trial

الموسوعة العقدية

المطلب السادس: خطورة مقالة التعطيل


ظهرت مقالة التعطيل التي هي مقالة (الجهمية) في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية ((منهاج السنة)) (1/309)، ((مجموع الفتاوى)) (13/177). .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: (هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين, من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا. وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية؛ لما ظهر (الجعد بن درهم) وصاحبه (الجهم بن صفوان) ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات) ((مجموع الفتاوى)) (6/33). .
وقد جاءت هذه المقالة من حيث الترتيب بعد مقالات الخوارج، والشيعة, والقدرية, والمعتزلة, والمرجئة، فقد كانت تلك المقالات أسبق في الظهور منها. لكن مقالة التعطيل تعد أغلظ تلك البدع، والسبب في ذلك:
أولاً: أن أصحاب هذه المقالة كانوا أول من عارض الوحي بالرأي, ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي رضي الله عنه، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص, ويستدلون بها على قولهم، ولا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص ((درء تعارض العقل والنقل)) (5/244). .
قال ابن القيم رحمه الله: (مضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور – أي نور الوحي – لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء، وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها, والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم.
فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير, وكانوا لا يرون السلام عليهم, ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.
فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي) ((الصواعق المرسلة)) (3/1069-1070). .
ثانياً: أن بدعة هؤلاء كانت في أعظم مسائل الإيمان، ألا وهي الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، بل أعظم مسائل الدين، وهذا ما لم يسبقهم إليه أحد من أهل المقالات إلا القدرية؛ روى عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي المعتمر سليمان ابن طرخان التيمي قال: (ليس قوم أشد نقضاً للإسلام من الجهمية والقدرية، وأما الجهمية فقد بارزوا الله تعالى؛ وأما القدرية فقد قالوا في الله عز وجل) ((السنة)) لعبد الله بن الإمام أحمد (1/104، 105) رقم (8). .
ودخل رأس من رؤوس الزنادقة يقال له (شمعلة) على المهدي فقال: دلني على أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك. فقال: دلني عليهم. فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية. الجهمي إذا غلا قال: ليس ثم شيء وأشار إلى السماء. والقدري إذا غلا قال: هما اثنان، خالق خير, وخالق شر؛ فضرب عنقه وصلبه كتاب ((خلق أفعال العباد)) (ص: 11)، ((توضيح المقاصد وتصحيح القواعد)) (1/48). .
وقال عبد الله بن المبارك: (ليس تعبد الجهمية شيئاً) ((السنة)) لعبد الله بن الإمام أحمد (1/109) رقم (17). .
وقد مضى عصر الصحابة وعقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته محفوظة مصونة؛ إلى أن ابتدع الجعد مقالته في أواخر عصر التابعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام – أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك – هو الجعد بن درهم) ((الفتوى الحموية)) (ص: 47). .مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: 33


انظر أيضا: