trial

الموسوعة العقدية


ج- هل يوجد شيء من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم في العصر الحاضر؟


قبل الإجابة عن هذا السؤال أحب أن أنبه على أن حكم التبرك بآثار الرسول صلى الله عليه وسلم باق على مشروعيته، لا يقتصر على الصحابة رضي الله عنهم أو التابعين فقط رحمهم الله تعالى، فإن بركة آثار الرسول صلى الله عليه وسلم باقية فيها، وليس هناك ما يرفعها.
وإجابة عن السؤال الآنف الذكر لابد من بيان الأمور الآتية:
أولاً: جاء في صحيح البخاري رحمه الله عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه أنه قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهماً ولا ديناراً، ولا عبداً ولا أمة، ولا شيئاً، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقة) رواه البخاري (2739). .
ولا شك أن هذا يدل على قلة ما خلفه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته من أدواته الخاصة.
ثانياً: وردت أخبار عديدة بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين رحمهم الله، إلى يومنا هذا تدل على حصول هذا التبرك بآثار المصطفى صلى الله عليه وسلم، من قبل بعض الخلفاء والعلماء والصالحين، وإن كان بعض هذه الأخبار ليس صحيحاً، وهذا إما بسبب ضعف في روايته، أو لعدم صحة نسبة الأثر ذاته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الأكثر.
قال صاحب كتاب (الآثار النبوية) بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، بالقسطنطينية – عاصمة الخلافة العثمانية -: (لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة، غير أنا لم نر أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها من الشكوك) من كتاب ((الآثار النبوية)) لأحمد تيمور باشا (ص: 78). الخ.
ثالثاً: ثبوت فقدان الكثير من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم على مدى الأيام والقرون، بسبب الضياع، أو الحروب والفتن، وغير ذلك.
ومن الأمثلة على هذا ما يأتي:-
1- جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع منه في بئر أريس، نقشه – محمد رسول الله -) رواه البخاري (5873)، ومسلم (2091). .
2- فقدان البردة والقضيب في آخر الدولة العباسية حين أحرقهما التتار عند غزوهم لبغداد سنة 656هـ من كتاب ((الآثار النبوية)) لأحمد تيمور باشا (ص: 27-30). .
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفاً عن سلف، وكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الأبصار) من كتاب ((البداية والنهاية)) لابن كثير (6/8). .
3- ذهاب نعلين ينسبان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في فتنة تيمورلنك بدمشق سنة 803هـ ((فتح المتعال في مدح النعال)) لأحمد بن محمد المقري (ص: 363) باختصار. .
ومن الأسباب أيضاً لفقدان الآثار النبوية وصية بعض من عنده شيء منها أن يكفن فيه إن كان لباساً، كما تقدم قريباً من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، أو يوصي بأن يدفن معه بعد موته، إن كان ذلك الأثر شعرات مثلاً انظر: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (11/337)، ((الآثار النبوية)) لأحمد تيمور باشا (ص: 82، 84، 85). .
رابعاً: يلحظ كثرة ادعاء وجود وامتلاك شعرات منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من البلدان الإسلامية ومن الأمثلة على ذلك: القاهرة، دمشق، بيت المقدس، عكا، حيفا وغيرها. انظر كتاب ((الآثار النبوية)) لأحمد تيمور باشا (ص: 89-96). في العصور المتأخرة، حتى قيل إن في القسطنطينية وحدها ثلاثاً وأربعين شعرة سنة 1327هـ، ثم أهدي منها خمس وعشرون وبقي ثماني عشرة انظر: ((الآثار النبوية)) (ص: 91). .
ولذا قال مؤلف كتاب (الآثار النبوية) بعد أن ذكر أخبار التبرك بشعرات الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل أصحابه رضي الله عنهم: (فما صح من العشرات التي تداولها الناس بعد ذلك فإنما وصل إليهم مما قسم بين الأصحاب رضي الله عنهم، غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها) انظر: ((الآثار النبوية)) (ص: 82). .
وهناك عناية بحفظ تلك الشعراء المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل من يدعي ذلك، حيث إنها تحفظ في صناديق أو قوارير وتلف بقطع من الحرير ونحوه.
على أنه في بعض الأماكن يحتفل بإخراجها – على طريقة خاصة – مرة واحدة أو أكثر كل عام، في بعض المواسم، كليلة 27 من رمضان، أو ليلة النصف من شعبان مثلاً انظر: ((الآثار النبوية)) (ص: 91-93، 95)، وكتاب ((تبرك الصحابة بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم)) للكردي (ص: 58-60)، وكتاب ((تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين)) لأحمد بن حجر البنعلي (ص: 168-170). .
ومن خلال ما تقدم فإن ما يدعى الآن عند بعض الأشخاص، أو في بعض المواضع من وجود بعض الآثار النبوية، كالشعرات أو النعال وغيرها – موضع شك، فيحتاج في إثبات صحة نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى برهان قاطع، يزيل الشك الوارد، ولكن أين ذلك؟
يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله: (ونحن نعلم أن آثاره صلى الله عليه وسلم، من ثياب، أو شعر، أو فضلات، قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين) ((التوسل أنواعه وأحكامه)) للألباني (ص: 146)، وانظر كتاب ((أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة)) لأحمد بن يحيى النجمي (ص: 309)، وكتاب ((هذه مفاهيمنا)) لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ (ص: 204). لاسيما مع مرور أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان على وجود تلك الآثار النبوية، ومع إمكان الكذب في ادعاء نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم للحصول على بعض الأغراض، كما وضعت الأحاديث ونسبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كذباً وزوراً.
وعلى أي حال فإن التبرك الأسمى والأعلى بالرسول صلى الله عليه وسلم هو اتباع ما أثر عنه من قول أو فعل، والاقتداء به، والسير على منهاجه ظاهراً وباطناً، وإن في هذا الخير كله...
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في بركته لما آمنوا به وأطاعوه، فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة، بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله) ((مجموع فتاوى)) شيخ الإسلام ابن تيمية (11/113). . التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع - بتصرف– ص: 243


انظر أيضا: