موسوعة الأخلاق

ثانيًا: المدَاراة في السُّنَّة النَّبويَّة


- عن عروة بن الزبير، أنَّ عائشة أخبرته أنَّه استأذن على النَّبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة. فلما دخل ألان له الكلام. فقلت له: يا رسول الله، قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول. فقال: أي عائشة، إنَّ شرَّ الناس منزلةً عند الله من تركه- أو ودعه- الناس اتقاء فحشه )) [3463] رواه البخاري (6054)، ومسلم (2591). (أي لأجل قبح فعله وقوله، أو لأجل اتقاء فحشه، أي: مجاوزة الحدِّ الشرعي قولًا أو فعلًا، وهذا أصل في ندب المدَاراة إذا ترتب عليها دفع ضرٍّ، أو جلب نفع، بخلاف المداهنة فحرامٌ مطلقًا، إذ هي بذل الدين لصلاح الدنيا، والمدَاراة بذل الدنيا لصلاح دين أو دنيا، بنحو رفقٍ بجاهلٍ في تعليم، وبفاسقٍ في نهيٍ عن منكر، وترك إغلاظ وتألُّف، ونحوها مطلوبةٌ محبوبةٌ إن ترتب عليها نفع، فإن لم يترتب عليها نفع، بأن لم يتقِ شرَّه بها كما هو معروف في بعض الأنام فلا تشرع) [3464] ((فيض القدير)) للمناوي (2/454).
- وقال صلى الله عليه وسلم: ((استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهنَّ خلقن من ضِلع، وإنَّ أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا )) [3465] رواه البخاري (5186)، ومسلم (1468).
قال ابن حجر: (وفي الحديث الندب إلى المدَاراة لاستمالة النفوس، وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهنَّ، والصبر على عوجهنَّ، وأنَّ من رام تقويمهنَّ فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه، فكأنَّه قال: الاستمتاع بها لا يتمُّ إلا بالصبر عليها) [3466] ((فتح الباري)) (9/253).
- وعن هاني بن يزيد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ موجبات المغفرة: بذل السلام، وحسن الكلام )) [3467] رواه الطبراني (22/180) (469). قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (2/246): إسناده جيد، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (8/32): فيه أبو عبيدة بن عبد الله الأشجعي روى عنه أحمد بن حنبل وغيره ولم يضعفه أحد وبقية رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (2232).
قال المناوي: (أي: إلانة القول للإخوان، واستعطافهم على منهج المدَاراة، لا على طريق المداهنة والبهتان) [3468] ((فيض القدير)) (2/454).
- وقال صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس اتقوا الله، وإنْ أُمِّر عليكم عبد حبشي مجدَّع، فاسمعوا له وأطيعوا، ما أقام لكم كتاب الله )) [3469] رواه الترمذي (1706)، وابن ماجه (2328)، وأحمد (6/402) (27301)، والحاكم (4/206). من حديث أم الحصين الأسلمية رضي الله عنها. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
قال المباركفوري: (فيه حثٌّ على المدَاراة، والموافقة مع الولاة، وعلى التحرز عما يثير الفتنة، ويؤدي إلى اختلاف الكلمة) [3470] ((تحفة الأحوذي)) (5/297).

انظر أيضا: