trial

الموسوعة العقدية

سبع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الجواد


أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالجود وكثرة العطاء فإنه يحرص على مواقع فضله ورحمته تعالى، فإنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين فهو يحب الإحسان والجود والعطاء والبر، وذلك أن الفضل كله بيده والخير كله منه. قال الإمام ابن القيم: وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه، أحوج ما هو إليه أعظم ما كان قدراً، فإذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها فما الظن بفرح المعطي؟ ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه ولله المثل الأعلى... فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله؟ ولو أن أهل سماواته وأرضه، وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد ما سأله: ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة وهو الجواد لذاته، كما أنه الحي لذاته، العليم لذاته، السميع البصير لذاته فجوده العالي من لوازم ذاته، ... ((مدارج السالكين)) (1/233، 234). .
والجود صفة الكرماء وشيمة النبلاء، كانت العرب تفاخر به وتطاول حتى تنافس فيه أقوام. وهو عشر مراتب جمعها الإمام ابن القيم في (مدارج السالكين) فقال:
أحدها: الجود بالنفس وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر:


يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها




والجود بالنفس أقصى غاية الجود ((موسوعة الشعر العربي))، معهد البحوث العلمية بجامعة أم القرى (1/533)، والبيت لأبي الشيص الخزاعي.

الثانية: والجود بالرياسة. وهو ثاني مراتب الجود، ويحمل الجواد جوده على امتهان رياسته والجود بها والإيثار في قضاء حاجات الملتمس.
الثالثة: الجود براحته ورفاهيته، وإجمامه نفسه، فيجود بها تعباً وكداً في مصلحة غيره، ومن هذا جود الإنسان بنونه ولذته لمسامره كما قيل:


متيم بالندى لو قال سائله




هب لي جميع كرى عينيك لم ينم

الرابعة: الجود بالعلم وبذله، وهو من أعلى مراتب الجود، والجود به أفضل من الجود بالمال، لأن العلم أشرف من المال.
الخامسة: الجود بالنفع بالجاه، كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان، ونحوه وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد، كما أن التعليم وبذل العلم زكاته.
السادسة: الجود ينفع البدن على اختلاف أنواه كما قال صلى الله عليه وسلم: ((يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين: صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها، أو يرفع له عليها متاعه: صدقة، والكلمة الطيبة: صدقة، وبكل خطوة مشيها الرجل إلى الصلاة: صدقة، ويميط الأذى عن الطريق: صدقة)) رواه البخاري (2989)، ومسلم (1009). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
السابعة: الجود بالعرض، كجود أبي ضمضم من الصحابة رضي الله عنهم، كان إذا أصبح قال: اللهم إنه لا مال لي، أتصدق به على الناس، وقد تصدقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم)) رواه بنحوه أبو داود (4887)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (6/2751)، والضياء (5/150). من حديث أنس رضي الله عنه. قال البيهقي: الصحيح رواية من رواه مرسلاً، وقال الضياء: رجاله موثقون والصحيح أنه مرسل. .
الثامنة: الجود بالصبر والاحتمال، والإغضاء، وهذه مرتبة شريفة من مراتبه وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر، وأملك لنفسه، وأشرف لها، ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار.
التاسعة: الجود بالخلق والبشر والبسطة، وهو فوق الجود بالصبر، والاحتمال والعفو، وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وهو أثقل ما يوضع في الميزان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه)) رواه أبو داود (4084)، وأحمد (5/63) (20651)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (5/486) (9691)، والطبراني (7/63) (6384)، وابن حبان (2/281) (522)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (6/252). من حديث أبي جري الجهني رضي الله عنه. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (1144): حسن غريب، وقال الذهبي في ((المهذب)) (8/4253): لبعضه طرق عن جابر وإسناده حسن. والحديث رواه مسلم (2626) بلفظ: ((لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. .
العاشرة: الجود بتركه ما في أيدي الناس عليهم، فلا يلتفت إليه، ولا يستشرف له بقلبه، ولا يتعرض له بحاله، ولا لسانه، وهذا الذي قال عبد الله بن المبارك: (إنه أفضل من سخاء النفس بالبذل)، فلسان حال القدر يقول للفقير الجواد: وإن لم أعطك بما تجود به على الناس، فجد عليهم بزهدك في أموالهم وما في أيديهم تفضل عليهم، وتزاحمهم في الجود، وتنفرد عنهم بالراحة، ولكل مرتبة من مراتب الجود مزيد وتأثير خاص في القلب والحال، والله سبحانه وتعالى قد ضمن المزيد للجواد، والإتلاف للإمساك، والله المستعان ((مدارج السالكين)) (2/305-308) باختصار. . منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: 461


انظر أيضا: