trial

الموسوعة العقدية

المبحث الخامس: تقديس الأشخاص والأشياء


التقديس: هو التعظيم، ويستعمل عرفاً: فيما جاوز الحد المشروع.
والأشياء: جمع شيء، والمراد به الأماكن, والأزمان, والاجتماعات.
وغاية التعظيم وكماله لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، لما له من صفات العظمة ونعوت الجلال والكمال، فأسماؤه حسنى كما قال سبحانه: وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: 180] وأفعاله كلها حكمة كما وصف نفسه فقال: فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [البروج: 16] وشرعه كله عدل كما قال جل شأنه: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50] ونعمه سابغة على عباده قال تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34] فهو المستحق وحده لأعظم التقديس وتمامه، فهو المحمود على كل شيء لذاته، وأما غيره سبحانه فإنما يستحق من التعظيم بحسب ما له من مكانة عند الله، وبالطريقة التي شرعها الله لتعظيمه. وكل تعظيم خرج عن ذلك فهو تعظيم محرم لا يأذن به الله.
وبناء على ذلك فإن تعظيم الأشخاص لا يكون إلا بمقدار موافقتهم لشرعه فيستحقون بذلك موالاة المؤمنين ومحبتهم واحترامهم هذا، والتعظيم بناء على ذلك على قسمين:
1- تعظيم أذن الله به، وهو ما كان في حدود المشروع.
2- تعظيم لم يأذن الله به، وهو ما جاوز المشروع وهو المسمى بالتقديس.
وعليه فلا تقديس إلا لله وحده، وهو ما تقدم من غاية التعظيم كماله وتمامه وأعلاه. وبذا لا يكون صالحاً لسواه, ولا يوصف به أحد إلا إياه.
ومن الأماكن, والأزمان, والاجتماعات ما جاءت الشريعة بتعظيمه, ورفعة مكانه ومكانته، وذلك بما شرعه الله فيها من العبادة التي يحبها ويرضاها، فيختص التعظيم بها دون سواها، وذلك كالكعبة المشرفة التي شرع تعظيمها بالطواف حولها عبادة لله، وبين الصفا والمروة التي شرع السعي بينهما عبادة لله، وعرفة التي شرع الله الوقوف فيه في يوم التاسع من ذي الحجة عبادة لله، والمسجد النبوي الذي شرع الله تعظيمه بعبادة الله فيه وزيادة الأجر لمن فعلها فيه، والمسجد الأقصى الذي شرع الله تعظيمه بزيادة ثواب العبادة فيه، ونحو ذلك.
وهكذا فقد عظم الله أمر أيام الحج، وأيام التشريق، وشهر رمضان، والاثنين والخميس من كل أسبوع، والأمر نفسه في العيدين، والجمعة، والاجتماع لصلاة الخسوف, والكسوف, والاستسقاء، ونحو ذلك.
فتعظيمها بما عظمها الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز ذلك؛ لأنه عبادة لله، والعبادات توقيفية على معنى أن لا يزاد فيها ولا ينقص إلا بدليل من الكتاب والسنة.
وأما ما عظم من الأماكن والأزمان والاجتماعات، كالقبور، وبعض الأيام كيوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره، والاجتماع فيه كالاحتفال بالإسراء والمعراج، وذكرى الهجرة النبوية، ونحو ذلك. فهي من البدع المنكرة المحرمة كما قال صلى الله عليه وسلم: ((وكل بدعة ضلالة)) ولو كان هذا الأمر مشروعاً لشرعه الله ورسوله، ولفعله من بعده من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلما لم يكن شيء من ذلك دل على أنه ليس مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لاسيما وأن دين الله قد كمل وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترك شيئاً نافعاً، أو ضاراً في أمر الدين والدنيا إلا بينه وحث أمته عليه أو حذرهم منه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزغ عنها إلا هالك)) رواه ابن ماجه (43), وأحمد (4/126) (17182). من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (1/68): إسناده حسن, وصححه الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) (2/131), والألباني في ((صحيح ابن ماجه)).    . وقال سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3] , كما أنه لا يجوز شرعاً أن تشرع عبادات خاصة حتى بأيام أذن الله تعظيمها إلا ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن تخص ليلة الجمعة بقيام, أو يومها بصيام)).
ولأن تخصيص الأماكن والأيام والاجتماعات بذلك في كل عام أو نحوه من اتخاذها عيداً, والرسول صلى الله عليه وسلم نص على أن للمسلمين عيدين الفطر والأضحى، مما يدل على أنه لا عيد غيرهما، فمن اعتاد شيئاً في وقت معين يعظمه بالاجتماع، أو مكان معين، فقد اتخذه عيداً، وشرع ما لم يشرع الله.
كما أنه تحرم موافقة أصحاب الملل الأخرى في أماكن عبادتهم, أو أيامها, أو اجتماعاتها؛ لأن في ذلك تشبهاً بهم. ومن تشبه بقوم فهو منهم، ومن هنا لما جاء الرجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مكان نذر الذبح فيه، سأله هل هو مكان لوثن من أوثان الجاهلية أو عيد من أعيادهم؟ فلما بين له الرجل أنه ليس كذلك أذن له، مما يدل على أنه إذا كان مكاناً لعباداتهم أو اجتماعاتهم فيحرم على المسلم موافقتهم فيه، كما أنه صلى الله عليه وسلم شرع صوم التاسع من محرم مع العاشر لما في تخصيصه من شبهة الموافقة لليهود.المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: 180


انظر أيضا: