trial

الموسوعة العقدية

المطلب الرابع: أهل التحريف أصل شبهتهم والرد عليهم


يتذرع بالتحريف كل معطل تجبهه صراحة النصوص في الإثبات، سواء كان من أهل التعطيل الكلي كالجهمية والمعتزلة، أو كان من أهل التعطيل الجزئي كالمتكلمين من الأشاعرة, والماتريدية, والكلابية، وغيرهم من نظار المثبتة.
وقد نبه شيخ الإسلام رحمه الله إلى اتفاق منابع التأويل، وأن ما يتأوله أصحاب التعطيل الجزئي إنما تلقفوه عمن سبقهم من أصحاب التعطيل المحض، فقال: (وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه: (تأسيس التقديس)، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسن البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد الغزالي وغيرهم – هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه، وإن كان يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضاً. ولهم كلام حسن في أشياء) ((مجموع الفتاوى)) (5/23).     .
ومن هذا النص يتبين أن من وقع في التأويل المذموم على ضربين:
1- من اتخذه منهجاً ثابتاً، وقاعدة مطردة يعامل بها النصوص، كبشر المريسي، والنفاة نفياً مطلقاً.
2- من اضطرب قوله في ذلك ولم يسر على قاعدة مطردة، بل وقع له تأويل، ورد تأويل، وهو حال كثير من (الصفاتية) من الأشاعرة وغيرهم.
ولكنهم يتفقون – كل فيما رده - في تبرير تأويلاتهم بعلة عليلة تحمل علامات بطلانها في ثناياها (فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها. ومقصوده امتحانهم، وتكليفهم، وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله، ومقتضاه، ويعرف الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية، والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك).
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه كثيرة أبرزها:
1- أن هذا المسلك قائم على أن أسماء الله وصفاته مجاز لا حقيقة، (ولو كانت أسماء الله وصفاته مجازاً يصح نفيها عند الإطلاق لكان يجوز أن الله ليس بحي، ولا عليم، ولا قدير، ولا سميع، ولا بصير، ولا يحبهم، ولا يحبونه، ولا استوى على العرش، ونحو ذلك. ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاق النفي على ما أثبته الله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات. بل هذا جحد للخالق وتمثيل له بالمعدومات. وهم مقرون أن علامة المجاز صحة نفيه عند الإطلاق.
2- أن المعاني التي ادعاها أهل التأويل المذموم معان مجازية باعترافهم وليست هي المعاني التي دلت عليها ظواهر الألفاظ، (فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه، وحقيقتها المفهومة منها: إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لا بد فيه من أربعة أشياء:
أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلابد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له وإن لم يكن له أصل في اللغة.
الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، و في معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
الثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل – الصارف – عن معارض؛ وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مراده امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرا فلا بد من الترجيح.
الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلابد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أولم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد، والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه – سبحانه وتعالى – جعل القرآن نوراً وهدى وبياناً للناس وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ثم هذا الرسول الأمي العربي بعث بأفصح اللغات، وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علماً، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره، إلا وقد نصب دليلاً يمنع من حمله على ظاهره؛ إما أن يكون عقلياً ظاهراً، مثل قوله: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [ النمل: 23].، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام: 102]. يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم. أو سمعياً ظاهراً، مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر. ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعياً أو عقلياً؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة؛ وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه، ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئاً من ظاهره، كان هذا تدليساً وتلبيساً، وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان. فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟! أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟!) ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (6/360 - 362). وانظر: ((الوظائف الواجبة عل المتأول الذي لا يقبل منه تأويله إلا بها - في الصواعق المرسلة)) (1/ 288- 295).     .
3- أن مسلكهم هذا في تحريف نصوص الصفات، يوقعهم في التناقض والاضطراب والتفريق بين المتماثلات، وذلك أن هؤلاء المتكلمين مقرون بنصوص الغيب الأخرى من الإيمان باليوم الآخر وأنها حق على حقيقتها، بخلاف الملاحدة الباطنية الذين طردوا القول في الأمرين؛ نصوص الصفات ونصوص المعاد، وأنهما مجاز وتخييل لا تراد حقيقته، وإنما قصد به انتفاع العامة بحملهم على الطاعة والسلوك القويم خوفاً من تخييلات لا حقيقة لها. فصاروا هدفاً لهؤلاء الملاحدة من جهة النفي, ولأهل السنة من جهة الإثبات بسبب اضطراب طريقتهم وتناقضها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في تصوير حال هؤلاء المحرفين: (أنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم - في الحقيقة – لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا؛ لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في النصوص – نصوص المعاد – نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة.
وأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات. ونصوص الصفات في الكتب الإلهية: أكثر وأعظم من نصوص المعاد. ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول، وناظروه عليه؛ بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئاً منها أحد من العرب.
فعلم إن إقرار العقول بالصفات، أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟!) ((مجموع الفتاوى)) (5/33).     .
وكما أن هذا التناقض لازم لكل محرف سواء كان تحريفه كلياً أو جزئياً، فإن أصحاب التحريف الجزئي من المتكلمين كالكلابية والأشاعرة يلزمهم لازم أخص وهو أن: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض. فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازاً، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به) ((التدمرية, ابن تيمية)) (31 - 32).          . وحسبك بالتناقض والاضطراب دليلاً على فساد المنهج يراجع في إبطال مذهب أهل التأويل كتاب: ((الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)) فقد توسع مؤلفه رحمه الله في سرد أوجه بطلانه بما لم يجتمع في غيره.             . مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص 119


انظر أيضا: