trial

الموسوعة العقدية

المطلب الثالث: شفاعة الملائكة


ومن الشفعاء كذلك الملائكة عليهم السلام، ولا خلاف في ذلك بين الفرق الإسلامية, فقد ثبتت شفاعتهم بالأدلة الصحيحة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثبت أنهم يشفعون إذا أذن الله لهم ورضي.............
أما الأدلة على إثبات شفاعتهم من القرآن الكريم فهي:
1- قوله عز وجل مبيناً درجتهم في الشفاعة: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى [ النجم: 26].
2- وقوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء: 28].
وفي هذه الآيات يثبت الله سبحانه وتعالى أن الملائكة يشفعون في المذنبين، وأن شفاعتهم تقبل بعد إذنه ورضاه في يوم القيامة.
وقد حصل خلاف في ثبوت شفاعة الملائكة لأهل الكبائر، أيشفعون لهم أم لا؟ بعد اتفاق الجميع على ثبوت شفاعتهم في الجملة.
1- فذهب الكعبي من المعتزلة إلى عدم ثبوت شفاعة الملائكة في أهل الكبائر.
2- وذهب أهل القول الحق إلى أنها تقع.
وخلافهم يدور حول معنى قول الله تعالى مخبراً عن دعاء الملائكة للمؤمنين بالجنة: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ غافر: 7 -8].
حيث أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن دعائهم واستشفاعهم للمؤمنين ولأولاد المؤمنين وزوجاتهم أن يدخلهم الله جنات عدن، وهذا الدعاء لهم بظهر الغيب، استشفاع منهم إلى الله تعالى، في أن يرحم المؤمنين ويغفر لهم ما صدر منهم من الذنوب.
قال ابن كثير عن معنى قول الله تعالى عن وصف الملائكة: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا[ غافر: 7]: (أي من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام، كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: ((من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل)) رواه مسلم (2732). من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. ((تفسير ابن كثير)) (7/130). ، وهذا من تمام محبتهم الخير للبشر, وعطفهم عليهم, ورغبتهم في ثوابهم.
أما اعتراض الكعبي الذي استنبطه من هذه الآية بزعمه؛ ليرد به على من يقول من أهل السنة بحصول الشفاعة في المذنبين بحجة أن الشفاعة – كما هو رأي المعتزلة – لا تكون إلا في وقوع زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين – قال: وذلك لأن الملائكة قالوا: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ. قال: (وليس المراد: فاغفر للذين تابوا من الكفر. سواء أكان مصراً على الفسق أم لم يكن كذلك؛ لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعاً سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه).
ثم ذكر اعتراضاً آخر فقال: وأيضاً إن الملائكة يقولون: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم، وهذا لا يليق بالفاسقين، لأن خصومنا – يعني القائلين بالشفاعة في المذنبين – لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوز ذلك، فثبت – كما يقول -: (إن شفاعة الملائكة لا تتناول إلا أهل الطاعة) ((تفسير الرازي)) (27/34).     .
هذا ما يتعلق باعتراضه واحتجاجه بهذه الآية على نفي شفاعة الملائكة للمذنبين.
وقد أجاب الرازي عن تلك الشبهة فقال: (إن هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين)، ثم ذكر الوجوه التي تدل على هذا بقوله:
الأول: قوله وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً.
الثاني: قوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دللنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن، وجب دخوله تحت هذه الشفاعة.
الثالث: قوله تعالى: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، طلب المغفرة للذين تابوا، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة، لأن ذلك واجب على الله عند الخصم، وما كان فعله واجباً كان طلبه بالدعاء قبيحاً، ولا يجوز أيضاً أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر، لأن ذلك واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء، ولا يجوز أن المراد طلب زيادة منفعة على الثواب، لأن ذلك لا يسمى مغفرة، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق.
ثم قال الرازي متابعاً رده على الكعبي: (أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا، فنقول: يجب أن يكون المراد منه، الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان.
وقوله: إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائباً، ولا متبعاً سبيل الله.
قلنا: لا نسلم قوله؛ بل يقال: إنه تائب عن الكفر، وتابع سبيل الله في الدين والشريعة، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب؛ ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضارباً وضاحكاً، صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه؟ فكذا هاهنا) ((تفسير الرازي)) (27/34).     .
وإذا ثبتت شفاعة الملائكة للذين آمنوا وثبت كذلك اهتمامهم بالدعاء لهم، فيحسن أن يعرف السر في هذا الاهتمام والاستشفاع إلى الله في طلب العفو والمغفرة للبشر.
وقد أجاب الرازي عن السر في هذا الاهتمام فيما ينقله عن أهل التحقيق بقوله: (إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن ذلة سبقت؛ وذلك لأنهم قالوا في أول تخليق البشر: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء [ البقرة: 30]، فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [ غافر: 7]. وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه) ((تفسير الرازي)) (27/34).     .
هذا فيما يتعلق بالاستدلال من القرآن الكريم على ثبوت شفاعة الملائكة.
أما فيما يتعلق بورود ذلك في السنة، فقد قدمنا في بحث شفاعة الأنبياء بعض الأحاديث التي تثبت شفاعة الأنبياء والملائكة في مساق واحد، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين رواه البخاري (7439)، ومسلم (183).      ، وكذا حديث أبي بكرة الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده رواه أحمد (5/43) (20457)، والطبراني في ((المعجم الصغير)) (2/142) (929)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (837). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/362): رجاله رجال الصحيح، وقال السيوطي في ((البدور السافرة)) (251): إسناده صحيح. ، وكذا حديث صالح بن أبي طريف عن أبي سعيد الخدري ((موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان)) (ص: 2599)، و((الشريعة)) (ص: 377). .الحياة الآخرة لغالب عواجي – بتصرف – 1/475


انظر أيضا: