موسوعة الأديان

المطلب الثالث: الآثار السياسية والاقتصادية

يزعم الغربيون أن الديموقراطية الغربية هي أفضل نظام توصَّل إليه البشر حتى الآن، ولذلك فهـم يسعون إلى أن يسود هذا النظام العالم أجمع، ومن بين الدول التي يريدون لنظامهم أن يسودها البلاد الإسلامية. وقد سعوا إلى هذا من خلال عدة سبل، وأبرزها هو انتقاد النظام السياسي الإسلامي. وقد ظهرت كتب كثيرة عن نظام الخلافة الإسلامي، وافتروا على الخلفاء الراشدين بزعمهم أن وصول الصديق وعمر بن الخطاب ( رضي الله عنهما ) إلى الخلافة كان نتيجة لمؤامرة بين الاثنين -Thomas Arnold. The Caliphate. (Lahore: 1966)p.25 وكـتب مستشرقون آخرون زاعمين أن النظام السياسي الإسلامي نظام قائم على الاستبداد، وفرض الخضوع والمذلة على الشعوب الإسلامية -Bernard Lewis.( On The Quietist and Activist Tradition in Islamic Political Writing. In Bulletin of  S. O. A. S Vol. XLIX Part 1, 1986.p.141. بل بالغ لويس في جعل النظام السياسي الإسلامي يشبه النظام الشيوعي في استبداده وطغيانه - B. Lewis.( Communism and Islam. ( in International Affairs. Vol. 30, 1954.pp 1-12. وقد تأثَّرت بعض الدول العربية التي خضعت للاحتلال الغربي بالفكر السياسي الغربي، بأن قامت باستيراد النظام البرلماني دون أن يتمَّ إعداد الشعوب العربية لمثل هذه الأنظمة، فكانت كما قال أحد المستشرقين بأن العرب استوردوا برلمانات معلبة دون ورقة التعليمات ([163] ) برنارد لويس ((الغرب والشرق الأوسط)) ( ص79 ) ترجمة نبيل صبحي. القاهرة: المختار. وما زالت هـذه البرلمانات في البلاد العربية يتحكم فيها الحزب الحاكم الذي لا بد أن يفوز بأغلبية المقاعد بأية طريقة كانت. ومع ذلك فما زال الغرب حريص على نشر الديموقراطية وقد كانت تصريحات الساسة الغربيين بأن (حرب الخليج الثانية) ستكون مناسبة لفرض الديموقراطية في العالم العربي، وستكون البداية في الكويت - Washington Times, February 2,1991.And Washington Post. February 19,1991.
ومن الحقائق المثيرة للانتباه أن تركيا (كما رأينا) كانت من أقدم الدول الإسلامية تغرباً وتطبيقاً للنظام الديموقراطي، ولكن عندما وصل الإسلاميون للحكم، وانقلب السحر على الساحر- كما يقال- قلبت الدول الغربية لنظامهم الديموقراطي ظهر المجن، وسعوا إلى تأييد العسكر في كبت الحريات ومصادرة الديموقراطية. ويمكن أن يضاف إلى هذا ما حدث في الجزائر حيث كاد الإسلاميون (جبهة الإنقاذ) أن تصل إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع والديموقراطية بأسلوبها الغربي، ولكن تكالبت الدول الغربية وغيرها على إجهاض هذه التجربة، وحرمان الإسلاميين من حقهم في الوصول إلى الحكم.
أما في المجال الاقتصادي: فإن الغرب سعى إلى نشر الفكر الاقتصادي الغربي الاشتراكي والرأسمالي، وذلك بمحاربة النظام الاقتصادي الإسلامي، وكما يقول محمد خليفة: (إنَّ المستشرقين في سعيهم للترويج للفكر الاقتصادي الغربي قاموا بـ (إعادة تفسير التاريخ الاقتصادي الإسلامي من وجهة نظر الرأسمالية والشيوعية، كنوع من التأصيل للنظريتين، وتقديمهما على أنهما لا يمثلان خروجاً عن النظام الاقتصادي الإسلامي ) محمد خليفة حسن (( آثار الفكر الاستشراقي في المجتمعات الإسلامية )) (ص 79).
وكان من نتائج الترويج للاشتراكية والرأسمالية في العالم الإسلامي أن انقسم العالم الإسلامي على نفسه، فأصبح قسم منه يدور في الفلك الشيوعي، والقسم الآخر في الفلك الرأسمالي. ولعل من طرائف المواقف الاستشراقية أن تسعى الدول الغربية إلى بث ِّالنظام الاشتراكي في بعض الدول العربية، بتدريس الاقتصاد الاشتراكي، والترويج بأن التنمية الحقيقية في العالم العربي تتطلب تأميم وسائل الإنتاج، وأن الحرية الاقتصادية الغربية لا تناسب مراحل التنمية الأولى، ولا شك أن سعيهم إلى بثِّ هذا الفكر أن يبعدوا الإسلام عن العودة إلى حياة المسلمين سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا.
وكان من تأثير الاستشراق أيضاً تشجيع الصناعة في البلاد الإسلامية دون الاستعداد الكافي لها، وإهمال قطاع الزراعة، فقد اقتنع العالم العربي بأن النهضة الحقيقية إنما تكون في الصناعة، ولذلك أهملت الزراعة إهمالاً شبه كلي، مع أن نهضة الغرب الصناعية بدأت بالاهتمام بالزراعة، وما زال الغرب يسيطر على إنتاج الحبوب والمواد الغذائية الأساسية في العالم. ومن الأمثلة على هذا ما حدث في مصر في عهد الرئيس عبد الناصر، حيث تمَّ التوسع في مشروعات صناعية (خيالية) مع إهمال شبه تام للزراعة، حتى أصبحت البلاد عالة على الدقيق الأمريكي والأسترالي وغيرهما. وقد حدث مثل هذا في الجزائر. وإن كنَّا في الحقيقة لم نتقدَّم لا في الزراعة ولا في الصناعة.
 

انظر أيضا: