الموسوعة العقدية

المطلب الثاني: البعث في الشرع


 البعث في الشرع يراد به: إحياء الله للموتى وإخراجهم من قبورهم أحياء للحساب والجزاء.
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -: (البعث: وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة) ((تفسير القرآن العظيم)) (3/206).          
وقال السفاريني: (أما البعث فالمراد به المعاد الجسماني؛ فإنه المتبادر عند الإطلاق؛ إذ هو الذي يجب اعتقاده ويكفر منكره) ((مختصر اللوامع)) (ص: 387).           
وقال البيجوري: (البعث عبارة عن إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم) ((شرح جوهرة التوحيد)) (ص: 170).      
وقال السيد سابق عن البعث: (هو إعادة الإنسان روحا وجسداً كما كان في الدنيا) ((العقائد الإسلامية)) (ص: 269).           
وهكذا يكون حينما تتعلق إرادة الله تبارك وتعالى بذلك؛ فيخرجون من القبور حفاة عراة غرلاً بهماً، ويساقون ويجمعون إلى الموقف لمحاسبتهم ونيل كل مخلوق ما يستحقه من الجزاء العادل.
وهذا ما تشير إليه كثير من الآيات الواردة في كتاب الله عز وجل، كما قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج: 6-7] وقوله تعالى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [ الإنفطار: 4]، وقوله تعالى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [ الأنعام: 36]
وبالمقارنة بين المعنى الشرعي لكلمة (البعث) والمعنى اللغوي لها؛ نجد ترابطاً ظاهراً، وذلك أن من معاني البعث في اللغة الإثارة لما كان ساكناً من قبل، وكذا الإرسال كما في قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ [ النحل: 36] ، وهذا ما جاء في كلمة البعث مراداً بها معناها الشرعي الذي هو إرسال الحياة إلى الأموات وإثارتها من جديد, لتتهيأ لما يراد منها من الانطلاقة إلى الموقف للحساب. الحياة الآخرة لغالب العواجي -1/ 61
فالبعث هو: المعاد الجسماني فإنه المتبادر عند الإطلاق إذ هو الذي يجب اعتقاده ويكفر منكره، قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه (الروح) كشيخه وغيرهما: معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين، واليهود، والنصارى. وقال الجلال الدواني هو بإجماع أهل الملل وبشهادة نصوص القرآن بحيث لا يقبل التأويل كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78] وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو حاتم، والإسماعيلي في (معجمه)، والحافظ الضياء في (المختارة)، وابن مردويه، والبيهقي في (البعث) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ففته بيده فقال يا محمد، يحيي الله هذا بعد ما أرم؟ قال:نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم)) فنزلت الآيات من آخر يس أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ [يس:77] إلى آخر السورة)) رواه الطبري في ((تفسيره)) (20/554)، والحاكم (2/466)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (4/108). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وهذا نص صريح في الحشر الجسماني يقلع عرق التأويل بالكلية. ولهذا قال الإمام الرازي: الإنصاف أنه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وبين نفي الحشر الجسماني، فإنه قد ورد في عدة مواضع من القرآن المجيد التصريح به بحيث لا يقبل التأويل أصلا. انتهى. وكذلك لا يمكن الجمع بين القول بقدم العالم على ما يقول الفلاسفة وبين الحشر الجسماني لأن النفوس الناطقة على هذا التقدير غير متناهية فتستدعي جميعا أبدانا غير متناهية وأمكنة غير متناهية، وقد ثبت تناهي الأبعاد بالبرهان وباعترافهم، والله تعالى أعلم...
وأما النشور فهو يرادف البعث في المعنى، يقال: نشر الميت ينشر نشورا إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي: أحياه، ومنه قولهم: يوم البعث والنشور. لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني 2/157


انظر أيضا: