trial

الموسوعة العقدية


المثال الرابع: التطير


تعريف التطير:
في اللغة: مصدر تطير، وأصله مأخوذ من الطير، لأن العرب يتشاءمون أو يتفاءلون بالطيور على الطريقة المعروفة عندهم بزجر الطير، ثم ينظر: هل يذهب يميناً أو شمالاً أو ما أشبه ذلك، فإن ذهب إلى الجهة التي فيها التيامن، أقدم، أو فيها التشاؤم، أحجم.
أما في الاصطلاح، فهي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وهذا من الأمور النادرة، لأن الغالب أن اللغة أوسع من الاصطلاح، لأن الاصطلاح يدخل على الألفاظ قيوداً تخصصها، مثل الصلاة لغة: الدعاء، وفي الاصطلاح أخص من الدعاء، وكذلك الزكاة وغيرها.
وإن شئت، فقل: التطير: هو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم.
بمرئي مثل: لو رأى طيراً فتشاءم لكونه موحشاً.
أو مسموع مثل: من هم بأمر فسمع أحداً يقول لآخر: يا خسران، أو يا خائب، فيتشاءم.
أو معلوم، كالتشاؤم ببعض الأيام أو بعض الشهور أو بعض السنوات، فهذه لا ترى ولا تسمع.
واعلم أن التطير ينافي التوحيد، ووجه منافاته له من وجهين:
الأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله.
الثاني: أنه تعلق بأمر لا حقيقة له، بل هو وهم وتخييل، فأي رابطة بين هذا الأمر، وبين ما يحصل له، وهذا لا شك أنه يخل بالتوحيد، لأن التوحيد عبادة واستعانة، قال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 4]، وقال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: 123].
فالطيرة محرمة، وهي منافية للتوحيد كما سبق، والمتطير لا يخلو من حالين:
الأول: أن يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل، وهذا من أعظم التطير والتشاؤم.
الثاني: أن يمضي لكن في قلق وهم وغم يخشى من تأثير هذا المتطير به، وهذا أهون.
وكلا الأمرين نقص في التوحيد وضرر على العبيد، بل انطلق إلى ما تريد بانشراح صدر وتيسير واعتماد على الله ـ عز وجل ـ، ولا تسيء الظن بالله ـ عز وجل ـ.
وقول الله تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف: 131].
وقد ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب آيتين:
[ الآية الأولى قوله تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ.]
هذه الآية نزلت في قوم موسى كما حكى الله عنهم في قوله: وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ [الأعراف: 131]، قال الله تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ ومعنى: يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ: أنه إذا جاءهم البلاء والجدب والقحط قالوا: هذا من موسى وأصحابه، فأبطل الله هذه العقيدة بقوله: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ.
قوله: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ. ألا: أداة استفتاح تفيد التنبيه والتوكيد، وإنما: أداة حصر.
وقوله: طائر مبتدأ، وعند الله خبر، والمعنى: أن ما يصيبهم من الجدب والقحط ليس من موسى وقومه، ولكنه من الله، فهو الذي قدره ولا علاقة لموسى وقومه به، بل إن الأمر يقتضي أن موسى وقومه سبب للبركة والخير، ولكن هؤلاء ـ والعياذ بالله ـ يلبسون على العوام ويوهمون الناس خلاف الواقع.
قوله: وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. فهم في جهل، فلا يعلمون أن هناك إلهاً مدبراً، وأن ما أصابهم من الله وليس من موسى وقومه.
وقوله: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ [يس: 19].
الآية الثانية قوله تعالى: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ.
أي: قال الذين أرسلوا إلى القرية في قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ. .. الآيات [يس: 13].
فقالوا ذلك رداً على قول أهل القرية: إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ [يس: 18]، أي: تشاءمنا بكم، وإننا لا نرى أنكم تدلوننا على الخير، بل على الشر وما فيه هلاكنا، فأجابهم الرسل بقولهم: طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ، أي: مصاحب لكم، فما يحصل لكم، فإنه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السبب في ذلك.
ولا منافاة بين هذه الآية والتي ذكرها المؤلف قبلها، لأن الأولى تدل على أن المقدر لهذا الشيء هو الله، والثانية تبين سببه، وهو أنه منهم، فهم في الحقيقة طائرهم معهم (أي الشؤم) الحاصل عليهم معهم ملازم لهم، لأن أعمالهم تستلزمه، كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: 41]، وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96].
ويستفاد من الآيتين المذكورتين في الباب: أن التطير كان معروفاً من قبل العرب وفي غير العرب، لأن الأولى في فرعون وقومه، والثانية في أصحاب القرية.
وقوله: أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ. ينبغي أن تقف على قوله: ذُكِّرْتُم، لأنها جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف تقديره: أإن ذكرتم تطيرتم، وعلى هذا، فلا تصلها بما بعدها.
وقوله: بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ، بَلْ هنا للإضراب الإبطالي، أي: ما أصابكم ليس منهم، بل هو من إسرافكم.
وقوله: مُّسْرِفُونَ. أي: متجاوزون للحد الذي يجب أن تكونوا عليه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر)). أخرجاه [3841])) رواه البخاري (5757), ومسلم (2220) (102). ، وزاد مسلم: ((ولا نوء)) [3842])) رواه مسلم (2220) (106), ، ((ولا غول)) [3843])) رواه مسلم (2222) من حديث جابر رضي الله عنه. .
قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى". "لا" نافية للجنس، ونفي الجنس أعم من نفي الواحد والاثنين والثلاثة، لأنه نفي للجنس كله، فنفى الرسول صلى الله عليه وسلم العدوى كلها.
والعدوى: انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، وكما يكون في الأمراض الحسية يكون أيضاً في الأمراض المعنوية الخلقية، ولهذا أخبر صلى الله عليه وسلم أن جليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة [3844])) رواه البخاري (5534) ومسلم (2628) من حديث أبي موسى رضي الله عنه, ونصه: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة). .
فقوله: "لا عدوى" يشمل الحسية والمعنوية، وإن كانت في الحسية أظهر.
قوله: "ولا طيرة". اسم مصدر تطير، لأن المصدر منه تطيُّر، مثل الخيرة اسم مصدر اختار، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا [الأحزاب: 36]، أي: الاختيار، أي يختاروا خلاف ما قضى الله ورسوله من الأمر.
واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى، ولذلك تقول كلمته كلاماً بمعنى كلمته تكليماً، وسلمت عليه سلاماً بمعنى سلمت عليه تسليماً.
لكن لما كان يخالف المصدر في البناء سموه اسم مصدر، والطيرة تقدم أنها هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم.
قوله: (ولا هامة). الهامة، بتخفيف الميم فسرت بتفسيرين:
الأول: أنها طير معروف يشبه البومة، أو هي البومة، تزعم العرب أنه إذا قتل القتيل، صارت عظامه هامة تطير وتصرخ حتى يؤخذ بثأره، وربما اعتقد بعضهم أنها روحه.
التفسير الثاني: أن بعض العرب يقولون: الهامة هي الطير المعروف، لكنهم يتشاءمون بها، فإذا وقعت على بيت أحدهم ونعقت، قال: إنها تنعق به ليموت، ويعتقدون أن هذا دليل قرب أجله، وهذا كله ـ بلا شك ـ عقيدة باطلة.
قوله: (ولا صفر). قيل: إنه شهر صفر، كانت العرب يتشاءمون به ولا سيما في النكاح.
وقيل: إنه داء في البطن يصيب الإبل وينتقل من بعير إلى آخر، وعلى هذا، فيكون عطفه على العدوى من باب عطف الخاص على العام.
وقيل: إنه نهي عن النسيئة، وكانوا في الجاهلية ينسئون، فإذا أرادوا القتال في شهر المحرم استحلوه، وأخروا الحرمة إلى شهر صفر، وهذه النسيئة التي ذكرها الله بقوله تعالى: فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ [التوبة: 37]، وهذا القول ضعيف، ويضعفه أن الحديث في سياق التطير، وليس في سياق التغيير، والأقرب أن صفر يعني الشهر، وأن المراد نفي كونه مشؤوماً، أي: لا شؤم فيه، وهو كغيره من الأزمان يقدر فيه الخير ويقدر فيه الشر.
وهذا النفي في هذه الأمور الأربعة ليس نفياً للوجود، لأنها موجودة، ولكنه نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله، فما كان منها سبباً معلوماً، فهو سبب صحيح، وما كان منها سبباً موهوماً، فهو سبب باطل، ويكون نفياً لتأثيره بنفسه إن كان صحيحاً، ولكونه سبباً إن كان باطلاً.
فقوله: (لا عدوى): العدوى موجودة، ويدل لوجودها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يورد ممرض على مصح)) [3845])) رواه مسلم (2221), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، أي: لا يورد صاحب الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة، لئلا تنتقل العدوى.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) [3846])) رواه البخاري تعليقا (5707), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وأحمد (2/443) (9720), والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (7/218), وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (5/142), والحديث صححه البيهقي في ((السنن الصغرى)) (3/65), وقال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (1/139): [روي] مرسلا وهو أصح, وصححه البغوي في ((شرح السنة)) (6/264), والسيوطي في ((تدريب الراوي)) (2/207), وأحمد شاكر في ((الباعث الحثيث)) (2/482), وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (783): إسناده صحيح. .
والجذام مرض خبيث معد بسرعة ويتلف صاحبه، حتى قيل: إنه الطاعون، فالأمر بالفرار من المجذوم لكي لا تقع العدوى منه إليك، وفيه إثبات لتأثير العدوى، لكن تأثيرها ليس أمراً حتمياً، بحيث تكون علة فاعلة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفرار، وأن لا يورد ممرض على مصح من باب تجنب الأسباب لا من باب تأثير الأسباب بنفسها، فالأسباب لا تؤثر بنفسها، لكن ينبغي لنا أن نتجنب الأسباب التي تكون سبباً للبلاء، لقوله تعالى: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة [البقرة: 195]، ولا يمكن أن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ينكر تأثير العدوى، لأن هذا أمر يبطله الواقع والأحاديث الأخرى.
فإن قيل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: ((لا عدوى. قال رجل: يا رسول الله الإبل تكون صحيحة مثل الظباء، فيدخلها الجمل الأجرب فتجرب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فمن أعدى الأول؟)) [3847])) رواه البخاري (5717), ومسلم (2220), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. , يعني أن المرض نزل على الأول بدون عدوى، بل نزل من عند الله ـ عز وجل ـ، فكذلك إذا انتقل بالعدوى فقد انتقل بأمر الله، والشيء قد يكون له سبب معلوم وقد لا يكون له سبب معلوم، فجرب الأول ليس سببه معلوماً، إلا أنه بتقدير الله تعالى، وجرب الذي بعده له سبب معلوم، لكن لو شاء الله تعالى لم يجرب، ولهذا أحياناً تصاب الإبل بالجرب، ثم يرتفع ولا تموت، وكذلك الطاعون والكوليرا أمراض معدية، وقد تدخل البيت فتصيب البعض فيموتون ويسلم آخرون ولا يصابون...
وهذا الجمع الذي أشرنا إليه هو أحسن ما قيل في الجمع بين الأحاديث، وادعى بعضهم النسخ، فمنهم من قال: إن الناسخ قوله: (لا عدوى)، والمنسوخ قوله: (فر من المجذوم)، و(ولا يورد ممرض على مصح)، وبعضهم عكس، والصحيح أنه لا نسخ، لأن من شروط النسخ تعذر الجمع، وإذا أمكن الجمع وجب الرجوع إليه، لأن في الجمع إعمال الدليلين، وفي النسخ إبطال أحدهما، وإعمالهما أولى من إبطال أحدهما، لأننا اعتبرناهما وجعلناهما حجة، وأيضاً الواقع يشهد أنه لا نسخ.
وقوله: (ولا صفر). فيه ثلاثة أقوال سبقت، وبيان الراجح منها.
والأزمنة لا دخل لها في التأثير وفي تقدير الله ـ عز وجل ـ، فصفر كغيره من الأزمنة يقدر فيه الخير والشر، وبعض الناس إذا انتهى من شيء في صفر أرخ ذلك وقال: انتهى في صفر الخير، وهذا من باب مداواة البدعة ببدعة، والجهل بالجهل، فهو ليس شهر خير ولا شهر شر.
أما شهر رمضان، قولنا: إنه شهر خير، فالمراد بالخير العبادة، ولا شك أنه شهر خير، وقولهم: رجب المعظم، بناء على أنه من الأشهر الحرم.
ولهذا أنكر بعض السلف على من إذا سمع البومة تنعق قال: خيراً إن شاء الله، فلا يقال: خير ولا شر، بل هي تنعق كبقية الطيور.
فهذه الأربعة التي نفاها الرسول صلى الله عليه وسلم تبين وجوب التوكل على الله وصدق العزيمة، ولا يضعف المسلم أما هذه الأشياء، لأن الإنسان لا يخلو من حالين:
إما أن يستجيب لها بأن يقدم أو يحجم أو ما أشبه ذلك، فيكون حينئذ قد علق أفعاله بما لا حقيقة له ولا أصل له، وهو نوع من الشرك.
وإما أن لا يستجيب بأن يكون عنده نوع من التوكل ويقدم ولا يبالي، لكن يبقى في نفسه نوع من الهم أو الغم، وهذا وإن كان أهون من الأول، لكن يجب ألا يستجيب لداعي هذه الأشياء التي نفاها الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقاً، وأن يكون معتمداً على الله ـ عز وجل ـ.
وبعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل، فإذا نظر ذكر النار تشاءم، وإذا نظر ذكر الجنة قال: هذا فأل طيب، فهذا مثل عمل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام.
فالحاصل أننا نقول: لا تجعل على بالك مثل هذه الأمور إطلاقاً، فالأسباب المعلومة الظاهرة تقي أسباب الشر، وأما الأسباب الموهومة التي لم يجعلها الشرع سبباً بل نفاها، فلا يجوز لك أن تتعلق بها، بل احمد الله على العافية، وقل: ربنا عليك توكلنا.
قوله: (لا نوء). واحد الأنواء، والأنواء: هي منازل القمر، وهي ثمان وعشرون منزلة، كل منزلة لها نجم تدور بمدار السنة.
وهذه النجوم بعضها يسمى النجوم الشمالية، وهي لأيام الصيف، وبعضها يسمى النجوم الجنوبية، وهي لأيام الشتاء، وأجرى الله العادة أن المطر في وسط الجزيرة العربية يكون أيام الشتاء، أما أيام الصيف، فلا مطر.
فالعرب كانوا يتشاءمون بالأنواء، ويتفاءلون بها، فبعض النجوم يقولون: هذا نجم نحس لا خير فيه، وبعضها بالعكس يتفاءلون به فيقولون: هذا نجم سعود وخير، ولهذا إذا أمطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا، ولا يقولون: مطرنا بفضل الله ورحمته، ولا شك أن هذا غاية الجهل.
ألسنا أدركنا هذا النوء بعينه في سنة يكون فيه مطر وفي سنة أخرى لا يكون فيه مطر؟
ونجد السنوات تمر بدون مطر مع وجود النجوم الموسمية التي كانت كثيراً ما يكون في زمنها الأمطار.
فالنوء لا تأثير له، فقولنا: طلع هذا النجم، كقولنا: طلعت الشمس، فليس له إلا طلوع وغروب، والنوء وقت تقدير، وهو يدل على دخول الفصول فقط.
وفي عصرنا الحاضر يعلق المطر بالضغط الجوي والمنخفض الجوي، وهذا وإن كان قد يكون سبباً حقيقياً، ولكن لا يفتح هذا الباب للناس، بل الواجب أن يقال: هذا من رحمة الله، هذا من فضله ونعمه، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [النور: 43]، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الروم: 48].
فتعليق المطر بالمنخفضات الجوية من الأمور الجاهلية التي تصرف الإنسان عن تعلقه بربه.
فذهبت أنواء الجاهلية، وجاءت المنخفضات الجوية، وما أشبه ذلك من الأقوال التي تصرف الإنسان عن ربه ـ سبحانه وتعالى ـ.
نعم، المنخفضات الجوية قد تكون سبباً لنزول المطر، لكن ليست هي المؤثر بنفسها، فتنبه.
قوله: (ولا غول). جمع غَولة أو غُولة، ونحن نسميها باللغة العامية: (الهولة)، لأنها تهول الإنسان.
والعرب كانوا إذا سافروا أو ذهبوا يميناً وشمالاً تلونت لهم الشياطين بألوان مفزعة مخيفة، فتدخل في قلوبهم الرعب والخوف، فتجدهم يكتئبون ويستحسرون عن الذهاب إلى هذا الوجه الذي أرادوا، وهذا لاشك أنه يضعف التوكل على الله، والشيطان حريص على إدخال القلق والحزن على الإنسان بقدر ما يستطيع، قال تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة: 10].
وهذا الذي نفاه الرسول صلى الله عليه وسلم هو تأثيرها، وليس المقصود بالنفي نفي الوجود، وأكثر ما يبتلى الإنسان بهذه الأمور إذا كان قلبه معلقاً بها، أما إن كان معتمدا على الله غير مبال بها، فلا تضره ولا تمنعه عن جهة قصده.
ولهما عن أنسٍ، قال: قال رسول الله ((لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل)). قالوا: وما الفأل؟ قال: ((الكلمة الطيبة)) [3848])) رواه البخاري (5756), ومسلم (2224), .
قوله في حديث أنس: ((لا عدوى، ولا طيرة)). تقدم الكلام على ذلك.
قوله: (ويعجبني الفأل). أي: يسرني، والفأل بينه بقوله: (الكلمة الطيبة). فـ(الكلمة الطيبة) تعجبه صلى الله عليه وسلم، لما فيها من إدخال السرور على النفس والانبساط، والمضي قدماً لما يسعى إليه الإنسان، وليس هذا من الطيرة، بل هذا مما يشجع الإنسان، لأنها لا تؤثر عليه، بل تزيده طمأنينة وإقداماً وإقبالاً.
وظاهر الحديث: الكلمة الطيبة في كل شيء، لأن الكلمة الطيبة في الحقيقة تفتح القلب وتكون سبباً لخيرات كثيرة، حتى إنها تدخل المرء في جملة ذوي الأخلاق الحسنة.
وهذا الحديث جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه بين محذورين ومرغوب، فالمحذوران هما العدوى والطيرة، والمرغوب هو الفأل، وهذا من حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذكر المرهوب ينبغي أن يذكر معه ما يكون مرغوباً، ولهذا كان القرآن مثاني إذا ذكر أوصاف المؤمنين ذكر أوصاف الكافرين، وإذا ذكر العقوبة ذكر المثوبة، وهكذا.
قوله: (عن عقبة بن عامر). صوابه عن عروة بن عامر، كما ذكره في (التيسير)، وقد اختلف في نسبه وصحبته.
قوله: (ذكرت الطيرة عند رسول الله). وهذا الذكر إما ذكر شأنها، أو ذكر أن الناس يفعلونها، والمراد: تحدث الناس بها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولأبي داود ـ بسند صحيح ـ عن عقبة بن عامر، قل: ذكرت الطيَرَة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)) [3849])) رواه أبو داود (3919), والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (8/139), وعبد الرزاق في ((المصنف)) (10/406), والحديث سكت عنه أبو داود, وقال ابن حجر في ((هداية الرواة)) (4/291), والشوكاني في ((نيل الأوطار)) (7/373): مرسل, وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (199). .
قوله: "أحسنها الفأل". سبق أن الفأل ليس من الطيرة، لكنه شبيه بالطيرة من حيث الإقدام، فإنه يزيد الإنسان نشاطاً وإقداماً فيما توجه إليه، فهو يشبه الطيرة من هذا الوجه، وإلا، فبينهما فرق لأن الطيرة توجب تعلق الإنسان بالمتطير به، وضعف توكله على الله، ورجوعه عما هم به من أجل ما رأى، لكن الفأل يزيده قوة وثباتاً ونشاطاً، فالشبه بينهما هو التأثير في كل منهما.
قوله: "ولا ترد مسلماً". يفهم منه أن من ردته الطيرة عن حاجته فليس بمسلم.
قوله: (فإذا رأى أحدكم ما يكره). فحينئذ قد ترد على قلبه الطيرة، ويبتعد عما يريد، ولا يقدم عليه، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم دواء لذلك وقال: ((فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات....)) إلخ.
قوله: ((اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت)). وهذا هو حقيقة التوكل، وقوله: "اللهم". يعني: يا الله، ولهذا بنيت على الضم، لأن المنادى علم، بل هو أعلم الأعلام وأعرف المعارف على الإطلاق، والميم عوض عن يا المحذوفة، وصارت في آخر الكلمة تبركاً بالابتداء باسم الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وصارت ميماً، لأنها تدل على الجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على الله.
قوله: ((لا يأتي بالحسنات إلا أنت)). أي: لا يقدرها ولا يخلقها ولا يوجدها للعبد إلا الله وحده لا شريك له، وهذا لا ينافي أن تكون الحسنات بأسباب، لأن خالق هذه الأسباب هو الله، فإذا وجدت هذه الحسنات بأسباب خلقها الله، صار الموجد هو الله.
والمراد بالحسنات: ما يستحسن المرء وقوعه، ويحسن في عينه.
ويشمل ذلك الحسنات الشرعية، كالصلاة والزكاة وغيرها، لأنها تسر المؤمن، ويشمل الحسنات الدنيوية، كالمال والولد ونحوها، قال تعالى: إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ [التوبة: 50]، وقال تعالى في آية أخرى: إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا [آل عمران: 120].
وقوله: (إلا أنت). فاعل يأتي، لأن الاستثناء هنا مفرغ.
قوله: ((ولا يدفع السيئات إلا أنت)). السيئات: ما يسوء المرء وقوعه وينفر منه حالاً أو مآلاً، ولا يدفعها إلا الله، ولهذا إذا أصيب الإنسان بمصيبة التجأ إلى ربه تعالى، حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك، وشاهدوا الغرق، دعوا الله مخلصين له الدين.
ولا ينافي هذا أن يكون دفعها بأسباب، فمثلاً لو رأى رجلاً غريقاً، فأنقذه فإنما أنقذه بمشيئة الله، ولو شاء الله لم ينقذه، فالسبب من الله.
فعقيدة كل مسلم أنه لا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يدفع السيئات إلا الله، وبمقتضى هذه العقيدة، فإنه يجب أن لا يسأل المسلم الحسنات ولا يسأل دفع السيئات إلا من الله، ولهذا كان الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يسألون الله الحسنات ويسألون دفع السيئات، قال تعالى عن زكريا: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: 38]، وقال تعالى عن أيوب: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83]، وهكذا يجب أن يكون المؤمن أيضاً.
قوله: "ولا حول ولا قوة إلا بك". في معناها وجهان:
الأول: أنه لا يوجد حول ولا قوة إلا بالله، فالباء بمعنى في، يعني: إلا في الله وحده، ومن سواه ليس لهم حول ولا قوة، ويكون الحول والقوة المنفيان عن غير الله هما الحول المطلق والقوة المطلقة، لأن غير الله فيه حول وقوة، لكنها نسبية ليست بكاملة، فالحول الكامل والقوة الكاملة في الله وحده.
الثاني: أنه لا يوجد لنا حول ولا قوة إلا بالله، فالباء للاستعانة أو للسببية، وهذا المعنى أصح، وهو مقتضى ورودها في مواضعها، إذ إننا لا نتحول من حول إلى حول ولا نقوى على ذلك إلا بالله فيكون في هذه الجملة كمال التفويض إلى الله، وأن الإنسان يبرأ من حوله وقوته إلا بما أعطاه الله من الحول والقوة.
فإن صح الحديث، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشدنا إذا رأينا ما نكره مما يتشاءم به المتشائم أن نقول: ((اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)).
وعن ابن مسعود مرفوعاً: ((الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل)) رواه أبو داود والترمذي وصححه [3850])) رواه أبو داود (3910) والترمذي (1614) وابن ماجه (3538) وأحمد (1/389) (3687) وابن حبان (13/491) والحاكم (1/65) وأبو يعلى (9/26) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (8/139) والبخاري في ((العلل الكبير)) وعبد الله بن أحمد في ((السنة)) (1/360) والحديث سكت عنه أبو داود, وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن كهيل وروى سليمان بن حرب يقول هذا الحديث وما منا ولكن الله يذهبه بالتوكل قال سليمان هذا عندي قول عبد الله بن مسعود وما منا, وصححه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (4/108) وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)): إسناده صحيح, وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)). . وجعل آخره من قول ابن مسعودٍ.
قوله: "مرفوعاً". أي: إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (الطيرة شرك، الطيرة شرك). هاتان الجملتان يؤكد بعضهما بعضاً من باب التوكيد اللفظي.
 وقوله: (شرك). أي: إنها من أنواع الشرك، وليس الشرك كله، وإلا، لقال: الطيرة الشرك.
وهل المراد بالشرك هنا الشرك الأكبر المخرج من الملة، أو أنها نوع من أنواع الشرك؟
نقول: هي نوع من أنواع الشرك، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر)) [3851])) رواه مسلم (67), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، أي: ليس الكفر المخرج عن الملة، وإلا، لقال: (هما بهم الكفر)، بل هما نوع من الكفر.
لكن في ترك الصلاة قال: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) [3852])) رواه مسلم (82), من حديث جابر رضي الله عنه. ، فقال: (الكفر)، فيجب أن نعرف الفرق بين (أل) المعرفة أو الدالة على الاستغراق، وبين خلو اللفظ منها، فإذا قيل: هذا كفر، فالمراد أنه نوع من الكفر لا يخرج من الملة، وإذا قيل: هذا الكفر، فهو المخرج من الملة.
فإذا تطير إنسان بشيء رآه أو سمعه، فإنه لا يعد مشركاً شركاً يخرجه من الملة، لكنه أشرك من حيث إنه اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سبباً، وهذا يضعف التوكل على الله ويوهن العزيمة، وبذلك يعتبر شركاً من هذه الناحية، والقاعدة: (أن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سبباً، فإنه مشرك شركاً أصغر).
وهذا نوع من الإشراك مع الله، إما في التشريع إن كان هذا السبب شرعياً، وإما في التقدير إن كان هذا السبب كونياً، لكن لو اعتقد هذا المتشائم المتطير أن هذا فاعل بنفسه دون الله، فهو مشرك شركاً أكبر، لأنه جعل لله شريكاً في الخلق والإيجاد.
قوله: (وما منا). (منا): جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، إما قبل (إلا) إن قدرت ما بعد إلا فعلاً، أي: وما منا أحد إلا تطير، أو بعد (إلا)، أي: وما منا إلا متطير.
والمعنى: ما منا إنسان يسلم من التطير، فالإنسان يسمع شيئاً فيتشاءم، أو يبدأ في فعل، فيجد أوله ليس بالسهل فيتشاءم ويتركه.
والتوكل: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله، وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسباباً.
فلا يكفي صدق الاعتماد فقط، بل لابد أن تثق به، لأنه سبحانه يقول: مَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 4].
قوله: (وجعل آخره من قول ابن مسعود). وهو قوله: (وما منا إلا...) إلخ.
وعلى هذا يكون موقوفاً، وهو مدرج في الحديث، والمدرج: أن يدخل أحد الرواة كلاماً في الحديث من عنده بدون بيان، ويكون في الإسناد والمتن، ولكن أكثره في المتن، وقد يكون في أول الحديث، وقد يكون في وسطه، وقد يكون في آخره، وهو الأكثر.
مثال ما كان في أول الحديث: قول أبي هريرة رضي الله عنه: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)) [3853])) رواه البخاري(165), ومسلم (242), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، فقوله: (أسبغوا الوضوء) من كلام أبي هريرة، وقوله: (ويل للأعقاب من النار) من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومثال ما كان في وسطه قول الزهري في حديث بدء الوحي: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء، والتحنث: التعبد)) [3854])) رواه البخاري (6982), ومسلم (160), من حديث عائشة رضي الله عنه. ، ومثال ما كان في آخره: هذا الحديث الذي ذكره المؤلف، وكذا حديث أبي هريرة، وفيه: ((فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل)) [3855])) رواه البخاري (136), ومسلم (246). , فهذا من كلام أبي هريرة.
ولأحمد من حديث ابن عمرو ((من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا: فما كفارة ذلك، قال: أن تقولوا اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك)) [3856])) رواه أحمد (2/220) (7045), وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/108): فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات, وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (12/10), والألباني في ((السلسلة الصحيحة)): إسناده صحيح.  .
قوله: "من ردته الطيرة عن حاجته". "من". شرطية، وجواب الشرط: "فقد أشرك"، واقترن الجواب بالفاء، لأنه لا يصلح لمباشرة الأداة، وحينئذ يجب اقترانه بالفاء، وقد جمع ذلك في بيت شعر معروف، وهو قوله:


اسمية طلبية وبجامد




وبما وقد وبلن وبالتنفيس

وقوله: (عن حاجته) الحاجة: كل ما يحتاجه الإنسان بما تتعلق به الكمالات، وقد تطلق عن الأمور الضرورية.
قوله: (فقد أشرك). أي: شركاً أكبر إن اعتقد أن هذا المتشاءم به يفعل ويحدث الشر بنفسه، وإن اعتقده سبباً فقط فهو أصغر،.... قاعدة مفيدة.... وهي: (أن كل من اعتقد في شيء أنه سبب ولم يثبت أنه سبب لا كوناً ولا شرعاً، فشركه شرك أصغر، لأنه ليس لنا أن نثبت أن هذا سبب إلا إذا كان الله قد جعله سبباً كونياً أو شرعياً، فالشرعي: كالقراءة والدعاء، والكوني: كالأدوية التي جرب نفعها).
وقوله: "فما كفارة ذلك". أي: ما كفارة هذا الشرك، أو ما هو الدواء الذي يزيل هذا الشرك؟ لأنه الكفارة قد تطلق على كفارة الشيء بعد فعله، وقد تطلق على الكفارة قبل الفعل، وذلك لأن الاشتقاق مأخوذ من الكفر، وهو الستر، والستر واق، فكفارة ذلك إن وقع وكفارة ذلك إن لم يقع.
وقوله: ((اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك)). يعني: فأنت الذي بيدك الخير المباشر، كالمطر والنبات، وغير المباشر، كالذي يكون سببه من عند الله على يد مخلوق، مثل: أن يعطيك إنسان دراهم صدقة أو هدية، وما أشبه ذلك، فهذا الخير من الله، لكن بواسطة جعلها الله سبباً، وإلا، فكل الخير من الله ـ عز وجل ـ.
وقوله: ((فلا خير إلا خيرك)). هذا الحصر حقيقي، فالخير كله من الله، سواء كان بسبب معلوم أو بغيره.
وقوله: ((لا طير إلا طيرك)). أي: الطيور كلها ملكك، فهي لا تفعل شيئاً، وإنما هي مسخرة، قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [الملك: 19]، وقال تعالى: أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: 72]، فالمهم أن الطير مسخرة بإذن الله، فالله تعالى هو الذي يدبرها ويصرفها ويسخرها تذهب يميناً وشمالاً، ولا علاقة لها بالحوادث.
ويحتمل أن المراد بالطير هنا ما يتشاءم به الإنسان، فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحوادث المكروهة، فإنه من الله كما أن الخير من الله، كما قال تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ [الأعراف: 131].
... وأن الشر في فعل الله ليس بواقع، بل الشر في المفعول لا في الفعل، بل فعله تعالى كله خير، إما خير لذاته، وإما لما يترتب عليه من المصالح العظيمة التي تجعله خيراً.
فيكون قوله: "لا طير إلا طيرك" مقابلاً لقوله: "ولا خير إلا خيرك".
قوله: (ولا إله غيرك). (لا) نافية للجنس، و(إله) بمعنى: مألوه، كغراس بمعنى مغروس، وفراش بمعنى مفروش، والمألوه: هو المعبود محبة وتعظيماً يتأله إليه الإنسان محبة له وتعظيماً له.
فإن قيل: إن هناك آلهة دون الله، كما قال تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ [هود: 101].
أجيب: أنها وإن عبدت من دون الله وسميت آلهة، فليست آلهة حقاً لأنها لا تستحق أن تعبد، فلهذا نقول: لا إله إلا الله، أي: لا إله حق إلا الله.
يستفاد من هذا الحديث:
أنه لا يجوز للإنسان أن ترده الطيرة عن حاجته، وإنما يتوكل على الله ولا يبالي بما رأى أو سمع أو حدث له عند مباشرته للفعل أول مرة، فإن بعض الناس إذا حصل له ما يكره في أول مباشرته الفعل تشاءم، وهذا خطأ، لأنه مادامت هناك مصلحة دنيوية أو دينية، فلا تهتم بما حدث.
أن الطيرة نوع من الشرك، لقوله: (من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك).
أن من وقع في قلبه التطير ولم ترده الطيرة، فإن ذلك لا يضر كما سبق في حديث ابن مسعود: (وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل).
أن الأمور بيد الله خيرها وشرها.
انفراد الله بالألوهية، كما انفرد بالخلق والتدبير.
وله من حديث الفضل بن عباس: ((إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك)) [3857])) رواه أحمد (1/213) (1824), قال ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (3/358): [فيه ] محمد بن عبد الله بن علاثة وهو مختلف فيه وفيه انقطاع, وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (3/240): إسناده ضعيف. .
قوله في حديث الفضل: (إنما الطيرة). هذه الجملة عند البلاغيين تسمى حصراً، أي: ما الطيرة إلا ما أمضاك أو ردك لا ما حدث في قلبك ولم تلتفت إليه، ولا ريب أن السلامة منها حتى في تفكير الإنسان خير بلا شك، لكن إذا وقعت في القلب ولم ترده ولم يلتفت لها، فإنها لا تضره، لكن عليه أن لا يستسلم، بل يدافع، إذ الأمر كله بيد الله.
قوله: (ما أمضاك أو ردك). أما (ما ردك)، فلا شك أنه من الطيرة، لأن التطير يوجب الترك والتراجع.
وأما (ما أمضاك)، فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن تكون من جنس التطير، وذلك بأن يستدل لنجاحه أو عدم نجاحه بالتطير، كما لو قال: سأزجر هذا الطير، فإذا ذهب إلى اليمين، فمعنى ذلك اليمن والبركة، فيقدم، فهذا لا شك أنه تطير، لأن التفاؤل بمثل انطلاق الطير عن اليمين غير صحيح، لأنه لا وجه له، إذا الطير طار، فإنه يذهب إلى الذي يرى أن وجهته، فإذا اعتمد عليه، فقد اعتمد على سبب لم يجعله الله سبباً، وهو حركة الطير.
الثاني: أن يكون سبب المضي كلاماً سمعه أو شيئاً شاهده يدل على تيسير هذا الأمر له، فإن هذا فأل، وهو الذي يعجب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إن اعتمد عليه وكان سبباً لإقدامه، فهذا حكمه حكم الطيرة، وإن لم يعتمد عليه ولكنه فرح ونشط وازداد نشاطاً في طلبه، فهذا من الفأل المحمود.
والحديث في سنده مقال، لكن على تقدير صحته هذا حكمه.القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - بتصرف – 2/93
وأما الطِّيَرَةُ فهي: ترك الإنسان حاجته، واعتقاده عدم نجاحها، تشاؤماً بسماع بعض الكلمات القبيحة كيا هالك أو يا ممحوق ونحوها. وكذا التشاؤم ببعض الطيور كالبومة وما شاكلها إذا صاحت، قالوا إِنَّها ناعية أو مخبرة بشر، وكذا التشاؤم بملاقاة الأعورِ أو الأعرج أو المهزول أو الشيخ الهرم أو العجوز الشمطاء، وكثير من الناس إذا لقيه وهو ذاهب لحاجة صَدَّهُ ذلك عنها ورجع معتقداً عدم نجاحها، وكثير من أهل البيع لا يبيع مِمَّنْ هذه صفته إذا جاءهُ أول النهار، حتى يبيع من غيره تشاؤماً به وكراهة له. وكثير منهم يعتقد أنه لا ينال في ذلك اليوم خيراً قط، وكثير من الناس يتشاءم بما يعرض له نفسه في حال خروجه كما إذا عثر أو شيك يرى أَنَّه لا يجد خيراً، ومن ذلك التشاؤم ببعض الأيام أو ببعض الساعات كالحادي والعشرين من الشهر وآخر أربعاء فيه ونحو ذلك فلا يسافر فيها كثير من الناس ولا يعقد فيها نكاحاً ولا يعمل فيها عملاً مهماً ابتداء، يظن أو يعتقد أن تلك الساعة نحس، وكذا التشاؤم ببعض الجهات في بعض الساعات فلا يستقبلها في سفر ولا أمر حتى تنقضي تلك الساعة أو الساعات. وهي من أكاذيب المنجمين ...، يزعمون أَنَّ هناك فلكاً دَوَّاراً يكون كل يوم أو ليلة في جهة من الجهات فمن استقبل تلك الجهة في الوقت الذي يكون فيها هذه الفلك لا ينال خيراً ولا يأمن شراً، وهم في ذلك كاذبون مفترون قبَّحهم الله ولعنهم، وقد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. ومن ذلك التشاؤم بوقوع بعض الطيور على البيوت يرون أَنَّها معلمةٌ بشرٍّ، وكذا صوت الثعلب عندهم، ومن ذلك الاستقسام بتنفير الطير والظباء فإِنْ تيامنت ذهبوا لحاجتهم وإِنْ تياسرت تركوها، وهذا من الاستقسام بالأزلام الذي أمر الله تعالى باجتنابه وأخبر أَنَّه رجس من عمل الشيطان، وهذا وما شاكله كثير منه كان في الجاهلية قبل النبوة وقد أبطله الإسلام فأَعاده الشيطان في هذا الزمان أكثر مما كان عليه في الجاهلية بأضعاف مضاعفة، ووسع دائرة ذلك وساعده عليه شياطين الإنس من الكهنة والمنجمين وأضرابهم وأتباعهم؛ أرداهم الله وألحقهم به آمين.
قال الله تعالى وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف:131]، وقال تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [النمل:45 – 47]، وقال تعالى في قصة الثلاثة رسل عيسى قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ [يس:16- 18] قال مجاهد في قوله تعالى فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ قالوا: العاقبة والرخاء نحن أحق بها وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ قال بلاء وعقوبة يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى قال: يتشاءموا به.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ [الأعراف:131] قال ((الأمر مِنْ قِبَلِ اللهِ)) [3858])) رواه ابن جرير في ((التفسير)) (13/48). . وقال رضي الله عنه في قوله طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ [النحل:47] قال: الشؤم أتاكم مِنْ عندِ اللهِ لكفركم [3859])) ذكره البغوي في ((التفسير)) (6/169), ، وتقدم ذكر الطيرة ونفيها في الأحاديث السابقة.
وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثني عبد الله بن محمد حدَّثنا عثمان بن عمر حدَّثنا يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عَدْوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأةِ والدار والدابة)) [3860])) رواه البخاري (5753). . والشُّؤم ضد اليمن، وهو عدم البركة، والمراد به الأمر المحسوس المشاهد كالمرأة العاقر التي لا تلد أو اللسنة المؤذية أو المبذرة بمال زوجها سفاهة ونحو ذلك. وكذا الدار الجدبة أو الضيقة أو الوبيئة الوخيمة المشرب أو السيئة الجيران وما في معنى ذلك، وكذا الدابة التي لا تلد ولا نسل لها أو الكثيرة العيوب الشينة الطبع وما في معنى ذلك، فهذا كله شيء ضروري مشاهد معلوم ليس هو من باب الطيرة المنفية فإِنَّ ذلك أمر آخر عند من يعتقده ليس من هذا لأنهم يعتقدون أنَّها نحس على صاحبها لذاتها لا لعدم مصلحتها وانتفائها فيعتقدون أَنَّه إِنْ كان غنياً افتقر ليس بتبذيرها بل لنحاستها عليه، وإِنَّه إِنْ يأخذها يموت بمجرد دخولها عليه لا بسبب محسوس، بل عندهم أَنَّ لها نجما لا يوافق نجمه بل ينطحه ويكسره، وذلك مِنْ وحي الشيطان يوحيه إلى أوليائه من المشركين، قال الله تعالى وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ [الأنعام:121]، وقال تعالى إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:27].
حتَّى إنَّ رجلاً في زماننا هذا كان يشعوذ على الناس بذلك ويفرق به بين المرء وزوجه، فتنبه له بعض العامة ممن يحضر مجالس الذكر ويسمع ذم المنجمين وتكذيبهم بالآيات والأحاديث فقال له: إنِّي أُرِيد أَنْ أنكح امرأة، ما ترى فيها هل هي سعد لي أو نحس عليَّ؟ فعرض ذلك على قواعده الشيطانية ثم قال له: دعها فإنِّك إنْ أخذتها لا تبلي معها ثوباً، يعني يموت سريعاً لا تطول معها صحبته، وكانت تلك المرأة التي سأله عنها وسماها له هي زوجته وقد طالت صحبته معها وله منها نحو خمسة من الأولاد، فدعاهم كلهم بأسمائهم حتى حضروا فقال له: هؤلاء أولادي منها. ولهذا نظائر كثيرة من خرافاتهم.
والمقصود أنَّ الشؤم المثبت في هذا الحديث أمر محسوس ضروري مشاهد ليس من باب الطيرة المنفية التي يعتقدها أهل الجاهلية ومن وافقهم.
وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أَنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا طيرة، وخيرها الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة. يسمعها أحدكم)) [3861])) رواه البخاري (5754), ومسلم (2223). .
قال حدَّثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عدوى ولا طــيرة، ويعجبني الفأل الصَّالح الكلمة الحسنة)) [3862])) رواه البخاري (5756), ومسلم (2224), .
... ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية حين جاء سهيل بن عمرو قال: ((سَهَّلَ اللهُ أَمْرَكُمْ)) [3863])) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (1/353), قال الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)): حسن لغيره. الحديث وما شاكله.
ومن شرط الفأل أَنْ لا يعتمد عليه وأَنْ لا يكون مقصوداً، بل أَنْ يتفق للإنسان ذلك مِنْ غير أنْ يكون له على بال. ومن البِدَع الذميمة والمحدثات الوخيمة مأخذ الفأل من المصحف فإنَّه من اتخذ آيات الله هزواً ولعباً ولهواً، ساءَ ما يعملون. وما أدري كيف حال مَنْ فتح على قوله تعالى لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:78]، وقوله وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:93] وأمثال هذا الآيات. ويروى أَنَّ أَوَّل من أحدث هذه البدعة بعض المروانية وأَنَّه تفاءلَ يوماً ففتح المصحف فاتفق لاستفتاحه قول الله عز وجل وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنيدٍ [إبراهيم:15] الآيات فيقال إنَّه أَحرق المصحف غضباً من ذلك وقال أبياتاً لا نسوِّد بها الأوراق. والمقصود أَنَّ هذه بدعة قبيحة، والفأْلُ إذا قصده المتفائل فهو طيرة كالاستقسام بالأزلام، وقد روى الإمام أحمد في تعريف الطيرة حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهما ((إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك)) [3864])) رواه أحمد (1/213) (1824), قال ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (3/358): [فيه ] محمد بن عبد الله بن علاثة وهو مختلف فيه وفيه انقطاع, وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (3/240): إسناده ضعيف. ، وروى في كفارتها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وقفه ((مَنْ ردَّتْهُ الطِّيرة عَنْ حاجته فقد أَشْرَك. قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أَنْ تقول: اللهم لا خير إلا خيرُك، ولا طير إلا طيرُك، ولا إله غيرك)) [3865])) رواه أحمد (2/220) (7045), وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/108): فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات, وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (12/10), والألباني في ((السلسلة الصحيحة)): إسناده صحيح.  .
وقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عيسى بن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الطيرة شرك)) ثلاثاً ((وما منّا إلا، ولكنَّ الله يذهبه بالتوكل)) [3866])) رواه أبو داود (3910) والترمذي (1614) وابن ماجه (3538) وأحمد (1/389) (3687) وابن حبان (13/491) والحاكم (1/65) وأبو يعلى (9/26) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (8/139) والبخاري في ((العلل الكبير)) وعبد الله بن أحمد في ((السنة)) (1/360) والحديث سكت عنه أبو داود, وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن كهيل وروى سليمان بن حرب يقول هذا الحديث وما منا ولكن الله يذهبه بالتوكل قال سليمان هذا عندي قول عبد الله بن مسعود وما منا, وصححه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (4/108) وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)): إسناده صحيح, وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)). ، وقوله ((ما منّا إلا)) إلخ هو من كلام ابن مسعود كما فصله الترمذي رحمه الله في روايته عن المرفوع حيث قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث ((وما منا إلاَّ، ولكن الله يذهبه بالتوكل)): كل هذا عندي قول عبد الله بن مسعود(215). وقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة قالا حدَّثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن عامر (قال أحمد: القرشي) قال ذُكرت الطِّيَرَةُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أحسنها الفأل ولا تَرُدُّ مسلماً. فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهُمَّ لا يأتي بالحسنات إلا أنْت، ولا يدفع السيئات إلا أَنْتَ ولا حول ولا قوة إلا بك)) [3867])) رواه أبو داود (3919), والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (8/139), وعبد الرزاق في ((المصنف)) (10/406), والحديث سكت عنه أبو داود, وصححه النووي في ((رياض الصالحين)) (537), وقال ابن حجر في ((هداية الرواة)) (4/291), والشوكاني في ((نيل الأوطار)) (7/373): مرسل, وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (199). .
وأما الغول فهي واحد الغيلان وهي من شَرِّ شياطين الجن وسحرتهم والنفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية فيهم من الضُرِّ والنَّفعِ، وكانوا يخافونهم خوفاً شديداً ويستعيذون ببعضهم من بعض كما قال تعالى عنهم وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6] زاد الإنس الجن جرأة عليهم وشراً وطغياناً، وزادتهم الجن إخافة وخبلاً وكفراناً. وكان أَحَدُهم إذا نزل واديا قال: أعوذُ بِسَيِّدِ هذا الوادي من سفهائه [3868])) رواه ابن جرير في ((التفسير)) (23/654). فيأتي الشيطان فيأخذ من مال هذا المستعيذ أو يروعه في نفسه، فيقول: يا صاحب الوادي، جارك أو نحو ذلك. فيسمع منادياً ينادي ذلك المعتدي أَنْ اتركه أو دعه أو ما أشبه ذلك. فأبطل الله تعالى ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم ذلك ونفى أَنْ يضروا أحداً إلاَّ بإذن اللهِ عز وجل، وأبدلنا عن الاستعاذة بالمخلوقين الاستعاذة بجبَّار السموات والأرض، رب الكون وخالقه ومالكه وإلهه وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وكلماته التامات التي لا يجاوزهن جبار ولا متكبر، فقال الله تبارك وتعالى وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ [المؤمنون:97]، وقــال تعالى وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأعراف:200]، وقال تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] إلى آخر السورة، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] إلى آخر السورة. وغيرها من الآيات. وقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في هاتين السورتين: ((ما سأل سائلٌ بمثلهما ولا استعاذَ مستعيذٌ بمثلهما)) [3869])) رواه النسائي في (8/253) (5438), والدارمي (2/554), والحميدي (2/376), وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (6/78), من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه, قال ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (3/232): إسناده جيد, وقال الألباني في ((صحيح النسائي)): حسن صحيح. ، وقال صلى الله عليه وسلم ((مَنْ نَزَلَ منْزلاً فقال: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّات مِنْ شَرِّ ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منْزله ذلك)) [3870])) رواه مسلم (2708). وهو في الصحيح، ... وفي الحديث الصحيح ((إِنَّ الشيطان إذا سمع النداء أَدْبَرَ وله ضُراط [3871])) رواه البخاري (608), ومسلم (389), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه: ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين....)).واللفظ للبخاري. – وفي لفظ حصاص)) [3872])) رواه مسلم (389). وأحاديث الاستعاذة والأذكار في طرد الشيطان وغيره كثيرة مشهورة مسبورة في مواضعها من كتب السنة، وأَمَّا قول مَنْ قال إِنَّ المراد في الحديث نفي وجود الغيلان مطلقاً فليس بشيءٍ لأنَّ ذلك مكابرة للأمور المشاهدة المعلومة بالضرورة في زمن النّبي صلى الله عليه وسلم وقبله وبعده من إتيانهم وانصرافهم ومخاطبتهم وتشكلهم. والله أعلم.
وأما الهامة والصفر: فقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا محمَّدُ بن المصفى حدَّثنا بقية قال: قلت لمحمد – يعني ابن راشد – قوله ((هام)) قال: كانت الجاهلية تقول: ((لَيْسَ أحدٌ يموت فيدفن إلا خرج مِنْ قبره هامة)). ... فقوله ((صَفَر)) قال: سمعت أهل الجاهلية يستشئمون بصَفَر، فقال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ((لا صَفَر)) قال محمد: وقد سمعنا من يقول هو وجع يأخذ في البطن، فكانوا يقولون هو يعدي فقال ((لا صفر)) [3873])) رواه أبو داود (3915), وقال الألباني صحيح مقطوع. ، وقال رحمه الله: حدَّثنا يحيى بن خلف حدَّثنا أبو عاصم حدَّثنا ابن جريج عن عطاء قال: يقول الناس صفر وجع يأخذ في البطن. قلت: فما الهامة؟ قال: يقول الناس الهامة التي تصرخ هامة الناس، وليست بهامة الإنسان، إنما هي دابة [3874])) رواه أبو داود (3918), وقال الألباني صحيح مقطوع. . وقال رحمه الله: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهدٌ أخبركم أشهب قال: سئل مالك عن قوله ((لا صَفَر)) قال: إنَّ أَهْل الجاهلية كانوا يحلِّون صَفَر، يحلّونه عاماً ويحرِّمونه عاماً، فقال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: ((لا صَفَر)) [3875])) رواه أبو داود (3914), وقال الألباني صحيح مقطوع. .
... وكل هذه المعاني لهذه الألفاظ قد اعتقدها الجهال وكلها بجميع معانيها المذكورة منفية بنص الحديث. ولله الحمد والمنّة.معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي -بتصرف – ص1160


انظر أيضا: