trial

الموسوعة العقدية

المطلب الثالث: الفرق بين التحريف والتأويل


لما كان الإيمان بخبر الله ورسوله أصل هذا الدين، لم يسع أحداً من أهل البدع المنتسبين إلى الملة رد ألفاظ النصوص الثابتة المتواترة من كتاب وسنة مما يخالف أصل بدعتهم، لكنهم سلكوا مسلكاً آخر وهو رد معانيها الثابتة الصحيحة التي فهمها سلف هذه الأمة عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، واستبدالها بمعان محدثة ابتكروها لتوافق بدعتهم. وهذه حقيقة التحريف. إلا أنهم تلطيفاً لبشاعة مسلكهم هذا سموه بغير اسمه، وزعموا أنه (تأويل) لا (تحريف)، حتى شاع هذا المصطلح وذاع في المتأخرين، وعد من طريقة أهل السنة والجماعة، ووصف ب (العلم) و(الحكمة) حتى قيل: (طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم).
لكن التواضع على الخطأ لا يقلب الباطل حقاً، ولا يغير حقائق الأشياء لا سيما ما كان صادراً عن معصوم. قال شيخ الإسلام – رحمه الله -: (الأقوال نوعان:
- أقوال ثابتة عن الأنبياء فهي معصومة؛ يجب أن يكون معناها حقاً، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، والبحث عنها إنما هو عما أرادته الأنبياء، فمن كان مقصوده معرفة مرادهم من الوجه الذي يعرف مرادهم فقد سلك طريق الهدى، ومن قصد أن يجعل ما قالوه تبعاً له؛ فإن وافقه قبله وإلا رده وتكلف له من التحريف ما يسميه تأويلاً، مع أنه يعلم بالضرورة أن كثيراً من ذلك أو أكثره لم ترده الأنبياء، فهو محرف للكلم عن مواضعه، لا طالب لمعرفة التأويل الذي يعرفه الراسخون في العلم.
- النوع الثاني: ما ليس منقولاً عن الأنبياء، فمن سواهم، ليس معصوماً، فلا يقبل كلامه ولا يرد إلا بعد تصور مراده، ومعرفة صلاحه من فساده). ((مجموع الفتاوى)) (4/191). .
وعليه، فلا يسلم لهم تسمية (تحريفهم) (تأويلاً) بإطلاق. وسبب ذلك (أن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملاً في ثلاثة معان:
أحدهما: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها، وهل هذا محمود أم مذموم، وحق أو باطل؟
الثاني: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير: (واختلف علماء التأويل) انظر: ((تفسير الطبري)) (1/237)، و((تفسير الماوردي)) (1/101) بلفظ: ((اختلف أهل التأويل))، و((تفسير القرطبي)) (1/278)، و((تفسير ابن عادل)) (ص: 127). .
الثالث: من معاني التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: 53]، فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما يكون من القيامة, والحساب, والجزاء, والجنة, والنار، ونحو ذلك، كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته: وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ [يوسف: 100]. فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا) ((التدمرية)) (89- 97), وانظر الصواعق المرسلة 1/175 - 180            .
فلما كان لفظ (التأويل) تتنازعه هذه المعاني، وإنما أراد مدعوه المعنى الأول منها فقط، كما أن ذلك المعنى قد يكون صحيحاً وقد يكون فاسداً بحسب صحة الدليل الصارف أو فساده لم يجز أن يسمى صنيعهم ذلك تأويلاً، وقد قام على شبهة فاسدة، فإطلاق القول يوقع في الوهم.
ولهذا فإن السلف – رحمهم الله – لم يمنعوا التأويل مطلقاً، وإنما منعوا التحريف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان ذلك: (.. كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم – من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه – تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله. وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينف مطلق لفظ (التأويل) كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله به؛ فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو. .
وأما التأويل المذموم والباطل: فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله، بغير دليل يوجب ذلك) ((مجموع الفتاوى)) (3/66 - 67).          . مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص 116


انظر أيضا: