trial

الموسوعة العقدية

المبحث الثالث: الاقتصاص للبهائم بعضها من بعض


يقضي الله بين خلقه: الجن والإنس والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: 40 ]. هذا حديث أخرجه ابن جرير في (تفسيره) بإسناده إلى أبي هريرة يرفعه رواه الطبري في ((تفسيره)) (24/180). وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (1966): وهذا إسنادٌ ضعيفٌ ولكنه قد توبع فأخرجه ابن جرير من طريق جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة وهذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات رجال مسلم غير ابن ثور وهو محمد الصنعاني وهو وإن كان موقوفا فإنه شاهد قوي للمرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي. و يشهد له ما عند ابن جرير أيضا من طريق عوف عن أبي المغيرة عن عبدالله بن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مد الأديم و حشر الدواب و البهائم و الوحش، ثم يحصل القصاص بين الدواب، يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب قال لها: كوني تراباً، قال: فعند ذلك يقول الكافر: (يا ليتني كنت ترابا) قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي المغيرة هذا وهو القواس لا يسمى، قال الذهبي في ((الميزان)): لينه سليمان التميمي، وقال ابن المديني: لا أعلم أحدا روى عنه غير عوف. قلت: لكن قال ابن معين: إنه ثقة كما في ((الجرح و التعديل)) وذكره ابن حبان في ((الثقات))، فثبت الإسناد. ، وفي رواية أخرى أخرجها ابن جرير أيضاً عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يحشر الخلق كلهم، كل دابة وطائر وإنسان، يقول للبهائم والطير: كونوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: 40 ])) رواه الطبري في ((تفسيره)) (24/180). وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) بعد حديث (1966):وهذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات رجال مسلم غير ابن ثور. . وعن ابن جرير أيضاً عن عبدالله بن عمرو قال: إذا كان يوم القيامة مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص بين الدواب، يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب، قال لها: كوني تراباً، قال فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ: 40] رواه الطبري في ((تفسيره)) (24/180). وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) بعد حديث (1966): إسناده جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي المغيرة هذا وهو القواس لا يسمى، قال الذهبي في ((الميزان)): لينه سليمان التميمي، وقال ابن المديني: لا أعلم أحدا روى عنه غير عوف. قلت: لكن قال ابن معين: إنه ثقة كما في ((الجرح و التعديل)) وذكره ابن حبان في ((الثقات))، فثبت الإسناد. وأخرج مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) رواه مسلم (2582). وأخرج أحمد في (مسنده) بإسناد رجاله رجال (الصحيح) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء، وحتى الذَّرة من الذَّرة)) رواه أحمد (2/363) (8741). قال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (1967): إسناده صحيح رجاله ثقات رجال مسلم. وفي (المسند) أيضاً عن أبي هريرة يرفعه: ((ألا والذي نفسي بيده ليختصمن كل شيء يوم القيامة، حتى الشاتان فيما انتطحتا)). رواه أحمد (2/390) (8741). قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4/302) والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/352): إسناده حسن. وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) بعد حديث (1588): وإسناده حسن في المتابعات. وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي ذر ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان، فقال:يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما)). رواه أحمد (5/162) (21476). قال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) بعد حديث (1967): وهذا إسناد صحيح عندي، فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الأشياخ الذين لم يسموا و هم جمع من التابعين، يغتفر الجهل بحالهم لاجتماعهم على رواية هذا الحديث. كيف يقتص من البهائم وهي غير مكلفة؟ أشكل على كثير من أهل العلم هذا الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم من حشر البهائم والاقتصاص لبعضها من بعض، وقد وضح هذا النووي في شرحه على صحيح مسلم فقال: هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة، وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين، ومن لم تبلغه دعوة. وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة، قال الله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: 5 ] وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع، وجب حمله على ظاهره. قال العلماء: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب. وأما القصاص من القرناء الجلحاء فليس هو من قصاص التكليف، إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاص مقابلة، و(الجلحاء) بالمد هي الجماء التي لا قرن لها. والله أعلم . قال الشيخ ناصر الدين الألباني بعد إيراده هذه الفقرة من كلام النووي: وذكر نحوه ابن مالك انظر: ((مبارق الأزهار)) (2/293) مختصراً. . ونقل عنه العلامة الشيخ علي القاري في (المرقاة) ((المرقاة)) (4/761). أنه قال: فإن قيل: الشاة غير مكلفة، فكيف يقتص منها؟ قلنا: إن الله تعالى: فعال لما يريد، ولا يُسأل عما يفعله، والغرض منه إعلام أن الحقوق لا تضيع، بل يقتص حق المظلوم من الظالم. قال القاري: وهو وجه حسن، وتوجيه مستحسن، إلا أن التعبير عن الحكمة بـ (الغرض) وقع في غير موضعه. وجملة الأمر أن القضية دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين، فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف، فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف، والقوي والضعيف؟. وعقب على هذا الشيخ ناصر قائلاً:  ومن المؤسف أن ترد كل هذه الأحاديث من بعض علماء الكلام بمجرد الرأي، وأعجب منه أن يجنح إليه العلامة الألوسي ! فقال بعد أن ساق الحديث عن أبي هريرة من رواية مسلم ومن رواية أحمد بلفظ الترجمة عند تفسيره آية: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: 5] في تفسيره: (روح المعاني) انظر: ((روح المعاني)) (9/3006). : ومال حجة الإسلام الغزالي وجماعة إلى أنه لا يحشر غير الثقلين لعدم كونه مكلفاً، ولا أهلاً لكرامة بوجه، وليس في هذا الباب نص من كتاب أو سنة معول عليها يدل على حشر غيرهما من الوحوش، وخبر مسلم والترمذي وإن كان صحيحاً، لكنه لم يخرج مخرج التفسير للآية، ويجوز أن يكون كناية عن العدل التام. وإلى هذا القول أميل، ولا أجزم بخطأ القائلين بالأول، لأن لهم ما يصلح مستنداً في الجملة. والله تعالى أعلم. قلت (الشيخ ناصر): كذا قال - عفا الله عنا وعنه - وهو منه غريب جداً لأنه على خلاف ما نعرفه عنه في كتابه المذكور، من سلوك الجادة في تفسير آيات الكتاب على نهج السلف، دون تأويل أو تعطيل، فما الذي حمله هنا على أن يفسر الحديث على خلاف ما يدل عليه ظاهره، وأن يحمله على أنه كناية عن العدل التام، أليس هذا تكذيباً للحديث المصرح بأنه يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، فيقول هو تبعاً لعلماء الكلام: إنه كناية ! أي لا يقاد للشاة الجماء. وهذا كله يقال لو وقفنا بالنظر عند رواية مسلم المذكورة، أما إذا انتقلنا به إلى الروايات الآخرى كحديث الترجمة، وحديث أبي ذر وغيره، فإنها قاطعة في أن القصاص المذكور هو حقيقة وليس كناية، ورحم الله الإمام النووي، فقد أشار بقوله السابق: وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره. قلت: أشار بهذا إلى رد التأويل المذكور، وبمثل هذا التأويل أنكر الفلاسفة وكثير من علماء الكلام كالمعتزلة وغيرهم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وعلوه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة، ومجيئه تعالى يوم القيامة، وغير ذلك من آيات الصفات وأحاديثها.
وبالجملة: فالقول بحشر البهائم والاقتصاص لبعضها من بعض هو الصواب الذي لا يجوز غيره، فلا جرم أن ذهب إليه الجمهور كما ذكر الألوسي نفسه في مكان آخر من (تفسيره) انظر: ((روح المعاني)) (9/281). ، وبه جزم الشوكاني في تفسير آية (التكوير) من تفسيره (فتح القدير) انظر: ((فتح القدير)) (5/377). فقال: الوحوش ما توحش من دواب البر، ومعنى حُشِرَتْ بعثت، حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء. القيامة الكبرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص 242


انظر أيضا: