موسوعة الأخلاق

ثانيًا: التَّرغيب في الإيثار في السُّنَّة النَّبويَّة


- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الأشعريِّين إذا أرملوا [324] أرمل القوم: نفد زادهم. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (11/296). في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثمَّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسَّويَّة، فهم منِّي، وأنا منهم )) [325] رواه البخاري (2486)، ومسلم (2500) مِن حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
يقول العيني: (فيه منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة سيدنا رسول الله وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه....وفيه فضيلة الإيثَار والمواساة) [326] ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)) (13/44).
وقال أبو العبَّاس القرطبي: (هذا الحديث يدلُّ على أنَّ الغالب على الأشعريِّين الإيثَار، والمواساة عند الحاجة... فثبت لهم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّهم...كرماء مؤثرون) [327] ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) (6/452).
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طعام الاثنين كافي الثَّلاثة، وطعام الثَّلاثة كافي الأربع)) [328] رواه البخاري (5392)، ومسلم (2058) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي لفظ لمسلم: ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثَّمانية )) [329] رواه مسلم (2059) مِن حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(قال المهَلَّب: والمراد بهذه الأحاديث الحضُّ على المكارمة في الأكل والمواساة والإيثَار على النَّفس، الذي مدح الله به أصحاب نبيَّه، فقال: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] ولا يُراد بها معنى التَّساوي في الأكل والتَّشاح؛ لأنَّ قوله عليه السَّلام: ((كافي الثَّلاثة)) دليل على الأثرة التي كانوا يمتدحون بها والتَّقنُّع بالكفاية، وقد همَّ عمر بن الخطَّاب في سنة مجاعة أن يجعل مع كل أهل بيت مثلهم، وقال: لن يهلك أحد عن نصف قوته) [330] ((شرح صحيح البخارى)) لابن بطال (9/471).
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصَّدقة أعظم أجرًا ؟ قال: أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم [331] إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع، والحلقوم مجرى النفس والسعال من الجوف. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (12/150). ، قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان )) [332] رواه البخاري (1319)، ومسلم (1032) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال ابن بطَّال: (فيه أنَّ أعمال البرِّ كلَّما صعبت كان أجرها أعظم، لأنَّ الصَّحيح الشَّحيح إذا خشي الفقر، وأمَّل الغنى صعبت عليه النَّفقة، وسوَّل له الشَّيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمَن تصدَّق في هذه الحال، فهو مؤثر لثواب الله على هوى نفسه، وأمَّا إذا تصدَّق عند خروج نفسه، فيخشى عليه الضِّرار بميراثه والجوار في فعله) [333] ((شرح صحيح البخارى)) (3/417).
- وعن جابر بن عبد الله حدَّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه أراد أن يغزو فقال: ((يا معشر المهاجرين والأنصار إنَّ مِن إخوانكم قومًا ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضمَّ أحدكم إليه الرَّجلين أو الثَّلاثة، فما لأحدنا مِن ظهرٍ يحمله إلَّا عُقْبَةٌ [334] العقبة: النوبة. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (1/618). كعُقْبَةِ. (يعني: أحدهم). فضممْتُ إليَّ اثنين أو ثلاثةً، قال: ما لي إلَّا عُقْبَةٌ كعُقْبَةِ أحدهم مِن جملي )) [335] رواه أبو داود (2534)، وأحمد (3/358) (14906)، والحاكم (2/100) مِن حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما. وسكت عنه أبو داود، وصحَّح إسناده الألباني في ((السِّلسلة الصَّحيحة)) (309)، وحسَّنه الوادعي في ((الصَّحيح المسند)) (239).

انظر أيضا: