trial

الموسوعة العقدية

تمهيدٌ:


هذه المسألةُ وثيقةُ الصِّلةِ بمسألةِ زيادةِ الإيمانِ ونُقصانِه؛ فمَن كان مَذهَبُه أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنقُصُ، وأنَّ أهلَه يتفاضَلون فيه؛ يرى جوازَ الاستثناءِ في الإيمانِ، على اعتبارِ أنَّ المؤمِنَ لا يَقطَعُ بتكميلِ الإيمانِ، وبالإتيانِ به على الدَّرَجةِ العاليةِ المطلوبةِ، فمِن هذا الوَجهِ يجوزُ له أن يقولَ: أنا مؤمِنٌ إن شاء اللهُ.
ومن يرى أنَّ الإيمانَ شَيءٌ واحِدٌ لا يتجَزَّأُ، ولا يَزيدُ ولا يَنقُصُ، وأنَّ أهلَه فيه سواءٌ -وهو مذهَبٌ خاطئ-؛ فيرى عَدَمَ جوازِ الاستثناءِ في إيمانِه، بل يجِبُ أن يجزمَ به، فإذا استثنى فقال: أنا مؤمِنٌ إن شاء اللهُ، فهذا يعني أنَّه شاكٌّ في إيمانِه [421] يُنظر: ((زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه)) لعبدالرزاق البدر (ص: 455). .
قال محمَّدُ بنُ الحُسَين الآجُرِّي: (احذَروا -رحمكم اللهُ- قَولَ من يقولُ: إنَّ إيمانَه كإيمانِ جِبريلَ وميكائيلَ، ومن يقولُ: أنا مؤمِنٌ عند اللهِ، وأنا مؤمِنٌ مُستكمِلُ الإيمانِ، هذا كُلُّه مذهَبُ أهلِ الإرجاءِ) [422] يُنظر: ((الشريعة)) (2/687). .
وقد وردت آثارٌ كثيرةٌ عن السَّلَفِ في هذه المسألةِ؛ منها ما يلي:
قال الأوزاعيُّ: (ثلاثٌ هُنَّ بِدعةٌ: أنا مؤمِنٌ مُستَكمِلُ الإيمانِ، وأنا مؤمِنٌ حَقًّا، وأنا مؤمِنٌ عند اللهِ تعالى) [423] يُنظر: ((الشريعة)) للآجري (2/688). .
وقال عبدُ الرحمنِ بنُ مَهدي: (إذا ترك الاستثناءَ، فهو أصلُ الإرجاءِ) [424] يُنظر: ((الشريعة)) للآجري (2/664)، ((الإبانة)) لابن بطة (2/871). ، وقال أيضًا: (أوَّلُ الإرجاءِ تَرْكُ الاستثناءِ) [425] يُنظر: ((السنة)) للخلال (3/598). ، وقال أيضًا: (أصلُ الإرجاءِ من قال: إنِّي مؤمِنٌ) [426] يُنظر: ((تهذيب الآثار)) للطبري (2/ 679). .
وكان أئمَّةُ السَّلَفِ، كأحمَدَ وغَيرِه، يكرهون سؤالَ الرَّجُلِ لغيرِه: أمؤمِنٌ أنت؟ ويكرهون الجوابَ عن ذلك؛ لأنَّ هذه بِدعةٌ أحدَثَها المرجِئةُ؛ ليحتَجُّوا بها لقَولِهم، فإنَّ الرَّجُلَ يَعلَمُ مِن نَفْسِه أنَّه ليس بكافِرٍ، بل يجِدُ قَلْبَه مُصَدِّقًا بما جاء به الرَّسولُ، فيقولُ: أنا مؤمِنٌ، فيَجزِمُ بأنَّه مؤمِنٌ، ولا يجزِمُ بأنَّه فَعَل جميعَ ما أُمِرَ به وعلى الوَجهِ الذي ينبغي.
قال الأوزاعيُّ حينما سُئِلَ عن الرَّجُلِ يسألُ الرَّجُلَ: أمؤمِنٌ أنت؟: (إنَّ المسألةَ عمَّا سُئِلَ عنه بدعةٌ، والشَّهادةُ به تعَمُّقٌ لم نُكَلَّفْه في دينِنا، ولم يَشرَعْه نبيُّنا، ليس لِمن يسألُ عن ذلك فيه إمامٌ، القَولُ به جَدَلٌ، والمنازَعةُ فيه حَدَث، ولعَمْرِي ما شهادتُك لنَفْسِك بالتي توجِبُ لك تلك الحقيقةَ إن لم تكُنْ كذلك، ولا تركُك الشَّهادةَ لنَفْسِك بها بالتي تخرِجُك من الإيمانِ إن كنتَ كذلك، وإنَّ الذي سألك عن إيمانِك ليس يشُكُّ في ذلك منك، ولكِنَّه يريدُ أن ينازِعَ اللهَ تبارك وتعالى عِلْمَه في ذلك حتى يزعُمَ أنَّ عِلْمَه وعِلمَ اللهِ في ذلك سواءٌ! فاصبِرْ نَفْسَك على السُّنَّةِ، وقِفْ حيث وَقَف القَومُ، وقُلْ فيما قالوا، وكُفَّ عما كَفُّوا عنه، واسلُكْ سَبيلَ سَلَفِك الصَّالحِ؛ فإنَّه يَسَعُك ما وَسِعَهم، وقد كان أهلُ الشَّامِ في غَفلةٍ مِن هذه البِدعةِ حتى قَذَفَها إليهم بعضُ أهلِ العِراقِ ممَّن دخل في تلك البِدعةِ بَعْدَما رَدَّ عليهم فقهاؤُهم وعُلَماؤُهم، فأُشرِبَتْها قُلوبُ طوائِفَ منهم، واستحَلَّتْها ألسِنَتُهم، وأصابَهم ما أصاب غَيْرَهم من الاختلافِ، ولست بآيسٍ أن يدفَعَ اللهُ عزَّ وجَلَّ شَرَّ هذه البدعةِ إلى أن يصيروا إخوانًا في دينِهم، ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ.

انظر أيضا: