موسوعة الأخلاق

نماذج تطبيقيَّة مِن حياة الصَّحابة في التَّعاون


كان الصَّحابة رضوان الله عليهم مثالًا يُحْتَذى بهم في التَّعاون، وكانوا في ذلك المثل الأسمى، فكانوا كخليَّة النَّحل في تكاتفها وتعاونها، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى، و(في الوقت الذي كان فيه أبو عبيدة بن الجرَّاح وسعد بن أبي وقَّاص، وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص يفتحون مصر والشَّام والعراق، كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يسوسون النَّاس، ويرعون شؤونهم، وكان معاذ بن جبل وابن عبَّاس وابن عمر يعلِّمون النَّاس، ويفتونهم ويربُّونهم، وكان أبو هريرة وأنس وعائشة يحفظون الحديث ويروونه، وكان أبو ذرٍّ وأبو الدَّرداء يعظون النَّاس والحكَّام وينصحونهم، فتعاونوا ولم يتعايبوا.. وتناصروا ولم يتدابروا) [691] ((التيه والمخرج)) لعدنان عرعور (53-54).
ونقف هنا وقفات مع نماذج مِن تعاون الصَّحابة رضي الله عنهم.
تعاون الصَّحابة رضي الله عنهم في حفر الخندق:
- نقل لنا الصَّحابيُّ الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه صورة مِن تعاون الصَّحابة وتكاتفهم في حفر الخندق، فيقول: ((جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التَّراب على متونهم، ويقولون:


نحن الذين بايعوا محمَّدًا





على الإسلام ما بقينا أبدًا


والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يجيبهم ويقول:


اللَّهمَّ إنَّه لا خير إلَّا خير الآخرةْ





فبارك في الأنصار والمهاجرةْ )) [692] رواه البخاري (2835).


تعاون أبي بكر وأهل بيته مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في هجرته:

- جهَّز أبو بكر راحلتين عندما أعلمه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وخاطر بنفسه وهاجر مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعندما وصلا غار ثور دخل أبو بكر أوَّلًا ليستبرأ الغار للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كي لا يصيبه أذى، وأعدَّت أسماء بنت أبي بكر لهما جهاز السَّفر، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتي لهما بأخبار قريش، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر يريح الغنم عليهما وهما في الغار ليشربا مِن لبنها، وفي طريقهما إلى المدينة كان أبو بكر إذا تذكر طلب قريش للرَّسول صلى الله عليه وسلم مشى خلفه، وإذا تذكر رصدها له مشى أمامه [693] انظر: ((صحيح البخاري)) حديث رقم (3905).
تعاون الصَّحابة رضوان الله عليهم في بناء المسجد النبوي:
- عندما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لبني النَّجار: ((يا بني النَّجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله، فقال أنسٌ: فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين، وفيه خربٌ وفيه نخلٌ، فأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين، فنُبِشَت، ثمَّ بالخرب فسوِّيت، وبالنَّخل فقطِّع، فصفُّوا النَّخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصَّخر وهم يرتجزون والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم معهم، وهو يقول: اللَّهمَّ لا خير إلَّا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة )) [694] رواه البخاري (428)، ومسلم (524).
تعاون الأنصار مع المهاجرين بعد الهجرة:
- قال عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه: ((آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الرَّبيع، فقال لي سعد: إنِّي أكثر الأنصار مالًا، فأقاسمك مالي شطرين، ولي امرأتان، فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها، فإذا حلَّت تزوجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلُّوني على السُّوق، فدلُّوني على سوق بني قينقاع، فما رحت حتى استفضلت أقِطًا [695] الأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (7/257). وسمنًا )) [696] رواه البخاري (2048).
- وقالت الأنصار للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((اقسم بيننا وبينهم النَّخل، قال: لا. قال: يكفوننا المئونة ويشركوننا في التَّمر. قالوا: سمعنا وأطعنا )) [697] رواه البخاري (3782).
ومِن تعاون الصَّحابة أيضًا:
- موقفهم في قصَّة سلمان رضي الله عنه عندما كاتب سيِّده، وكان فقيرًا لا يملك ما كاتب عليه، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للصَّحابة: ((أعينوا أخاكم)) فأعانوه، حتى تحرَّر مِن رقِّه، وأصبح حرًّا [698] رواه أحمد (5/441) (23788)، والبزار (6/462) (2500)، والطَّحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (12/228)، والطَّبراني (6/222) (6065). قال ابن العراقي في ((طرح التَّثريب)) (4/42): إسناده جيِّد، وحسَّن إسناده الألباني في ((السِّلسلة الصَّحيحة)) (2/556)، وحسَّن الحديث الوادعي في ((الصَّحيح المسند)) (84).
ميادين التَّعاون
(لقد أقام الإسلام التَّعاون بين المسلمين على أساس مُحْكَم، ومدَّ له في كلِّ ناحية مِن نواحي الحياة بسببٍ. فالتَّمثيل القرآني لأهل الإيمان أنَّهم كالبنيان المرصوص، وفي التَّمثيل النَّبوي كالجسد الواحد. فأمور الإسلام ومطلوباته لا تتحقَّق على وجهها إلَّا بالتَّعاون. ودين الله بنيان شامخ لا يقوم ولا يثبت إلَّا حين تتراص لبناته، وتتضامن مبانيه؛ لتسدَّ كلُّ لبنة ثغرتها.
وإذا كان الله سبحانه قد خَلَق الخَلْق لعبادته وطاعته فإنَّ هذه العبادات والطَّاعات أنواع: قلبيَّة عقليَّة كالإيمان، وبدنيَّة كالصَّلاة، وماليَّة كالزَّكاة، ومركَّبة مِن البدن والمال كالحجِّ والجهاد.
وكلُّ هذه العبادات بأنواعها لا تقام ولا تشاد إلَّا بوسائلها: مِن صحة الفكر، وسلامة البدن، وسعة ذات اليد. ولهذه الوسائل وسائل: مِن التَّفقُّه في الدِّين، والإحسان في الأعمال؛ مِن زراعة وصناعة وحرف، وإتقان في العلوم والمعارف؛ مِن الطِّب والحساب والهندسة والمعامل والمختبرات. ومِن المقطوع به -كما سبق- أنَّ الإنسان بمفرده بل حتى الرَّهط مِن النَّاس والجماعة المحدودة مِن القوم لا تستطيع بهذه الوسائل الانفراد بتحقيق هذه المقاصد. ومنه يتبيَّن حاجة النَّاس إلى الاجتماع والتَّآزر، فذلك ما تقتضيه الفطرة، ويتطلبه الدِّين، وتنتظم به الشؤون، وتستقيم به العلوم.
وهذا بعض البسط لصورٍ مِن التَّعاون في أحكام الإسلام وآدابه، وإذا استجلاها رجل الدَّعوة عرف ضرورة التَّعاون وحاجته إليه في ميدانه ومجاله.
فالصَّلوات الخمس جماعة وجمعة، وصلاة العيدين وآدابهما، والحجُّ بشعائره، وعقد النِّكاح بوليمته وآدابه، وعقيقة المولود، وإجابة الدَّعوى حتى للصَّائم، كلُّها مناشط عباديَّة اجتماعيَّة تعاونيَّة، ولا تكون صورتها الشَّرعية إلَّا كذلك.
وينضمُّ إلى اجتماع الأعياد اجتماع الشدائد والكرب في صلوات الاستسقاء والكسوف والجنازة.
إنَّه انتظام عجيب بين أهل الإسلام في مواطن السُّرور والحزن، ناهيك بصورة الأخوَّة، ومبدأ الشُّورى، وحقوق المسلمين فيما بينهم؛ في القربى والجوار والضَّيف وابن السَّبيل واليتامى والمساكين، مع ما يحيط بذلك مِن سياج الآداب الاجتماعيَّة؛ مِن إفشاء السَّلام، وفسح المجالس،...
أمَّا أنواع المعاملات والتَّعاملات فذلك جليٌّ في عقود المضاربة والعارية والهبة والمهاداة وفرض الدِّية على العاقلة.
وثمَّة صورٌ مِن المعاونات في كفِّ الظُّلم، ونصرة المظلوم، ودفع الصَّائل بسلاح أو مال. بل هل يقوم الجهاد، وتُقام الحدود، وتُستوفى الحقوق، ويقوم الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر إلَّا بالتَّعاون والتآزر.
وهناك التَّعاون بالرَّأي، بما يدلُّ على الحقِّ، ويخرج مِن الحيرة، وينقذ مِن المأزق والهلكة، في النَّصيحة والمشاورة، وقد يكون تعاونًا بالجاه؛ مِن الشَّفاعة لذي الحاجة عند من يملك قضاءها...
فإذا وضع المسلمون أيديهم على هذه الأسباب الوثيقة، يتقدَّمهم أولو الأمر والعلماء والدُّعاة، بلغوا المكانة المحفوفة بالعزَّة المشار إليها بقوله سبحانه: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8]) [699] ((مجلة البحوث الإسلامية)) العدد (51)، ربيع الأول - جمادى الثَّانية، 1418هـ، (212-215).
(قال ابن خويز مندادٍ في أحكامه: والتَّعاون على البِرِّ والتَّقوى يكون بوجوهٍ، فواجبٌ على العالم أن يعين النَّاس بعلمه فيعلِّمهم، ويعينهم الغني بماله، والشُّجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة ((المؤمنون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمَّتهم أدناهم وهم يدٌ على مَن سواهم )) [700] رواه أبو داود (4530)، والنسائي (8/19)، وأحمد (1/122) (993)، والبزار (2/290)، وأبو يعلى (1/282) (338)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5/266) (5277)، والحاكم (2/153)، والبيهقي (8/193) (17262). من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.           قال البزار: روي من غير وجه، وإسناده أحسن إسنادًا يروى في ذلك وأصحه، وقال محمد بن عبد الهادي في ((المحرر)) (391): رجاله رجال الصحيحين، وصححه ابن الملقن في ((البدر المنير)) (9/159)، والألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (8/19)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (2/212), والحديث روي من طرق عن عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم. ويجب الإعراض عن المتعدِّي وترك النُّصرة له، وردُّه عمَّا هو عليه)) [701] ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي (6/46).

انظر أيضا: