trial

الموسوعة العقدية

القاعدة الرابعة: الحق يقبل من أي جهة جاء


الحق يقبل لكونه موافقاً للدليل، فلا أثر للمتكلم به في قبوله أو رفضه، ولهذا كان أهل السنة يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق، ويردون ما عندها من الباطل، بغض النظر عن الموالي منها أو المعادي:
قال تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 213] وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((... اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) رواه مسلم (770). من حديث عائشة رضي الله عنها. . قال ابن القيم رحمه الله: (فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدى الله لما اختلف فيه من الحق) ((الصواعق المرسلة)) (2/516). .
وقال تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى... [المائدة: 8] ومن العدل فيهم قبول ما عندهم من الحق.
وهكذا أدبنا القرآن الكريم حين ساق كلام بلقيس – وقت كفرها- ثم وافقها عليه، قال تعالى – حكاية عنها -: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: 34] .
ولما دل الشيطان أبا هريرة رضي الله عنه إلى آية الكرسي لتكون له حرزاً من الشيطان، وذلك مقابل فكه من الأسر، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((صدقك وهو كذوب)) رواه البخاري (2311). .
وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: (اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً –أو قال فاجراً- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نوراً) رواه أبو داود (4611), والحاكم (4/507). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه, وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): صحيح الإسناد موقوف. ولفظه: (...وأحذّركم زيغة الحكيم فإنّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أنّ الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنّ المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه فإنّه لعله أن يراجع، وتلقّ الحقّ إذا سمعته فإنّ على الحق نوراً). .
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية – مبيناً منهجه في التعامل مع المخالفين له من أهل الكلام وغيرهم-: (وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله – من المتكلمين وغيرهم – يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به) ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (5/101). .

انظر أيضا: