trial

الموسوعة العقدية

المبحث الثاني: حشر الكفار إلى النَّار


جاءت نصوص كثيرة تصور لنا كيف يكون حشر الكفار إلى النار هم وآلهتهم التي كانوا يعبدونها:
1- فمن ذلك أنهم يحشرون كقطعان الماشية جماعات جماعات، ينهرون نهراً غليظاً، ويصاح بهم من هنا وهناك، كما يفعل الراعي ببقره أو غنمه وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر: 71]،يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: 13]، وقال: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت: 19]. ومعنى يوزعون أي: يجمعون، تجمعهم الزبانية على آخرهم، كما يفعل البشر بالبهائم.
2- وأفادت النصوص أنهم يحشرون إلى النار على وجوههم، لا كما كانوا يمشون في الدنيا على أرجلهم، قال تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان: 34 ].
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة قال قتادة: بلى وعزة ربنا)) رواه البخاري (4760)، ومسلم (2806). .
ومع حشرهم على هذه الصورة المنكرة على وجوههم فإنهم يحشرون عمياً لا يرون، وبكماً لا يتكلمون، وصماً لا يسمعون وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: 97 ].
3- ويزيد بلاءهم أنهم يحشرون مع آلهتهم الباطلة وأعوانهم وأتباعهم احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات: 22-23].
4- وهم في هذا مغلوبون مقهورون أذلاء صاغرون قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: 12].
5- وقبل أن يصلوا إلى النار تصك مسامعهم أصواتها التي تملأ قلوبهم رعباً وهلعاً إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: 12].
6- وعندما يبلغون النار ويعاينون أهوالها يندمون ويتمنون العودة إلى الدنيا كي يؤمنوا وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: 27]، ولكنهم لا يجدون من النار مفراً: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف: 53].
7- وعند ذلك يؤمرون بالدخول في النار وغضب الجبار أذلاء خاسرين فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [النحل: 29 ]، ولا ينجو من النار من الجن والإنس إلا الأتقياء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 68-72 ]. ففي تفسير هذه الآيات: يقسم الله بنفسه وهو أعظم قسم وأجله أنهم سيحشرون بعد الموت، فهذا أمر مفروغ منه فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ [مريم: 68]، ولن يكونوا وحدهم لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ [مريم: 68] فهم والشياطين سواء، والشياطين هم الذين يوسوسون بالإنكار، وبينهما صلة التابع والمتبوع، والقائد والمقود, وهنا يرسم صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثو الخزي والمهانة، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم: 68]، وهي صورة رهيبة، وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها، تشهد هولها، ويلفحها حرها، وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها، وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع، وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشد عتواً وتجبراً: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم: 69]، وفي اللفظ تشديد، ليرسم بظله وجرسه صورة لهذا الانتزاع، تتبعها صورة القذف في النار، وهي الحركة التي يكملها الخيال. وإن الله ليعلم من هم أولى بأن يصلوها، فلا يؤخذ أحد جزافاً من هذه الجموع التي لا تحصى، والتي أحصاها الله فرداً فرداً: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم:70]، فهم المختارون ليكونوا طليعة المقذوفين. وقد غيرت هذه الآية: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: 71] أحوال الصالحين، فأسهرت ليلهم، وعكرت عليهم صفو العيش، وحرمتهم الضحك، والتمتع بالشهوات، فقد ذكر ابن كثير أن أبا ميسرة كان إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا الله أنا واردوها، ولم نخبر أنا صادرون عنها. وقال عبدالله بن المبارك عن الحسن البصري، قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رئي ضاحكاً حتى لحق بالله، وقال ابن عباس لرجل يحاوره: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ رواه الطبري (18/233). وانظر: تفسير ابن كثير (5/253). .القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص 268


انظر أيضا: