موسوعة الأخلاق

ثانيًا: التَّرغيب في سلامة الصَّدر في السُّنَّة النَّبويِّة


- عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يُبَلِّغُنِي أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا، فإنِّي أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سَلِيم الصَّدر)) [1674] رواه أبو داود (4860)، والتِّرمذي (3896)، وأحمد (1/395) (3759)، والبزار (5/406) (2038)، وأبو يعلى (9/266، رقم 5388)، والبيهقي (8/166) (17119)، قال التِّرمذي: غريب من هذا الوجه، وقال أحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (5/286): إسناده حسن على الأقل. وضعَّفه الألباني في ((ضعيف سنن أبي داود)) (4860).
هذا الحديث يكشف عن مدى اهتمام المصطفى صلى الله عليه وسلم بسَلَامة صدره، فهو ينهى ويحذِّر من أن يُنْقَل إليه ما يُوغِر صَدْره، ويغيِّر قلبه تجاه أصحابه الكرام، رضوان الله عليهم أجمعين.
قال المباركفوري شارحًا لهذا الحديث: (قوله: ((لا يُبَلِّغُنِي)) أي: لا يوصلني. ((من أحد)) أي: من قبل أحد. ((شيئًا)) أي: مما أكرهه وأغضب عليه، وهو عامٌّ في الأفعال والأقوال، بأن شتم أحدًا وآذاه، قال فيه خصلة سوء. ((فإنِّي أحبُّ أن أخرج إليهم)) أي: من البيت وأُلَاقيهم. ((وأنا سليم الصَّدر)) أي: من مساويهم. قال ابن الملَك: والمعنى: أنَّه صلى الله عليه وسلم يتمنَّى أن يخرج من الدُّنيا وقلبه راض عن أصحابه، من غير سخط على أحد منهم) [1675] ((تحفة الأحوذي)) (10/270).
- وعن محمَّد بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أوَّل من يدخل من هذا الباب، رجل من أهل الجنَّة، فدخل عبد الله بن سَلاَمِ، فقام إليه ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك، وقالوا: أخْبِرْنا بأوثق عملٍ في نفسك ترجو به. فقال: إنِّي لضعيف، وإنَّ أوثق ما أرجو به الله سَلَامة الصَّدر، وترك ما لا يعنيني)) [1676] رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (ص 94)، قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (3/139): أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلًا، وفيه أبو نجيح اختلف فيه.
وهنا يذكر عبد الله بن سَلَام رضي الله عنه أنَّه لم يكن له كثير عمل استحق علية شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنَّة، إلَّا أنَّ أرجى عمل وأوثقه لديه هو: أنَّه كان سليم الصَّدر مشتغل عما لا يعنيه.
 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خبٌّ لئيم )) [1677] رواه أبو داود (4790)، والتِّرمذي (1964)، وأحمد (2/394) (9107)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (418)، وأبو يعلى (10/401) (6007)، والحاكم (1/103)، والبيهقي (10/195) (21330). قال التِّرمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البغوي في ((شرح السُّنَّة)) (6/481): غريب. وقال المنذري في ((التَّرغيب والتَّرهيب)) (3/340): رواته ثقات، سوى بشر بن رافع، وقد وُثِّق. وقال الذهبي في ((المهذب)) (8/4202): فيه حجَّاج، تُكُلِّم فيه. وقال الشَّوكاني كما في ((الفتح الرباني)) (11/5507): رجاله إسناده ثقات. وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4790).
قال المناوي: (... ((المؤمن غِرٌّ)) أي: يغُرُّه كلُّ أحد، و يغُرُّه كلُّ شيء، ولا يعرف الشَّرَّ، وليس بذي مَكْر ولا فطنة للشَّرِّ، فهو يَنْخَدع لسَلَامة صَدْره، وحسن ظنِّه، وينخَدع لانقياده ولينه. ((كريم)) أي: شريف الأخلاق. ((والفاجر)) أي: الفاسق. ((خبٌّ لئيم)) أي: جريء، فيسعى في الأرض بالفساد، فالمؤمن المحمود: من كان طبعه الغَرَارة، وقلَّة الفِطْنة للشَّرِّ، وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلًا، والفاجر من عادته الخُبث والدَّهاء والتَّوغل في معرفة الشَّرِّ، وليس ذا منه عقلًا) [1678] ((فيض القدير)) (6/254).
- وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أي النَّاس أفضل؟ قال: كلُّ مَخْموم القلب، صدوق اللِّسان. قالوا: صدوق اللِّسان نعرفه، فما مَخْموم القلب؟ قال: هو النَّقيُّ التَّقيُّ، لا إثم عليه، ولا بَغْي ولا غلٌّ ولا حسد )) [1679] رواه ابن ماجه (3416)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/183)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (5/264) (6604). وصحَّح إسناده المنذري في ((التَّرغيب والتَّرهيب)) (4/33)، والبوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (2/325)، والعراقي في ((تخريج الإحياء)) (3/18)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (3416).
قال علي القاري: (أي: سليم القلب، لقوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشُّعراء: 89] ، من خَمَمْت البيت، إذا كنسته، على ما في ((القاموس)) وغيره، فالمعنى: أن يكون قلبه مكنوسًا من غبار الأغيار، ومُنَظَّفًا من أخلاق الأقذار) [1680] ((مرقاة المفاتيح)) لملا علي القاري (8/3267- 3268).

انظر أيضا: