأوا ما قد كُتِب عليهم فيه من صغائِرِ ذُنوبِهم وكبائِرِها، نادَوا بالوَيلِ حين أيقَنوا بعذابِ اللهِ، وضَجُّوا ممَّا قد عَرَفوا من أفعالِهم الخبيثةِ التي قد أحصاها كتابُهم، ولم يقدِروا أن يُنكِروا صِحَّتَها) [663] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/ 284). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (أي: لا يترُكُ ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا ولا عمَلًا وإن صَغُر إِلَّا أَحْصَاهَا أي: ضَبَطَها، وحَفِظَها) [664] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/ 165). .
5- قَولُه تعالى: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 53].
وقد استدلَّ بهذه الآيةِ كُلٌّ من الرازي وابنِ تيميَّةَ ومحمَّد رشيد رضا على إثباتِ الصَّغائِرِ والكبائِرِ [665] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/ 59)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (11/ 659)، ((تفسير المنار)) (5/ 41). .
ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ
1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الصَّلواتُ الخَمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعةِ، ورمضانُ إلى رَمَضانَ: مُكَفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتُنِبَت الكبائِرُ)) [666] أخرجه مسلم (233). .
قال النَّووي: (تنقَسِمُ يعني: المعاصيَ باعتبارِ ذلك إلى ما تُكَفِّرُه الصَّلواتُ الخَمسُ أو صومُ رمَضانَ أو الحَجُّ أو العُمرةُ أو الوُضوءُ أو صَومُ عَرَفةَ أو صَومُ عاشوراءَ، أو فِعلُ الحَسَنةِ، أو غيرُ ذلك ممَّا جاءت به الأحاديثُ الصَّحيحةُ، وإلى ما لا يُكَفِّرُه ذلك، كما ثبت في الصَّحيحِ: ((ما لم يَغْشَ كبيرةً)) [667] أخرجها مسلم (233) باختِلافٍ يسيرٍ مِن حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ، فسَمَّى الشَّرعُ ما تُكَفِّرُه الصَّلاةُ ونَحوُها صغائِرَ، وما لا تُكَفِّرُه كبائِرَ، ولا شَكَّ في حُسنِ هذا، ولا يخرِجُها هذا عن كَونِها قبيحةً بالنِّسبةِ إلى جَلالِ اللهِ تعالى؛ فإنَّها صغيرةٌ بالنِّسبةِ إلى ما فوقَها؛ لكَونهِا أقَلَّ قُبحًا ولكَونِها مُتيَسِّرةَ التكفيرِ. واللهُ أعلَمُ) [668] يُنظر: ((شرح صحيح مسلم)) (2/85). .
ومِثلُه قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما مِن امرئٍ مُسلِمٍ تَحضُرُه صلاةٌ مَكتوبةٌ فيُحسِنُ وُضوءَها وخُشوعَها ورُكوعَها إلَّا كانت كفَّارةً لِما قَبْلَها من الذُّنوبِ، ما لم يُؤْتِ كبيرةً، وذلك الدَّهرَ كُلَّه)) [669] أخرجه مسلم (228) مِن حديثِ عثمان بن عفان رَضِيَ اللهُ عنه. .
2- الأحاديثُ الكثيرةُ في ذِكرِ الكبائِرِ، ومنها: حديثُ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ذَكَر رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الكبائِرَ، أو سُئِلَ عن الكبائِرِ، فقال: ((الشِّركُ باللهِ، وقَتلُ النَّفْسِ، وعقوقُ الوالدينِ)) الحديث [670] أخرجه البخاري (5977)، ومسلم (88). .
 قال ابنُ حَجَرٍ الهيتميُّ: (فخَصَّ الكبائِرَ ببَعضِ الذُّنوبِ، ولو كانت الذُّنوبُ كُلُّها كبائِرَ لم يَسُغْ ذلك) [671] يُنظر: ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) (1/8). .
ثالثًا: الدَّليلُ مِن الإجماعِ
حكى ابنُ القَيِّم الإجماعَ على ذلك فقال: (الذنوبُ تنقَسِمُ إلى صغائِرَ وكبائِرَ بنَصِّ القُرآنِ والسُّنَّةِ وإجماعِ السَّلَفِ وبالاعتبارِ) [672] يُنظر: ((مدارج السالكين)) (1/321)، ((الجواب الكافي)) (ص: 125). .

انظر أيضا: