الموسوعة الفقهية

المطلب الثالثُ: الخطأُ في قراءةِ الفاتحةِ


من ترَك ترتيبَ قراءةِ الفاتحة، أو أبدَلَ حرفًا بحرفٍ مع صحَّةِ لسانِه، أو لحَن لحنًا يُخلُّ المعنى قال النَّوويُّ: (إذا لحَن في الفاتحة لحنًا يخلُّ المعنى بأن ضمَّ تاء أنعمتَ، أو كسرها، أو كسر كاف إياك نعبد، أو قال إياء بهمزتين، لم تصحَّ قراءتُه وصلاته إن تعمَّد، وتجب إعادة القراءة إن لم يتعمد، وإن لم يخلَّ المعنى كفتح دال نعبد، ونون نستعين، وصاد صراط، ونحو ذلك - لم تبطُلْ صلاته ولا قراءته، ولكنه مكروهٌ، ويحرُمُ تعمُّده). ((المجموع)) (3/393) وقال ابن عُثَيمين: (مثال الذي يُحيلُ المعنى: أن يقول: «أَهْدِنا» بفتح الهمزة: لأن المعنى يختلف؛ لأنَّ معناه يكون مع فتح الهمزة: أعطِنا إيَّاه هديةَّ، لكن اِهْدِنَا بهمزة الوصل بمعنى: دُلَّنا عليه، ووفِّقْنا له، وثبِّتْنا عليه، وكذا لو قال: (صراط الذين أنعمتُ عليهم) لم تصحَّ؛ لأنه يختلف المعنى، يكون الإنعامُ من القارئ، وليس من اللهِ عَزَّ وجَلَّ. ومثال الذي لا يحيل المعنى: أن يقول: «الحَمْدِ للهِ» بكسر الدال بدَلَ ضمِّها). ((الشرح الممتع)) (3/60). لم تصِحَّ قراءتُه ولا صلاتُه قال البهوتي: (قال في شرح الفروع: وهذا إذا فات محلُّها وبعُدَ عنه، بحيث يُخِلُّ بالموالاة، أما لو كان قريبًا منه فأعاد الكلمة، أجزأه ذلك؛ لأنه يكون بمثابة مَن نطق بها على غيرِ الصواب، فيأتي بها على وَجْهِ الصواب). ((كشاف القناع)) (1/338). ، وهو مذهبُ الشافعيَّةِ ((المجموع)) للنووي (3/392) ((تحفة المحتاج))  لابن حجر الهيتمي (2/46). ، والحنابلةِ ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/338)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/348). قال ابنُ قُدامة: (قال القاضي في (الجامع): لا تبطُلُ بترك شَدَّة؛ لأنها غيرُ ثابتة في خَطِّ المصحف، هي صفَةٌ للحرف، ويسمى تاركها قارئًا، والصحيحُ الأول؛ لأن الحرفَ المشدَّد أقيم مقامَ حرفينِ، بدليل أنَّ شدة راء (الرَّحْمَن) أقيمَتْ مقام اللازم، وشدة لام (الذين) أقيمت مقام اللازم أيضًا، فإذا أخلَّ بها أخلَّ بالحرف وما يقوم مقامه، وغيَّرَ المعنى، إلَّا أن يريد أنَّه أظهَرَ المُدْغَم، مثل مَن يقول "الرحمن" مظهرًا للام، فهذا تصح صلاته؛ لأنه إنما ترك الإدغام، وهو معدودٌ لحنًا لا يغيِّرُ المعنى). ، وقولٌ للمالكيَّةِ ((البيان والتحصيل)) لابن رشد الجد (1/449)، ((التاج والإكليل)) للمواق (2/99). ، وهو اختيار ابنُ بازٍ قال ابن باز: (إذا كان لحنُه خفيفًا صحَّتْ صلاته، إذا كان لحنه لا يغير المعنى صحَّتْ صلاتُه، مثل إذا قرأ: الحمدَ لله رب العالمين. أو: الحمدِ لله رب العالمين. أو: الرحمنُ الرحيمُ. أو: مالكُ يوم الدين. ما يضرُّ هذا، ما يغيِّرُ المعنى، أما إذا كان يغير المعنى، مثل: إياكِ نعبُدُ. أو: صراط الذين أنعمتُ. أو: أنعمتِ عليهم. هذا لا يجوز، لا يؤمُّ الناسَ. أما إذا كان لحنًا خفيفًا ما يغيِّرُ المعنى... هذا لا يضرُّ، لكن الأفضل أن يختاروا مَن هو أجودُ) ((فتاوى نور على الدرب)) (11/471). ، وابنُ عُثَيمين قال ابن عُثَيمين: (إذًا لا بد أن يقرأها تامة، بآياتها، وكلماتها، وحروفها، وحركاتها، فإن ترك آية، أو حرفًا، أو حركة تخلُّ بالمعنى لم تصحَّ). ((الشرح الممتع)) (3/60).
وذلك لأنَّ مَن ترَك حرفًا مِن الفاتحةِ- وكذلك من ترك تشديدة فهي بمنزلةِ حرفٍ؛ فإنَّ الحرفَ المُشدَّدَ قائمٌ مقامَ حَرفين- لم يُعتدَّ بها؛ لأنَّه لم يقرَأْها، وإنَّما قرَأ بعضَها ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/338).
فرع أول: إبدالُ الضَّادِ في قولِه تعالى: وَلَا الضَّالِّينَ بالظَّاءِ
تصِحُّ صلاةُ مَن أبدَل الضَّادَ في الآيةِ بالظَّاءِ، وهو مذهب المالكية ("و" هل تبطل صلاة مقتد "بغير مميز بين ضاد وظاء" أو صاد وسين أو زاي وسين في فاتحة فقط كما في ق أو وفي غيرها كظاهر المصنف حيث لم تستو حالتهما وأما صلاته هو فصحيحة إلا أن لا يميز عمدًا مع القدرة عليه) ((شرح الزرقاني على مختصر خليل)) (2/20). ("و" هل تبطل صلاة مقتد "بغير مميز بين ضاد وظاء" أو صاد وسين أو ذال وزاي مطلقا أو تصح صلاة المقتدي به وأما صلاته هو فصحيحة على كل حال ما لم يفعل ذلك اختيارا) ((الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي)) (1/329). ، وهو المشهورُ مِن مذهَبِ الحنابلةِ ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/482)، ((المبدع)) لابن مفلح (2/73)، وينظر: ((حاشية الروض المربع)) لابن قاسم (2/324) ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (3/66). ، وقولُ أكثرِ الحنفيَّةِ قال ابن عابدين: (وإن كان الخطأُ بإبدالِ حَرْفٍ بحرْفٍ، فإن أمكن الفَصْلُ بينهما بلا كُلفةٍ كالصَّادِ مع الطاء، بأن قَرَأ الطالحات مكان الصالحات، فاتفقوا على أنه مُفْسد، وإن لم يمكن إلَّا بمشقَّة كالظاء مع الضاد، والصاد مع السين، فأكثرُهم على عدم الفساد؛ لعموم البلوى) ((حاشية ابن عابدين)) (1/631). ، ووجهٌ للشافعيَّةِ ((المجموع)) للنووي (3/392). ، واختارَه ابنُ تيميَّةَ قال ابنُ تَيميَّة: (وأما من لا يقيمُ قراءة الفاتحة فلا يصلِّي خَلْفَه إلَّا مَن هو مِثْلُه، فلا يصلي خلف الألثغ الذي يُبْدِل حرفًا بحرف إلَّا حرف الضاد إذا أخرجه من طرَف الفَم، كما هو عادة كثير من النَّاس، فهذا فيه وجهان، منهم من قال: لا يُصلَّى خَلْفَه، ولا تصِحُّ صلاتُه في نفسه؛ لأنَّه أبدَلَ حَرْفًا بحرف؛ لأنَّ مَخْرَج الضاد الشِّدق، ومخرج الظاء طرف الأسنان، فإذا قال: (ولا الظالين) كان معناه ظلَّ يفعل كذا، والوجه الثاني: تصِحُّ، وهذا أقرب؛ لأنَّ الحرفين في السمع شيء واحد، وحِسُّ أحدهما من جنس حس الآخر؛ لتشابه المخرجين، والقارئ إنما يقصِدُ الضَّلالَ المخالِفَ للهدى، وهو الذي يفهَمُه المستمِعُ، فأمَّا المعنى المأخوذ مِن ظَلَّ فلا يخطُرُ ببالِ أحدٍ) ((مجموع الفتاوى)) (23/350). ، وابنُ كثيرٍ قال ابن كثير: (والصحيحُ من مذاهب العلماء: أنه يُغتفَرُ الإخلالُ بتحريرِ ما بين الضاد والظاء؛ لقرب مخرجيهما؛ وذلك أن الضادَ مَخْرَجُها مِن أَوَّلِ حافَةِ اللسان وما يليها من الأضراسِ، ومخرج الظَّاء من طَرَف اللسان وأطراف الثنايا العليا، ولأن كُلًّا من الحرفينِ من الحروف المجهورة، ومن الحروفِ الرِّخْوة، ومن الحروف المُطْبَقة؛ فلهذا كلِّه اغتُفِرَ استعمالُ أحَدِهما مكانَ الآخَرَ لِمَن لا يُمَيِّزُ ذلك، والله أعلم) ((تفسير ابن كثير)) (1/143). ، وابنُ بازٍ قال ابن باز: (الصَّوابُ عند المحقِّقينَ مِن أَهْلِ العلم: أنَّ التباسَ الضاد بالظاء لا يضُرُّ، لا في الصلاة ولا في غيرها؛ لأنَّ مَخْرَجَهما متقارب، وليس كلُّ أحدٍ يستطيع التمييزَ؛ فالأمر في هذا واسِعٌ، والحمدُ لله، فلا ينبغي للقارئ ولا لغير القارئ أن يُشَدِّد في ذلك، المقرئُ وغير المقرئ لا ينبغي التَّشديد في ذلك، إن تيسَّرَ التمييزُ فلا بأس، وإلَّا فالأمر واسِعٌ في ذلك، وممن نبَّه على هذا الحافِظُ ابن كثير- رحمه الله- في تفسيره لسورة الفاتحة في آخِرِها، وقد بيَّن أن الصَّحيحَ أنَّه يُعفَى عن ذلك، ولا ينبغي فيه التَّشديد؛ لأن كثيرًا من النَّاسِ يلتبس عليه الأمْرُ، ويصعُبُ عليه التفريق) ((موقع الشيخ ابن باز)). ، وابنُ عُثَيمين ((الشرح الممتع)) (3/66). ؛ وذلك لتقارُبِ المَخرَجينِ، وصعوبةِ التَّفريقِ بينهما ((المجموع)) للنووي (3/392 393)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (3/66).
فرع ثان: تَكرارُ الفاتحةِ لغير سببٍ 
لا يُشرَعُ تَكرارُ الفاتحةِ في القيامِ الواحدِ مِن غيرِ سببٍ السبب: كأن يكونَ في قراءتها خللٌ، فيُعيد قراءتها. ، وهو مذهبُ الجمهور: الحنفيَّةِ ((تبيين الحقائق للزيلعي، مع حاشية الشلبي)) (1/128)، ((حاشية ابن عابدين)) (1/473). ، والمالكيَّةِ ((مواهب الجليل)) للحطاب (2/304)، ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (1/289). ، والحنابلةِ ((الإنصاف)) للمرداوي (2/72)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/373).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّه لم يُنقَلْ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا عن أصحابِه، ولو كان هذا مِن الخيرِ لفعَلَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/373)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (3/239).
ثانيًا: أنَّ قراءةَ الفاتحةِ ركنٌ في الصَّلاةِ، ويلزَمُ مِن تَكرارِها تَكرارُ الرُّكنِ ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/373).
ثالثًا: خروجًا مِن خلافِ مَن أبطَلَ الصَّلاةَ بتَكرارِها ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/373).

انظر أيضا: