trial

الموسوعة العقدية

أربع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المنّان


أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالمن والعطاء الكثير الذي ليس وراءه استثابة فإنه يستشعر مواهب الله العظيمة، فهو الذي أعطى الحياة والعقل والمنطق وصور فأحسن الصور، وأنعم فأجزل وأسنى النعم، وأكثر العطايا والمنح فقال وقوله الحق: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل: 18].
قال الإمام ابن القيم في معرض كلامه عن الأول والآخر والظاهر والباطن: فانظر: كيف كانت هذه الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر والباطن؛ جماع المعرفة وجماع العبودية له. فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته فلا يرى لغيره شيئا إلا به وبحوله وقوته.. فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة وشهد معنى اسمه المنان، وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه الأول، ذهل القلب والنفس به، وصار العبد فقيراً إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، ... ((طريق الهجرتين)) (ص: 26). .
ومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن يأخذ المؤمن بحظه ونصيبه من هذه الصفة على وجهها الحسن من العطاء والصنع الجميل والإحسان إلى الخلق، وحاديه في ذلك السلف الصالح الذين ضربوا أروع الأمثلة في العطاء والفضل. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه جاء بما له ولم يبق لأهله منه شيء جاء يقدمه للإسلام والمسلمين فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((وإن من أمن الناس علي في ماله أبو بكر)) رواه البخاري (3654) وقوله: ((ما أحد أمن علي من أبي بكر واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته)) رواه الطبراني (11/191) (11461). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (9/49): فيه أرطأة أبو حاتم وهو ضعيف. . وهذا عمر الفاروق الذي أعطى الإسلام حياته كلها دمه ودموعه ليله ونهاره حتى ضرب الإسلام بأطنابه، وقال فيه القائل:


وراع صاحب كسرى أو رأى عمراً




بين الرعية عطلاً وهو راعيها


وعهده بملوك الفرس أن لها




سوراً من الجند والأحراس يحميها


رآه مستغرقاً في نومه فرأى




فيه الجلالة في أسمى معانيها


وقال قولة حق أصبحت مثلاً




وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها


أمنت لما أقمت العدل بينهم




فنمت نوم قرير العين هانيها ((شرح ديوان حافظ إبراهيم)) (ص: 388، 389).

ولا زال يأمر وينهي بالإسلام حتى وهو مضرج بدمائه، ويحكى عنه رضي الله عنه، أن أعرابياً أتاه فقال:


يا عمر الخير جزيت الجنة




أكس بنياتي وأمهنه


وكن لنا من الزمانا جنة




أقسم بالله لتفعلنه

قال عمر: إن لم أفعل يكون ماذا؟ قال:
إذا أبا حفص لأذهبنه.
قال: إذا ذهبت يكون ماذا؟ قال:


يكون عن حالي لتسألنه




يوم يكون الأعطيات منة


وموقف المسؤول بينهنه




إما إلى نار وإما جنة

فبكى عمر حتى اختضلت لحيته بالدمع ثم قال: يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره، فوالله لا أملك غيره ((أسنى في شرح الأسماء الحسنى)) للقرطبي (1/263). .
وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي حفر بئر رومة وجهز الجيوش بماله وأعطى عطاء من لا يخشى الفقر حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما على عثمان فعل بعد هذا)) رواه الترمذي (3701), وأحمد (5/63) (20649)، والحاكم (3/110). من حديث عبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)). . وهذا علي رضي الله عنه قام مقام إخوانه وأصحابه حتى جعلت محبته من علامة الإيمان وبغضه علامة للنفاق الحديث رواه مسلم (78) بلفظ: (قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلى أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق). ، قام بالدين خير قيام حتى طعن وهو يصلي بالناس فكانت حياته مليئة بالعطاء والعلم والجهاد فرضي الله عنهم أجمعين، ولا يزال في الأمة بحمد الله من يترسم خطى هؤلاء المؤمنين –من الأئمة والعلماء والصالحين- في العطاء والتنافس والبذل والمسارعة فيه ولكل مجتهد نصيبه وكل آخذ بحظه ونصيبه من ذلك وكل ميسر لما خلق له.
ومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن لا يمن المؤمن بعلمه ولا بعمله. قال الإمام ابن القيم: (فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمل فطرته وأوقفه على مبادئ الأمور وغاياتها، ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كالمفلس حقاً من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه يقول: أستغفر الله من علمي ومن عملي، أي انتسابي إليهما وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما وابتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني يوجب ذلك... ((طريق الهجرتين)) (ص: 26). . منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي الغامدي - بتصرف – ص: 451


انظر أيضا: