trial

الموسوعة العقدية


المثال الثاني: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ (الواو)


ومن الشرك الأصغر قول ما شاء الله وشئت، كما روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال: ((أجعلتني لله نداً؟ ما شاء الله وحده)) رواه أحمد (1/214) (1839) والبخاري في ((الأدب المفرد)) (1/290) والنسائي في ((السنن الكبرى)) (6/245), قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (3/200): إسناده صحيح, وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (3/253): إسناده صحيح, وصححه الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)) (601). . ولأبي داود بسند صحيح عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان)) رواه أبو داود (4980) وأحمد (5/384) (23313) والنسائي في ((السنن الكبرى)) (3/216) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (5/340) الحديث سكت عنه أبو داود, وقال الذهبي في ((المهذب)) (3/1144):إسناده صالح, وقال النووي في ((الأذكار)) (444): إسناده صحيح, وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)). . وتقدم في ذلك حديث قتيلة، والفرق بين الواو وثم أنه إذا عطف بالواو كان مضاهياً مشيئة الله بمشيئة العبد إذ قرن بينهما، وإذا عطف بثم فقد جعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله عز وجل كما قال تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ [الإنسان: 30] ومثله قول: لولا الله وفلان هذا من الشرك الأصغر، ويجوز أن يقول: لولا الله ثم فلان، ذكره إبراهيم النخعي. ولابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجل: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22] قال: الأندادُ هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول والله وحياتك يا فلان وحياتي ويقول لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك (226). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص 615
عن قتيلة: ((أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت)). رواه النسائي وصححه رواه النسائي (7/6) قال ابن حجر في ((الإصابة)) (4/389): إسناده صحيح, وقال البخاري في ((العلل الكبير)) (253) [روى] منصور: عن عبد الله بن يسار، عن حذيفة حديث منصور أشبه عندي وأصح, وصححه الألباني في ((صحيح سنن النسائي)).
قوله: (أن يهودياً) اليهودي: هو المنتسب إلى شريعة موسى عليه السلام، وسموا بذلك من قوله تعالى: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ، أي: رجعنا، أو لأن جدهم اسمه يهوذا بن يعقوب، فتكون التسمية من أجل النسب، وفي الأول تكون التسمية من أجل العمل، ولا يبعد أن تكون من الاثنين جميعاً.
قوله: (إنكم تشركون). أي: تقعون في الشرك أيها المسلمون.
قوله: (ما شاء الله وشئت). الشرك هنا أنه جعل المعطوف مساوياً للمعطوف عليه، وهو الله عز وجل حيث كان العطف بالواو المفيدة للتسوية.
قوله: " والكعبة ". الشرك هنا أنه حلف بغير الله، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ما قال اليهودي، بل أمر بتصحيح هذا الكلام، فأمرهم إذا حلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، فيكون القسم بالله.
وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله، ثم شئت، فيكون الترتيب بثم بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق، وبذلك يكون الترتيب صحيحاً، أما الأول، فلأن الحلف صار بالله، وأما الثاني، فلأنه جعل بلفظ يتبين به تأخر مشيئة العبد عن مشيئة الله، وأنه لا مساواة بينهما.
ويُستفاد من الحديث:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على اليهودي مع أن ظاهر قصده الذم واللوم للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأن ما قاله حق.
2- مشروعية الرجوع إلى الحق وإن كان من نبه عليه ليس من أهل الحق.
3- أنه ينبغي عند تغيير الشيء أن يغير إلى شيء قريب منه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يقولوا: ((ورب الكعبة))، ولم يقل: احلفوا بالله، وأمرهم أن يقولوا: ((ما شاء الله، ثم شئت)).
إشكال وجوابه:
وهو أن يقال: كيف لم ينبه على هذا العمل إلا هذا اليهودي ؟
وجوابه: أنه يمكن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسمعه ولم يعلم به.
ولكن يقال: بأن الله يعلم، فكيف يقرهم؟
فيبقى الإشكال، لكن يجاب: إن هذا من الشرك الأصغر دون الأكبر، فتكون الحكمة هي ابتلاء هؤلاء اليهود الذين انتقدوا المسلمين بهذه اللفظة مع أنهم يشركون شركاً أكبر ولا يرون عيبهم.
وله أيضاً عن ابن عباس، أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت فقال: ((أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)) رواه أحمد (1/214) (1839), والبخاري في ((الأدب المفرد)) (1/290), والنسائي في ((السنن الكبرى)) (6/245), قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (3/200): إسناده صحيح, وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (3/253): إسناده صحيح, وصححه الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)) (601). .
قوله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم. ..)). الظاهر أنه قاله للنبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً، وأنه جعل الأمر مُفوضاً لمشيئة الله ومشيئة رسوله.
قوله: ((أجعلتني لله نداً؟ !)). الاستفهام للإنكار، وقد ضمن معنى التعجب، ومن جعل للخالق نداً، فقد أتى شيئاً عجاباً.
والنِّد: هو النظير والمساوي، أي: أجعلتني لله مساوياً في هذا الأمر؟!
قوله ((بل ما شاء الله وحده)). أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يقطع عنه الشرك، ولم يرشده إلى أن يقول ما شاء الله ثم شئت حتى يقطع عنه كل ذريعة عن الشرك وإن بَعُدَت.
يستفاد من الحديث:
أن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ يقتضي مساواته للخالق شرك، فإن كان يعتقد المساواة، فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنه دون ذلك، فهو أصغر، وإذا كان هذا شركاً، فكيف بمن يجعل حق الخالق للرسول صلى الله عليه وسلم؟!
هذا أعظم، لأنه صلى الله عليه وسلم ليس له شيء من خصائص الربوبية، بل يلبس الدرع، ويحمل السلاح، ويجوع، ويتألم، ويمرض، ويعطش كبقية الناس، ولكن الله فضله على البشر بما أوحى إليه من هذا الشرع العظيم، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ [الكهف: 110]، فهو بشر، وأكد هذه البشرية بقوله: مِّثْلُكُمْ، ثم جاء التمييز بينه وبين بقية البشر بقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110]، ولا شك أن الله أعطاه من الأخلاق الفاضلة التي بها الكمالات من كل وجه أعطاه من الصبر العظيم، وأعطاه من الكرم ومن الجود، لكنها كلها في حدود البشرية، أما أن تصل إلى خصائص الربوبية، فهذا أمر لا يمكن، ومن ادعى ذلك، فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفر بمن أرسله.
فالمهم أننا لا نغلو في الرسول عليه الصلاة والسلام فننزله في منزلة هو ينكرها، ولا نهضم حقه الذي يجب علينا فنعطيه ما يجب له، ونسأل الله أن يعيننا على القيام بحقه، ولكننا لا ننزله منزلة الرب عز وجل.
2 - إنكار المنكر وإن كان في أمر يتعلق بالمنكر، لقوله صلى الله عليه وسلم((أجعلتني لله نداً))، مع أنه فعل ذلك تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا إذا انحنى لك شخص عند السلام، فالواجب عليك الإنكار.
3 - أن من حسن الدعوة إلى الله عز وجل أن تذكر ما يباح إذا ذكرت ما يحرم، لأنه صلى الله عليه وسلم لما منعه من قوله: ((ما شاء الله وشئت)) أرشده إلى الجائز وهو قوله: ((بل ما شاء الله وحده)).
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: ((رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت، أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحداً ؟. قلت نعم قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده)) رواه ابن ماجه (2199), والطبراني (8/325), والحاكم (3/323). قال أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/91): إسناده صحيح, وصححه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (138). .القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – 2/408


انظر أيضا: