trial

الموسوعة العقدية

أربع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله السميع


1) إثبات صفة السمع له سبحانه وتعالى كما وصف الله عز وجل نفسه. قال الأزهري رحمه الله: والعجب من قوم فسروا (السميع) بمعنى المسمع فراراً من وصف الله بأن له سمعاً، وقد ذكر الله الفعل في غير موضع من كتابه، فهو سميع ذو سمع، بلا تكييف ولا تشبيه بالسمع من خلقه، ولا سمعه كسمع خلقه ونحن نصف الله بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تكييف ((النونية)) (2/215). .
وقد بوب البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد: باب (وكان الله سميعاً بصيراً).
قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب الرد على من قال إن معنى (سميع بصير) عليم، قال ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها، والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتاً ولا يسمعها.
ولا شك أن من سمع وأبصر أدخل في صفة الكمال ممن انفرد بأحدهما دون الآخر، فصح أن كونه سميعاً بصيراً يفيد قدراً زائداً على كونه عليماً، وكونه سميعاً بصيراً يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر، كما تضمن كونه عليماً أنه يعلم بعلم ولا فرق بين إثبات كونه سميعاً بصيراً وبين كونه ذا سمع وبصر.
2) إن سمع الله تبارك وتعالى ليس كسمع أحد من خلقه، فإن الخلق وإن وصفوا بالسمع والبصر كما في قوله تعالى إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: 2]، لكن هيهات أن يكون سمعهم وبصرهم كسمع وبصر خالقهم جل شأنه، قد نفى الرب سبحانه المشابهة عن نفسه بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] لأن سمع الله وبصره مستغرق لجميع المسموعات والمرئيات لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخلفي سراً كان أو جهراً.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: 1] رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم بعد حديث (7385)، ورواه موصولاً النسائي (6/168)، وابن ماجه (188)، وأحمد (6/46) (24241). قال ابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (1/163)، وابن حجر في ((تغليق التعليق)) (5/339)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)): صحيح. .
وفي رواية: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء رواه ابن ماجه (1691)، والحاكم (2/523). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (2/1264): أصله في البخاري من هذا الوجه إلا أنه لم يسمها. .
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكنا إذا علونا كبرنا. فقال: ((أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، تدعون سميعاً بصيراً قريبا...)) رواه البخاري (4202)، ومسلم (2704). .
قال ابن بطال: في هذا الحديث نفي الآفة المانعة من السمع، والآفة المانعة من النظر، وإثبات كونه سميعاً بصيراً قريباً، يستلزم أن لا تصح أضداد هذه الصفات عليه ((الفتح)) (13/375). .
وفي بيان الفرق بين سمع الخالق والمخلوق، يقول أبو القاسم الأصبهاني: خلق الإنسان صغيراً لا يسمع، فإن سمع لا يعقل ما يسمع، فإذا عقل ميز بين المسموعات فأجاب عن الألفاظ بما يستحق، وميز الكلام المستحسن من المستقبح، ثم كان لسمعه مدى إذا جاوزه لم يسمع، ثم إن كلمه جماعة في وقت واحد عجز عن استماع كلامهم، وعن إدراك جوابهم.
والله عز وجل السميع لدعاء الخلق وألفاظهم عند تفرقهم واجتماعهم مع اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، يعلم ما في قلب القائل قبل أن يقول، ويعجز القائل عن التعبير عن مراده فيعلم الله فيعطيه الذي في قلبه، والمخلوق يزول عنه السمع بالموت والله تعالى لم يزل ولا يزال، يغني الخلق ويرثهم فإذا لم يبق أحد قال: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فلا يكون من يرد! فيقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: 16] ((الحجة في المحجة)) (ورقة 14ب – 15أ). .
واشتراك المخلوق مع الخالق سبحانه في هذا الاسم لا يعني المشابهة، فإن صفات المخلوق تناسب ضعفه وعجزه وخلقه، وصفات الخالق تليق بكماله وجلاله سبحانه وتعالى.
3) وقد أنكر الله تبارك وتعالى على المشركين الذين ظنوا أن الله لا يسمع السر والنجوى.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي – أو ثقفيان وقرشي – كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم. فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله عز وجل وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ [فصلت: 22] رواه البخاري (4816)، ومسلم (2775). .
وكذا قوله تعالى أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى [الزُّخرف: 80].
4) ورد الاسم مقروناً بغيره من الأسماء كقوله تعالى سَمِيعٌ عَلِيمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ و سَمِيعٌ قَرِيبٌ وهي تدل على الإحاطة بالمخلوقات كلها، وأن الله محيط بها، لا يفوته شيء منها ولا يخفى عليه، بل الجميع تحت سمعه وبصره وعلمه. وفي ذلك تنبيه للعاقل وتذكير، كي يراقب نفسه، وما يصدر عنها من أقوال وأفعال، لأن خالقه وربه لا يخفى عليه شيء منها، وأنه سبحانه محصيها عليه ثم يجازي بها في الآخرة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ومتى آمن الناس بذلك وتذكروه فإن أحوالهم تتغير من القبيح إلى الحسن ومن الشر إلى الخير.
وإذا نسوا ذلك وتناسوه وغفلوا عنه ففي ذلك ما يكفي لفساد الدنيا وخرابها، والناظر في أحوال الناس يرى ذلك واضحاً جلياً.
5) الله هو (السميع) الذي يسمع المناجاة ويجيب الدعاء عند الاضطرار ويكشف السوء، ويقبل الطاعة.
وقد دعا الأنبياء والصالحين ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186].
فإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام قالا رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] وهما يرفعان قواعد البيت الحرام.
وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصاً لله، لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ [آل عمران: 35].
ودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء [آل عمران: 37] فاستجاب الله دعاءه.
ودعا يوسف عليه الصلاة والسلام ربه أن يصرف عنه كيد النسوة فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: 34].
وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن.
قال تعالى وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 200].
قال ابن كثير: سميع لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به من نزغه ولغير ذلك من كلام خلقه لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه ((ابن كثير)) (2/278). .النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: 214


انظر أيضا: