الموسوعات مكتبة الدرر السنية مقالات وبحوث المشرف مقالات وبحوث مميزة فتاوى واستشارات مشاركات كتب جديدة كتاب الأسبوع
تصفح الكتاب
  الوقت المستغرق في البحث (بالثانية):

المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية


المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضلَ له، ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإنَّ كتبَ شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبدالحليم بن تيمية، ((جمعتْ فأوعت: جمعت جميع الفنون النافعة، والعلوم الصحيحة، جمعت علوم الأُصول والفُروع، وعلوم النقل والعقل، وعلوم الأخلاق، والآداب الظاهرة والباطنة، وجمعت بين المقاصد والوسائل، وبين المسائل والدلائل، وبين الأحكام وبيان حِكَمِها وأسرارها، وبين تقرير مذاهب الحق، والرَّد على جميع المُبطلين. وامتازت على جميع الكتُب المُصنَّفة بغزارة علمها، وكثرته وقوته، وجودته وتحقيقه، بحيث يجزم من له اطلاع عليها وعلى غيرها أنه لا يوجد لها نظير يُساويها أو يُقاربها))(1)، فهي غزيرة المادة، جزيلة المباحث، سديدة المنهج، سهلة الأسلوب، عذبة الموارد، ناصعة البيان، واضحة التعبير، مشرقة الدلالة، تدرك فوائدها على غير مؤونة، ولا كدِّ ذهن، ولا جهد فكر، من تصفحها وجدها مشبعة الفصول مستوعبة لأطراف الفنون، جامعة لشتيت الفوائد، ومنثور المسائل، قد استوعبت أصول العلوم، وأحاطت بفروعها، واستقصت غرائب مسائلها، وشواذها ونوادرها.

    وشيخ الإسلام رحمه الله كان عالم أمته، وإمام عصره وأوحد زمانه، وكان بحر العلم الزاخر، وبدر العلماء الزاهر، وكوكبهم اللامع، ونبراسهم الساطع، والذي يُرجع إليه في المشكلات، ويُستصبح بضوئه في المعضلات، وتشد إليه الرحال، وتُضرب إليه أكباد الإبل، ويرحل إليه من أطراف البلدان، وإنه رحمه الله لبحر لا يسبر غوره، ولا ينال دركه، منقطع القرين، أعرف الناس بزمانه ورجالاته، وبفرقه ومذاهبه، وكان إذا تكلَّم في فن من الفنون قلت هو أعلم الناس بهذا الفن، وكتبه لا تخلو من علمٍ من العلوم الدينية، بل وأكثر العلوم الدنيوية، وقد طبع أكثرها ولله الحمد في أكثر من مائة مجلد، وفقني الله لقراءة كثير منها وبخاصة مجموع الفتاوى. وقد انتخبت من جملة ما قرأت ما جمعته لك بين يديك وسميته ((المنتخب)) .

    والمنتخب والمنتقى والمختار و المستصفى والمستخلص والمجتبى كلها بمعنى واحد، فتقول انتخبته وانتقيته واخترته واصطفيته واستخلصته واجتبيته.

    وقد صنف العلماء كتباً كثيرة باسم المنتخب والمنتقى والمختار والمجتبى، ومن ذلك:

    1- ((المجتبى من السنن)) للنسائي، وهو ((السنن الصغرى)).

    2- ((المجتبى من المجتنى)) لابن الجوزي.

    3- ((المختار في أصول السنة)) لأبي علي الحسن بن البنا الحنبلي.

    4- ((المختارة)) للضياء المقدسي.

    5- ((المختار من تاريخ ابن الجزري)) للذهبي.

    6- ((المنتخب المسند)) لعبد بن حميد.

    7- ((المنتخب من زوائد البزار على الكتب الستة ومسند أحمد)) لابن حجر العسقلاني.

    8- ((المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور)) لإبراهيم الصريفيني.

    9- ((منتخب كنـز العمال في سنن الأقوال والأفعال)) لعلاء الدين المتقي الهندي.

    10- ((المنتخب من كتاب منهاج المحدثين وسبيل طالبيه المحققين)) لابن حجر العسقلاني.

    11- ((المنتقى من منهاج الاعتدال)) للذهبي.

    12- ((المنتقى شرح الموطأ)) لأبي الوليد الباجي.

    13- ((المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها)) لأبي طاهر السِّلفي.

    14- ((المنتقى من مسند المقلين)) لدعلج السجزي.

    15- ((المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله ()) لابن الجارود.

    16- ((المنتقى في الأحكام)) لعبدالسلام ابن تيمية جد شيخ الإسلام.

    وغيرها كثير جداً، وأكثرهم كان يؤلف باسم المنتقى ومن أبرز من برع في الانتخاب والانتقاء شمس الدين الذهبي، فله رحمه الله أكثر من خمس وعشرين كتاباً انتخبها وانتقاها ممن سبقه، عشرون منها بعنوان: ((المنتقى))(1)، أشهرها (( المنتقى من "منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال"(2) )) لابن تيمية، ومن أشهر من قام باختيار وانتخاب مجموعة فوائد ومسائل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، عالمان جليلان كل واحد منهما كان عالم عصره، الأول: الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب. والثاني: العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي.

    عرض مختصر لكتاب الشيخ محمد بن عبدالوهاب والشيخ السعدي، وكتابنا هذا ((المنتخب)) والفرق بينها:

    أولاً: كتاب الشيخ محمد بن عبدالوهاب:

    قام الشيخ رحمه الله بتلخيص مسائل عدة بلغت خمس وثلاثين ومائة مسألة في مسائل عديدة، في التوحيد بجميع أنواعه، وفي الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه، لخصها من غالب كتب شيخ الإسلام(1)، وقد عُنونت بعنوان ((المسائل التي لخصها الإمام محمد بن عبدالوهاب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية))، وقد طبعت ضمن مجموعة مصنفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب قسم ((ملحق المصنفات)) في مائتي صفحة تقريباً، ومن خلال الاطلاع على هذه المسائل لم يظهر لي منهج الشيخ رحمه الله في جمعها، والذي يبدو لي أنه لم تكن له طريقة واحدة أو هدفاً محدداً في التلخيص، إنما هي مسائل عديدة رأى الشيخ أهميتها فحب أن يجمعها في كتاب واحد لينتفع بها الناس، أو ينتفع هو نفسه بها، وكما سبق فقد اشتملت هذه المسائل على كثير من العلوم، وإن كان أبرزها علم التوحيد والعقيدة، وبعض المسائل مما كان مثار جدل في عصر الشيخ، وقد يكون هذا مما دفعه لانتقائها.

    ثانياً: كتاب الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي:

    وعنوانه ((طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد المنوعة والضوابط والأصول))؛ ((وهي قواعد وأصول منوَّعة في أصول الدين، وفي أصول الفقه والتفسير والحديث، وفي أصول الأحكام، وفي أصول الأخلاق والمناظرات، والرد على أهل الباطل))(1)، وقد بلغت هذه القواعد والأصول أكثر من ثمانمائة، طبعت في ثلاثمائة صفحة تقريباً.

    ومنهج الشيخ فيها واضح، فهو قد جمع ما يمكن أن يُعدَّ قاعدة أو ضابطاً أو نحو ذلك، لذا فبعضها لا يتجاوز السطر الواحد بل أقل؛ مثل:

    1- الرجوع عن الدعوى مقبول، والرجوع عن الإقرار غير مقبول.

    2- يلزم الوفاء بالوعد.

    3- الاستدامة أقوى من الابتداء.

    وكثير منها أكثر من ذلك، بل قد يصل إلى عدة صفحات مما هو أقرب إلى الفوائد منه إلى الضوابط والقواعد، وإن كانت هذه مصطلحات متقاربة المعنى فكل قاعدة فائدة وكثير من الفوائد قواعد.

    ثالثاً: كتاب ((المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية)) وهو هذا الكتاب:

    وقد انتخبت فيه أكثر من ستين ومائة نخبة؛ من الفوائد والفرائد من أغلب كتب شيخ الإسلام المطبوعة، وأكثرها من ((مجموع الفتاوى)) لا يكاد يوجد منها شيء في الكتابين السابقين إلا اليسير وقد جعلته في خمسة أقسام:

    القسم الأول: في التوحيد والعقيدة.

    القسم الثاني: في العلم والجهاد والسياسة الشرعية.

    القسم الثالث: في الخلاف والإنكار والتحزب المحمود والمذموم، والبدعة والمصالح والمفاسد والإنصاف.

    القسم الرابع: مسائل أصولية في الاعتصام بالسنة وترك الابتداع والتقليد والتمذهب وغير ذلك.

    القسم الخامس: مسائل متفرقة.

    وضابط ما جمعته: [مسائل قد تخفى على طلبة العلم إما علماً أو عملاً، ومسائل مهمة لكل عالم وداعية ومصلح وخاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأهواء وتنوعت الفتن، ومسائل متفرقة](1).

    ومن البديهي القول أن هذا الأمر نسبي، فما كان مهماً عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر، لكن حسبي أني اجتهدت في ذلك، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، وإني لمأجور في الحالين إن شاء الله، كما أنه من البديهي القول بأن هناك فوائد جمة في كتب شيخ الإسلام فاتتني وفاتت من سبقني، فهي البحر لا يُسبر غوره، ولا ينال دَرَكُه، وقد كان منهجي في هذا الكتاب كما يلي:

    1- قسمته إلى خمسة أقسام حسبما تقدم ذكره، وتحت كل قسم فصول عنونتها بما يناسب محتواها، وغالباً ما يكون العنوان مُقتبساً من كلام شيخ الإسلام نفسه.

    2- جعلت كلام شيخ الإسلام هو الأصل وكل ما أضفته من تخريج أو تعليق ففي الهامش.

    3- تصرفت في بعض الموضوعات المُطوَّلة بحذف بعض الجمل واضعاً مكانها نقطاً لتدل على موضع الحذف دون أدنى إضافة في الأصل.

    4- أحلت كل نقل إلى موضعه من كتب ابن تيمية مع ذكر الجزء والصفحة.

    5- أحلت الآيات إلى مواضعها في القرآن الكريم.

    6- خرَّجت الأحاديث تخريجاً موجزاً.

    أسأل الله عزَّ وجلَّ أن ينتفع بهذا ((المنتخب)) ناخبه وقارئه وأن يكون ضياءً لكل مُصلحٍ يريد الخير لأمته والنفع لنفسه، إنه جواد كريم.

    وأخيراً أشكر الأخوة الأفاضل الذين ساعدوني في مقابلة النص، كما أشكر أهل بيتي الذين وفَّروا لي الجو العلمي والوقت الذي أسهم في إخراج هذا الكتاب وغيره من الكتب مقدمين ذلك على متتطلباتهم واحتياجاتهم.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    

     أبو محمد

    علوي بن عبدالقادر السقاف

     الظهران

    

    * * *

    


سؤال الله بصفاته والقسم بها جائز
أما دعاء الصفة فكفر بالله

    (إنَّ الحلف بصفاته كالحلف به، كما لو قال: وعزَّة الله تعالى! أو: لعمر الله! أو: والقرآن العظيم! فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصِّفات ونحوها عن النَّبيِّ ( والصَّحابة، ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها - وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلاَّ بالله في مثل قول النَّبيِّ (: ((أعوذ بوجهك))(1) و((أعوذ بكلمات الله التَّامَّات))(2) و((أعوذ برضاك من سَخَطك))(3) ونحو ذلك -، وهذا أمر متقرِّر عند العلماء)* .

    (إنَّ مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماتِه جائز مشروع كما جاءت به الأحاديث، وأمَّا دعاء صفاته وكلماته فكفر باتِّفاق المسلمين؛ فهل يقول مسلم: يا كلام الله! اغفر لي وارحمني وأغثني أو أعني، أو: يا علم الله، أو: يا قدرة الله، أو: يا عزَّة الله، أو: يا عظمة الله ونحو ذلك؟! أو سمع من مسلم أو كافر أنَّه دعا ذلك من صفات الله وصفات غيره، أو يطلب من الصِّفـة جلـب منفعة أو دفع مضرَّة أو إعانةً أو نصراً أو إغاثةً أو غير ذلك؟!)** .

    


الحلف بالنَّذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله
(معلوم أنَّ الحلف بصفات الله سبحانه كالحلف به، كما لو قال: وعزَّة الله، أو: لعمر الله، أو: والقرآن العظيم؛ فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصِّفات ونحوها عن النَّبيِّ ( والصَّحابة، ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها؛ وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلاَّ بالله وصفاته في مثل قول النَّبيِّ (: ((أعوذ بوجهك)) و((أعوذ بكلمات الله التَّامَّات)) و((أعوذ برضاك من سَخَطك)) ونحو ذلك، وهذا أمر مقرَّر عند العلماء(1).

    وإذا كان كذلك؛ فالحلف بالنَّذر والطَّلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله، فإنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فعليَّ الحجُّ؛ فقد حلف بإيجاب الحجِّ عليه، وإيجاب الحجِّ حكم من أحكام الله وهو من صفاته، وكذلك لو قال: فعليَّ تحرير رقبة، وإذا قال: فامرأتي طالق وعبدي حرٌّ؛ فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه، والتَّحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله، وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله: {وَلا تَتَّخِذوا آياتِ اللهِ هُزُواً}(2)؛ فجعل حدوده في النِّكاح والطَّلاق والخلع من آياته، لكنَّه إذا حلف بالإيجاب والتَّحريم؛ فقد عقد اليمين لله كما يعقد النَّذر لله)* .

    


الإقسام على الله بشيء من مخلوقاته أو السُّؤال له به
(الإقسام على الله بشيء من المخلوقات أو السُّؤال له به: إمَّا أن يكون مأموراً به إيجاباً أو استحباباً، أو منهيّاً عنه نهي تحريم أو كراهة، أو مباحاً لا مأموراً به ولا منهيّاً عنه.

    وإذا قيل: إنَّ ذلك مأمورٌ به أو مباح؛ فإمَّا أن يفرق بين مخلوق ومخلوق، أو يقال: بل يشرع بالمخلوقات المعظَّمة أو ببعضها، فمن قال: إنَّ هذا مأمور به أو مباح في المخلوقات جميعها؛ لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجنِّ، فهذا لا يقوله مسلم.

    فإن قال: بل يسأل بالمخلوقات المعظَّمة كالمخلوقات التي أقسم بها في كتابه؛ لزم من هذا أن يسأل باللَّيل إذا يغشى والنَّهار إذا تجلَّى والذَّكر والأنثى... وسائر ما أقسم الله به في كتابه.

    فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنَّها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيَّته وألوهيَّته ووحدانيَّته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته وعزَّته؛ فهو سبحانه يقسم بها لأنَّ إقسامه بها تعظيم له سبحانه.

    ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع، بل ذكر غير واحد الإجماع على أنَّه لا يقسم بشيء من المخلوقات وذكروا إجماع الصَّحابة على ذلك، بل ذلك شرك منهيٌّ عنه.

    ومن سأل الله بها لزمه أن يسأله بكلِّ ذكر وأنثى، وبكلِّ نفس ألهمها فجورها وتقواها، ويسأله بالرِّياح والسَّحاب والكواكب والشَّمس والقمر واللَّيل والنَّهار والتِّين والزَّيتون...

    ... ومعلوم أنَّ السُّؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع المنكرَة في دين الإسلام، وممَّا يظهر قبحه للخاصِّ والعامِّ.

    وإن قال قائل: بل أنا أسأله أو أقسم عليه بمعظَّم دون معظَّم من المخلوقات، إمَّا الأنبياء دون غيرهم أو نبيٍّ دون غيره، كما جوَّز بعضهم الحلف بذلك أو بالأنبياء والصَّالحين دون غيرهم.

    قيل له: بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض؛ فكلها مشتركة في أنَّه لا يجعل شيء منها ندّاً لله تعالى؛ فلا يُعبد ولا يُتوكل عليه ولا يُخشى ولا يُتَّقى ولا يُصام له ولا يُسجد له ولا يُرْغَب إليه ولا يُقسم بمخلوق، كما ثبت في ((الصَّحيح)) عن النَّبيِّ ( أنَّه قال: ((من كان حالفاً؛ فليحلف بالله، أو ليصمت))(1)، وقال: ((لا تحلفوا إلاَّ بالله))(2)، وفي ((الُّسنن)) عنه أنَّه قال: ((من حلف بغير الله؛ فقد أشرك))(3) .

    فقد ثبت بالنُّصوص الصَّحيحة الصَّريحة عن النَّبيِّ ( أنَّه لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات، لا فرق في ذلك بين الملائكة والأنبياء والصَّالحين وغيرهم، ولا فرق بين نبيٍّ ونبيٍّ...

    ... وإذا كان الإقسام بغير الله والرَّغبة إليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من الأحكام التي اشتركت المخلوقات فيها؛ فليس لمخلوق أن يقسم به ولا يتقي ولا يتوكل عليه؛ وإن كان أفضل المخلوقات، ولا يستحقُّ ذلك أحد من الملائكة والنَّبيِّين فضلاً عن غيرهم من المشايخ والصَّالحين.

    فسؤال الله تعالى بالمخلوقات: إن كان بما أقسم به وعظَّمه من المخلوقات فيسوغ السُّؤال بذلك كلِّه، وإن لم يكن سائغاً لم يجز أن يسأل بشيء من ذلك، والتَّفريق في ذلك بين معظَّم ومعظَّم كتفريق من فرَّق [فزعم أنَّه] يجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض، وكما أنَّ هذا فرق باطل فكذلك الآخر.

    ولو فرَّق مفرِّق بين ما يؤمن به وبين ما لا يؤمن به؛ قيل له: فيجب الإيمان بالملائكة والنَّبيِّين، ويؤمن بكل ما أخبر به الرَّسول مثل منكر ونكير والحور العين والوِلدان وغير ذلك، أفيجوز أن يُقسَم بهذه المخلوقات لكونه يجب الإيمان بها، أم يجوز السُّؤال بها كذلك؟

    فتبيَّن أنَّ السُّؤال بالأسباب إذا لم يكن المسؤول به سبباً لإجابة الدُّعاء؛ فلا فرق بين السُّؤال بمخلوق ومخلوق، كما لا فرق بين القَسَم بمخلوق ومخلوق، وكلُّ ذلك غير جائز؛ فتبيَّن أنَّه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء، والله أعلم)*.

    


المضافات إلى الله نوعان: أعيان وصفات
المضافات إلى الله نوعان: أعيان، وصفات:

    فالصِّفات إذا أُضيفت إليه؛ كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرِّضا والغضب ونحو ذلك دلَّت الإضافة على أنَّها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة لأنَّ الصِّفة لا تقوم بنفسها؛ فلا بدَّ لها من موصوف تقوم به، فإذا أُضيفت إليه عُلِم أنَّها صفة له، لكن قد يعبَّر باسم الصِّفة عن المفعول بها؛ فيسمَّى المقدور قدرة والمخلوق بالكلمة كلاماً والمعلوم علماً والمرحوم به رحمة؛ كقول النَّبيِّ ( : ((إنَّ الله خلق الرَّحمة يوم خلقها مئة رحمة...))(1)، ويُقال للمطر والسَّحاب: هذه قدرة قادر وهذه قدرة عظيمة، ويُقال في الدُّعاء: غفر الله لك علمه فيك؛ أي: معلومه.

    وأما الأعيان إذا أُضيفت إلى الله تعالى؛ فإمَّا أن تُضاف بالجهة العامَّة التي يشترك فيها المخلوق، مثل كونها مخلوقة ومملوكة له ومقدورة ونحو ذلك؛ فهذه إضافة عامَّة مشتركة؛ كقوله: {هذا خَلْقُ اللهِ}(2)، وقد يضاف لمعنى يختصُّ بها يميَّز به المضاف عن غيره، مثل: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، وروح الله؛ فمن المعلوم اختصاص ناقة صالح بما تميَّزت به عن سائر النياق، وكذلك اختصاص الكعبة، واختصاص العبد الصالح الذي عبد الله وأطاع أمره، وكذلك الرُّوح المقدَّسة التي امتازت بما فارقت به غيرها من الأرواح؛ فإنَّ المخلوقات اشتركت في كونها مخلوقة مملوكة مربوبة لله يجري عليها حكمه وقضاؤه وقدره، وهذه الإضافة لا اختصاص فيها ولا فضيلة للمضاف على غيره، وامتاز بعضها بأنَّ الله يحبُّه ويرضاه ويصطفيه ويقرِّبه إليه ويأمر به أو يعظِّمه ويحبُّه؛ فهذه الإضافة يختصُّ بها بعض المخلوقات؛ كإضافة البيت والناقة والرُّوح وعباد الله من هذا الباب...

    وهذا الأصل الذي ذكرناه من الفرق فيما يضاف إلى الله بين صفاته وبين مملوكاته أصل عظيم ضلَّ فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلِّهم؛ فإنَّ كتب الأنبياء (التَّوراة، والإنجيل، والقرآن، وغيرها) أضافت إلى الله أشياء على هذا الوجه وأشياء على هذا الوجه، فاختلف النَّاس في هذه الإضافة:

    فقالت المعطِّلة نفاة الصِّفات من أهل الملل: إنَّ الجميع إضافة ملك، وليس لله حياة قائمة به، ولا علم قائم به، ولا قدرة قائمة به، ولا كلام قائم به، ولا حبٌّ ولا بغض، ولا غضب ولا رضى، بل جميع ذلك مخلوق من مخلوقاته، وهذا أوَّل ما ابتدعته في الإسلام الجهميَّة، وإنَّما ابتدعوه بعد انقراض عصر الصَّحابة وأكابر التَّابعين لهم بإحسان...

    وقالت الحلوليَّة: بل ما يضاف إلى الله قد يكون هو صفة له وإن كان بائناً عنه. بل قالوا: هو قديم أزليٌّ؛ فقالوا: روح الله قديمة أزليَّة صفة لله، حتى قال كثير منهم: إنَّ أرواح بني آدم قديمة أزليَّة وصفة لله، وقالوا: إن ما يسمعه الناس من أصوات القرَّاء ومداد المصاحف قديم أزليٌّ وهو صفة لله. وقال حذَّاق هؤلاء: بل غضبه ورضاه وحبُّه وبغضه وإرادته لما يخلقه قديم أزليٌّ، وهو صفة الله وكلامه الذي سمعه موسى قديم أزليٌّ، وأنَّه لم يزل راضياً محبّاً لمن علم أنَّه يطيعه قبل أن يُخلق، ولم يزل غضباناً ساخطاً على من علم أنَّه يكفر قبل أن يُخلق، ولم يزل ولا يزال قائلاً: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم؛ قبل أن يوجَدوا وبعد موتهم، ولم يزل ولا يزال يقول: يا معشر الجنِّ والإنس قبل أن يُخلقوا وبعد ما يدخلون الجنَّة والنَّار.

    وأمَّا سلف المسلمين من الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسان، وأئمَّة المسلمين المشهورون بالإمامة فيهم كالأربعة وغيرهم، وأهل العلم بالكتاب والسُّنَّة؛ فيفرِّقون بين مملوكاته وبين صفاته؛ فيعلمون أنَّ العباد مخلوقون، وصفات العباد مخلوقة، وأجسادهم، وأرواحهم، وكلامهم، وأصواتهم بالكتب الإلهية وغيرها، ومدادهم، وأوراقهم، والملائكة، والأنبياء وغيرها، ويعلمون أنَّ صفات الله القائمة به ليست مخلوقة؛ كعلمه، وقدرته، وكلامه، وإرادته، وحياته، وسمعه، وبصره، ورضاه، وغضبه، وحبِّه، وبغضه، بل هو موصوف بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، ولا يحرفون الكَلِم عن مواضعه، ولا يتأوَّلون كلام الله بغير ما أراده، ولا يمثِّلون صفات الخالق بصفات المخلوق؛ بل يعلمون أنَّ الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ بل هو موصوف بصفات الكمال، منزَّه عن النَّقائص، وليس له مِثْل في شيء من صفاته، ويقولون: إنَّه لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال، لم يزل متكلِّماً إذا شاء بمشيئته وقدرته، ولم يزل عالماً، ولم يزل قادراً، ولم يزل حيّاً سمعياً بصيراً، ولم يزل مريداً؛ فكلُّ كمال لا نقص فيه يمكن اتِّصافه به فهو موصوف به، لم يزل ولا يزال متَّصفاً بصفات الكمال منعوتاً بنعوت الجلال والإكرام سبحانه وتعالى)*.

    


الصِّفات لها ثلات اعتبارات مطلقة أو مضافة للعبد أو مضافة للرب
(الصِّفات لها ثلاث اعتبارات: تارة تعتبر مضافة إلى الربِّ، وتارة تعتبر مضافة إلى العبد، وتارة تعتبر مطلقة لا تختصُّ بالربِّ ولا بالعبد، فإذا قال العبد: حياة الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك؛ فهذا كلُّه غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين، وإذا قال: علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد؛ فهذا كلُّه مخلوق ولا يماثل صفات الربِّ، وإذا قال: العلم والقدرة والكلام؛ فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه كلُّه أنَّه مخلوق ولا أنَّه غير مخلوق؛ بل ما اتَّصف به الربُّ من ذلك فهو غير مخلوق، وما اتَّصف به العبد من ذلك فهو مخلوق؛ فالصِّفة تتبع الموصوف، فإن كان الموصوف هو الخالق؛ فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق؛ فصفاته مخلوقة)*.

    * * *

    


معنى تردد الله عز وجل عن قبض نفس عبده المؤمن
سئل عن قوله ( فيما يروي عن ربِّه عزَّ وجلَّ: ((وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته))(1): ما معنى تردُّد الله؟

    فأجاب:

    هذا حديث شريف، قد رواه البخاريُّ من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث رُوِي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتَّردُّد، وإنما يتردَّد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردِّد.

    والتحقيق: أنَّ كلام رسوله حقٌّ وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمَّة منه ولا أفصح ولا أحسن بياناً منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضلِّ النَّاس وأجهلهم وأسوئهم أدباً، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يُصان كلام رسول الله ( عن الظُّنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة، ولكنَّ المتردِّد منَّا وإن كان تردُّده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإنَّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإنَّ الواحد منَّا يتردَّد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد؛ فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشَّيء الواحد الذي يُحَبُّ من وجه ويُكرَه من وجه، كما قيل:

    الشَّـيـب كـره وكـره أن أفـارقــــه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب

    وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصَّالحة التي تكرهها النَّفس هو من هذا الباب، وفي ((الصَّحيح)): ((حُفَّت النَّار بالشَّهوات، وحُفَّت الجنَّة بالمكاره))(1)، وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ...}(2) الآية.

    ومن هذا الباب يظهر معنى التردُّد المذكور في هذا الحديث؛ فإنَّه قال: ((لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبَّه))؛ فإنَّ العبد الذي هذا حاله صار محبوباً للحقِّ محبّاً له، يتقرَّب إليه أوَّلاً بالفرائض وهو يحبُّها، ثمَّ اجتهد في النَّوافل التي يحبُّها ويحبُّ فاعلها، فأتى بكلِّ ما يقدر عليه من محبوب الحقِّ؛ فأحبَّه الحقُّ لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتِّفاق الإرادة بحيث يحبُّ ما يحبُّه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه، والرَّبُّ يكره أن يسوء عبده ومحبوبه؛ فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محابِّ محبوبه.

    والله سبحانه وتعالى قد قضى بالموت؛ فكلُّ ما قضى به فهو يريده ولا بدَّ منه، فالرَّبُّ مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده وهي المساءة التي تحصل له بالموت؛ فصار الموت مراداً للحقِّ من وجه مكروهاً له من وجه، وهذا حقيقة التَّردُّد، وهو أن يكون الشَّيء الواحد مراداً من وجه مكروهاً من وجه، وإن كان لا بدَّ من ترجُّح أحد الجانبين كما ترجَّح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبُّه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته)*.

    * * *

    


المراد بقولهم: الإيمان قول وعمل
(إنَّ من قال من السَّلف: الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللِّسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أنَّ لفظ القول لا يُفهم منه إلاَّ القول الظَّاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية؛ قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللِّسان، وأمَّا العمل؛ فقد لا يُفهم منه النِّيَّة فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السُّنَّة؛ فلأنَّ ذلك كلَّه لا يكون محبوباً لله إلاَّ باتِّباع السُّنَّة، وأولئك لم يريدوا كلَّ قول وعمل، إنَّما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرَّدَّ على ((المرجئة)) الذين جعلوه قولاً فقط؛ فقالوا: بل هو قول وعمل. والذين جعلوه ((أربعة أقسام)) فسَّروا مرادهم كما سئل سهل بن عبدالله التَّستريُّ عن الإيمان: ما هو؟ فقال: قول وعمل ونيَّة وسنَّة؛ لأنَّ الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نيَّة فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونيَّة بلا سنَّة فهو بدعة)*.

    


ما كان في القلب لا بدَّ أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح
(أصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتَّصديق والحبِّ والانقياد، وما كان في القلب فلا بدَّ أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دلَّ على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظَّاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له؛ لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح؛ كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: ((إنَّ القلب ملك، والأعضاء جنوده؛ فإن طاب الملك طابت جنوده، وإذا خَبُثَ الملك خبثت جنوده))(1)، وفي ((الصَّحيحين)) عنه ( أنَّه قال: ((إنَّ في الجسد مضغة، إذا صَلُحت صَلُح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب))(2).

    ولهذا ظنَّ طوائف من النَّاس أنَّ الإيمان إنَّما هو في القلب خاصَّة، وما على الجوارح ليس داخلاً في مسمَّاه، ولكن هو من ثمراته ونتائجه الدَّالَّة عليه، حتَّى آل الأمر بغلاتهم - كجهم وأتباعه - إلى أن قالوا: يمكن أن يصدق بقلبه ولا يظهر بلسانه إلاَّ كلمة الكفر مع قدرته على إظهارها، فيكون الذي في القلب إيماناً نافعاً له في الآخرة، وقالوا: حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول؛ فلكونه دليلاً على انتفاء ما في القلب.

    وقولهم متناقض؛ فإنَّه إذا كان ذلك دليلاً مستلزماً لانتفاء الإيمان الذي في القلب امتنع أن يكون الإيمان ثابتاً في القلب، مع الدَّليل المستلزم لنفيه، وإن لم يكن دليلاً لم يجز الاستدلال به على الكفر الباطن.

    والله سبحانه في غير موضع يبيِّن أنَّ تحقيق الإيمان وتصديقه بما هو من الأعمال الظَّاهرة والباطنة؛ كقوله: {إنَّما المُؤْمِنونَ الذينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتِهِ زادَتْهُمْ إيماناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلونَ. الذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقونَ. أولئكَ هُمُ المُؤْمِنونَ حَقّاً...}(1).

    وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمنونَ حَتَّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّموا تَسْليماً}(2).

    فإذا قال القائل: هذا يدلُّ على أنَّ الإيمان ينتفي عند انتفاء هذه الأمور لا يدلُّ على أنَّها من الإيمان.

    قيل: هذا اعتراف بأنَّه ينتفي الإيمان الباطن مع عدم مثل هذه الأمور الظَّاهرة؛ فلا يجوز أن يَّدعي أنَّه يكون في القلب إيمان ينافي الكفر بدون أمور ظاهرة: لا قول ولا عمل، وهو المطلوب - وذلك تصديق -، وذلك لأنَّ القلب إذا تحقَّق ما فيه أثَّر في الظَّاهر ضرورةً، لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر؛ فالإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التَّامَّة توجب وقوع المقدور، فإذا كان في القلب حبُّ الله ورسوله ثابتاً استلزم موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه: {لا تَجِدوا قَوْماً يُؤْمِنونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللهَ ورَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آباءَهُمْ أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عَشيرَتَهُمْ}(3) ، {وَلَوْ كانوا يُؤْمنونَ باللهِ والنَّبيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذوهُمْ أوْلِياءَ}(1) ؛ فهذا التَّلازم أمر ضروريٌّ.

    ومن جهة ظنِّ انتفاء التَّلازم غلط غالطون، كما غلط آخرون في جواز وجود إرادة جازمة مع القدرة التامَّة بدون الفعل، حتَّى تنازعوا: هل يعاقب على الإرادة بلا عمل؟ وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع، وبيَّنَّا أنَّ الهمَّة التي لم يقترن بها فعل ما يقدر عليه الهامُّ ليس إرادة جازمة، وأنَّ الإرادة الجازمة لا بدَّ أن يوجد معها ما يقدر عليه العبد، والعفو وقع عمَّن همَّ بسيِّئة ولم يفعلها لا عن من أراد وفعل المقدور عليه وعجز عن حصول مراده، كالذي أراد قتل صاحبه فقاتله حتى قُتل أحدهما؛ فإنَّ هذا يعاقب لأنَّه أراد وفعل المقدور من المراد، ومن عرف الملازمات التي بين الأمور الباطنة والظَّاهرة زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع التي كثر اختلاف النَّاس فيها.

    بقي أن يقال: فهل اسم الإيمان للأصل فقط، أو له ولفروعه؟

    والتَّحقيق: أنَّ الاسم المطلق يتناولهما، وقد يخصُّ الاسم وحده بالاسم مع الاقتران، وقد لا يتناول إلاَّ الأصل إذا لم يخصَّ إلاَّ هو، كاسم الشَّجرة؛ فإنَّه يتناول الأصل والفرع إذا وُجدت، ولو قُطعت الفروع لكان اسم الشَّجرة يتناول الأصل وحده)(2) .

    


الإيمان والنِّفاق أصله في القلب والعمل دليل عليه وإذا حصل دليل الشَّيء حصل أصله المدلول عليه
(... وأيضاً؛ فإنَّ الله سبحانه وإن كان قد علم منهم - يعني: الذين لمزوا النَّبيَّ - النِّفاق قبل هذا القول، لكن لم يُعلِم نبيَّه بكلِّ من لم يظهر نفاقه، بل قال: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرابِ مُنافِقونَ وَمِنْ أهْلِ المدينَةِ مَرَدوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنَ نَعْلَمُهُمْ}(1)، ثمَّ إنَّه سبحانه ابتلى النَّاس بأمور يميِّز بين المؤمنين والمنافقين؛ كما قال تعالى: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذينَ آمَنوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقينَ}(2)، وقال تعالى: {ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنينَ عَلَى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}(3)، وذلك لأنَّ الإيمان والنِّفاق أصله في القلب، وإنَّما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه؛ فإذا ظهر من الرَّجل شيء من ذلك ترتَّب الحكم عليه، فلمَّا أخبر سبحانه أنَّ الذين يلمزون النَّبيَّ ( والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أنَّ ذلك دليلٌ على النِّفاق وفرعٌ له، ومعلومٌ أنَّه إذا حصل فرعُ الشَّيء ودليلهُ حصل أصلُه المدلولُ عليه؛ فثبت أنَّه حَيْثُما وُجد ذلك كان صاحبه منافقا،ً سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حَدَثَ له النِّفاق بهذا القول.

    فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون هذا القولُ دليلاً للنَّبيِّ ( على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعيانهم وإن لم يكن دليلاً من غيرهم؟

    قلنا: إذا كان دليلاً للنَّبيِّ ( الذي يمكن أن يُغْنِيَهُ الله بِوَحْيِهِ عن الاستدلال؛ فأن يَكُونَ دليلاً لمن لا يمكنه معرفةُ البواطنِ أوْلى وأحْرَى.

    وأيضاً؛ فلو لم تكن الدلالة مُطَّردة في حقِّ كلِّ مَنْ صدر منه ذلك القولُ لم يكن في الآية زَجْرٌ لغيرهم أن يقول مثل هذا القول، ولا كان في الآية تعظيمٌ لذلك القول بعينه؛ فإنَّ الدَّلالة على عين المنافق قد تكون مخصوصة بعينه وإن كانت أمراً مُباحاً، كما لو قيل: من المنافقين صاحب الجمل الأحمر وصاحبُ الثوب الأسود ونحو ذلك، فلمَّا دلَّ القرآن على ذمِّ عَيْنِ هذا القول والوعيدِ لصاحبه عُلم أنَّه لم يُقصَد به الدَّلالة على المنافقين بأعيانهم فقط، بل هو دليل على نوعٍ من المنافقين.

    وأيضاً؛ فإنَّ هذا القول مناسبٌ للنفاق، فإنَّ لَمْزَ النَّبيِّ ( وأذاه لا يفعله مَنْ يعتقد أنَّه رسولُ الله حقّاً، وأنَّه أَوْلى به من نَفْسه، وأنَّه لا يقول إلاَّ الحقّ، ولا يحكم إلاَّ بالعدل، وأنَّ طاعته طاعة لله، وأنَّه يجب على جميع الخلق تعزِيرُه وتوقيره، وإذا كان دليلاً على النفاق نفسِهِ؛ فحيثما حصل حصل النفاق)*.

    


أصل العمل عمل القلب وما يتناوله لفظ : ((السنة)) في كلام السلف
(أصل العمل عمل القلب، وهو الحب والتَّعظيم المنافي للبغض والاستكبار. ثم قالوا: ولا يُقبل قول وعمل إلاَّ بنيَّة، وهذا ظاهر؛ فإنَّ القول والعمل إذا لم يكن خالصاً لله تعالى لم يقبله الله تعالى. ثم قالوا: ولا يُقبل قول وعمل ونيَّة إلاَّ بموافقة السُّنَّة؛ وهي الشريعة، وهي ما أمر الله به ورسوله؛ لأنَّ القول والعمل والنيَّة الذي لا يكون مسنوناً مشروعاً قد أمر الله به يكون بدعة ليس مما يحبه الله؛ فلا يقبله الله ولا يصلح، مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب.

    ولفظ ((السنة)) في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات، وهذا كقول ابن مسعود وأُبيِّ بن كعب وأبي الدَّرداء رضي الله عنهم: ((اقتصاد في سنَّة خير من اجتهاد في بدعة))، وأمثال ذلك.

    والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله الطاهرين وأصحابه أجمعين)*.

    

    * * *

    


الكفر المطلق وكفر المعين
(والتحقيق في هذا: أنَّ القول قد يكون كفراً؛ كمقالات الجهميَّة الذين قالوا: إنَّ الله لا يتكلَّم ولا يرى في الآخرة؛ ولكن قد يخفى على بعض النَّاس أنَّه كفر، فيُطلق القول بتكفير القائل؛ كما قال السَّلف: من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر، ومن قال: إنَّ الله لا يرى في الآخرة؛ فهو كافر، ولا يكفر الشَّخص المعيَّن حتَّى تقوم عليه الحجَّة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصَّلاة والزَّكاة واستحلَّ الخمر والزِّنا وتأوَّل؛ فإنَّ ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأوِّل المخطىء في تلك لا يحكم بكفره إلاَّ بعد البيان له واستتابته - كما فعل الصَّحابة في الطَّائفة الذين استحلُّوا الخمر -؛ ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح: ((في الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذِّبني عذاباً ما عذَّبه أحداً من العالمين))(1)، وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرَّقوه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع)*.

    


تفصيل القول في حكم تارك الأركان الأربعة وبخاصَّة الصَّلاة
(... وأمَّا مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئاً من هذه الأركان الأربعة؛ ففي التَّكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد:

    أحدها: أنَّه يكفَّر بترك واحد من الأربعة، حتَّى الحجّ، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكليَّة كفر...

    والثَّاني: أنَّه لا يكفَّر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب...

    والثَّالث: لا يكفَّر إلاَّ بترك الصَّلاة...

    والرَّابع: يكفرَّ بتركها وترك الزكاة فقط.

    والخامس: بتركها وترك الزَّكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصِّيام والحجِّ. وهذه المسألة لها طرفان:

    أحدهما: في إثبات الكفر الظَّاهر.

    الثَّاني: في إثبات الكفر الباطن.

    فأمَّا الطَّرف الثَّاني؛ فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولاً وعملاً كما تقدَّم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأنَّ الله فرض عليه الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجَّ ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان ولا يؤدِّي لله زكاة لا يحجّ إلى بيته؛ فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلاَّ مع نفاق في القلب وزندقة ولا مع إيمان صحيح، ولهذا إنَّما يصف سبحانه بالامتناع من السُّجود الكفار؛ كقوله: {يّوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجودِ فَلاَ يَسْتَطيعونَ. خاشِعَةً أبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجودِ وَهُمْ سالِمونَ}(1)...

    و((أيضاً)) في القرآن علَّق الأخوَّة في الدِّين على نفس إقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة، كما علَّق ذلك على التوبة من الكفر، فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوَّة.

    و((أيضاً))؛ فقد ثبت عن النَّبيِّ ( أنَّه قال: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمن تركها فقد كفر))(2)، وفي ((المسند)): ((من ترك الصلاة متعمِّدا؛ً فقد برئت منه الذِّمَّة))(3) .

     و((أيضاً))؛ فإن شعار المسلمين الصَّلاة، ولهذا يعبَّر عنهم بها؛ فيقال: اختلف أهل الصَّلاة واختلف أهل القبلة، والمصنِّفون لمقالات المسلمين يقولون: ((مقالات الإسلاميِّين، واختلاف المصلِّين))، وفي ((الصَّحيح)): ((من صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا))(4) ، وأمثال هذه النُّصوص كثيرة في الكتاب والسُّنَّة.

    وأمَّا الذين لم يكفِّروا بترك الصَّلاة ونحوها؛ فليس لهم حجَّة إلاَّ وهي متناولة للجاحد كتناولها للتَّارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جواباً لهم عن التَّارك، مع أنَّ النُّصوص علَّقت الكفر بالتَّولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتجّ بها المرجئة؛ كقوله، ((من شهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ورَوْح منه... أدخله الله الجنَّة))(1)، ونحو ذلك من النُّصوص.

    وأجود ما اعتمدوا عليه قوله (: ((خمس صلوات كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة؛ فمن حافظ عليهنَّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنَّة، ومن لم يحافظ عليهنَّ لم يكن له عند الله عهد: إن شاء عذَّبه، وإن شاء أدخله الجنَّة))(2)، قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة، ولا دلالة في هذا، فإنَّ الوعد بالمحافظة عليها، والمحافظةُ فعلها في أوقاتها كما أُمر؛ كما قال تعالى: {حافِظوا عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى}(3) ، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخَّر النَّبيِّ ( صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها وعلى غيرها من الصَّلوات.

    وقد قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلَفٌ أضاعوا الصَّلاةَ واتَّبَعوا الشَّهّواتِ فَسَوْفَ يَلْقونَ غِيّاً}(4) ؛ فقيل لابن مسعود وغيره: ((ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها. فقالوا: ما كنَّا نظنُّ ذلك إلاَّ تركها! فقال: لو تركوها لكانوا كفَّاراً))(5) .

    وكذلك قولـه: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّين.َ الذينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ ساهونَ}(1) : ذمهم مع أنهم يصلون؛ لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة من فعلها في الوقت وإتمام أفعالها المفروضة، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن النبي( أنه قال: ((تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً))(2) ؛ فجعل هذه صلاة المنافقين لكونه أخرها عن الوقت ونقرها.

    وقد ثبت في ((الصحيح)) عن النبي (: أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر، وقالوا: يا رسول الله! أفلا نقاتلهم! قال:((لا، ما صلوا))(3) ، وثبت عنه أنه قال: ((سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؛ فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة))(4) ؛ فنهى عن قتالهم إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها.

    وإذا عرف الفرق بين الأمرين؛ فالنبي ( إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ؛ فإنه لو تناول ذلك قتلوا كفاراً مرتدين بلا ريب، ولا يتصور في العادة أن رجلاً يكون مؤمناً بقلبه، مقراً بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزماً لشريعة النبي ( وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمناً في الباطن! قط لا يكون إلا كافراً، ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها؛ كان هذا القول مع هذه الحال كذباً منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبياً من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال؛ كان كاذباً فيما أظهره من القول.

    فهذا الموضع ينبغي تدبره؛ فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في ((مسألة الإيمان))، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه.

    وحينئذٍ؛ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات ويترك بعضها كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق؛ كما ثبت عنه في ((الصحيح)) أنه قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق؛ حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))(1) .

    وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيراً من الناس؛ بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحياناً ويدعون أحياناً؛ فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام؛ فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض - كابن أُبي وأمثاله من المنافقين -؛ فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى.

    وبيان ((هذا الموضع)) مما يزيل الشبهة؛ فإن كثيراً من الفقهاء يظن أن من قيل: هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث ولا يورث ولا يناكح؛ حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك؛ فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ((ثلاثة أصناف)): مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات؛ بل من لا يشكون في نفاقه ومن نزل القرآن ببيان نفاقه - كابن أُبي وأمثاله -، ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته)*.

    * * *

    


التكفير المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين
(إن المتجهد في مثل هذا - يعني: إنكار علو الله - من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق؛ فإن الله يغفر له خطأه وإن حصل منه نوع تقصير، فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر، وإن كان يُطلق القول بأن هذا الكلام كفر كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية، مثل القول بخلق القرآن أو إنكار الرؤية أو نحو ذلك مما هو دون إنكار علو الله على الخلق، وأنه فوق العرش؛ فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من أظهر الأمور، فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة التي تكفِّر تاركها.

    كما ثبت في الصحاح عن النبي ( في الرجل الذي قال: ((إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك. فغفر له))(1).

    فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك، وأنه لا يبعثه، وكلٌ من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته.

    فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل؛ فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتّباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك؛ فعظيم.

    فقد ثبت في ((الصحيح)) عن ثابت بن الضحاك عن النبي ( ؛ قال: ((لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمناً بالكفر؛ فهو كقتله))(1) .

    وثبت في ((الصحيح)) أن من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهما(2) ، وإذا كان تكفير المعيّن على سبيل الشتم كقتله؛ فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟! فإن ذلك أعظم من قتله؛ إذ كل كافر يباح قتله، وليس كل من أبيح قتله يكون كافراً، فقد يُقتل الداعي إلى بدعة لإضلاله الناس وإفساده مع إمكان أن الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان؛ فإنه قد تواترت النصوص بأنه يخرج من النار مَنْ في قلبه مثقال ذرة من إيمان)*.

    


المرجئة غلطوا في أصلين
فهؤلاء (أهل الكلام المرجئة) غلطوا في ((أصلين)):

    أحدهما: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقاً...

    والثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار؛ فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار؛ فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه، وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك؛ فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس؛ كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق)* .

    


أصناف المرجئة وأوجه غلطهم والرد عليها
((المرجئة ثلاثة أصناف)):

    الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة...

    و((القول الثاني)): من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.

    و((الثالث)): تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم، وهؤلاء غلطوا من وجوه:

    أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص، وليس الأمر كذلك؛ فإن أتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد، وأوجب على أمة محمد من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم، والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن، والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مفصلاً ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملاً؛ فإنه لا بد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر، لكن من صدق الرسول ومات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك، وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة؛ فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر وأمر أمر ما لا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شيء آخر.

    و((أيضاً))؛ لو قدر أنه عاش؛ فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصَّل في الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصَّل بالمناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة؛ فصار يجب من الإيمان تصديقاً وعملاً على أشخاص ما لا يجب على آخرين.

    ... فإذا قيل: الأعمال الواجبة من الإيمان؛ فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئاً واحداً في حق جميع الناس، وأهل السنة والحديث يقولون: جميع الأعمال الحسنة واجبها ومستحبها من الإيمان؛ أي: من الإيمان الكامل بالمستحبات ليست من الإيمان الواجب، ويفرق بين الإيمان الواجب وبين الإيمان الكامل بالمستحبات، كما يقول الفقهاء: الغسل ينقسم إلى مجزىء وكامل؛ فالمجزىء: ما أتى فيه بالواجبات فقط، والكامل: ما أتى فيه بالمستحبات، ولفظ الكمال قد يراد به الكمال الواجب وقد يراد به الكمال المستحب.

    وأما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع؛ فهذا صحيح، وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب؛ فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال؛ فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة...

    الوجه الثاني: ... ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب؛ كما تقدم عن جهمية المرجئة.

    الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاماً بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبّب ولا يجعلونها لازمة له، والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر؛ ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب...)*.

    * * *

    


من حجج المرجئة والرد عليها
(فإن قيل: فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله، فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان؛ فيلزم تكفير أهل الذنوب كما تقوله الخوارج، أو تخليدهم في النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما تقوله المعتزلة، وكلا هذين القولين شر من قول المرجئة؛ فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد المذكورين عند الأمة بخير، وأما الخوارج والمعتزلة؛ فأهل السنة والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم.

    قيل: أولاَ: ينبغي أن يُعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار؛ فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضاً على أن نبينا ( يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته.

    ففي ((الصحيحين)) عنه أنه قال: ((لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة))(1) ، وهذه الأحاديث مذكورة في مواضعها...

    وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله؛ فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان؛ فإنهم ظنوا أنه متي ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء، ثم قالت ((الخوارج والمعتزلة)): هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق؛ كما قاله أهل الحديث؛ قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار. وقالت ((المرجئة)) على اختلاف فرقهم: لا تُذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئاً من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء؛ فيكون شيئاً واحداً يستوي فيه البر والفاجر، ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه؛ كقوله: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))(1).

    ولهذا كان ((أهل السنة والحديث)) على أنه يتفاضل، وجمهورهم يقولون: ((يزيد وينقص ...))*.

    * * *

    


الرد على قول المرجئة: المراد بالإيمان التصديق
(إن ((المرجئة)) لما عدلوا عن معرفة كلام الله ورسوله؛ أخذوا يتكلمون في مسمى ((الإيمان)) و((الإسلام)) وغيرهما بطرق ابتدعوها، مثل أن يقولوا: ((الإيمان في اللغة)) هو التصديق، والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها، فيكون مراده بالإيمان التصديق! ثم قالوا: والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان أو بالقلب؛ فالأعمال ليست من الإيمان، ثم عمدتهم أن الإيمان هو التصديق قوله: {وَمَا أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}(1) ؛ أي: بمصدق لنا.

    فيقال لهم: ((اسم الإيمان)) قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ، وهو أصل الدين، وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويفرق بين السعداء والأشقياء ومن يوالي ومن يعادي، والدين كله تابعٌ لهذا، وكل مسلم محتاج إلى معرفة ذلك؛ أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله ووكله إلى هاتين المقدمتين؟!

    ومعلوم أن الشاهد الذي استشهدوا به على أن الإيمان هو التصديق أنه من القرآن، ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبي ( أعظم من تواتر لفظ الكلمة؛ فإن الإيمان يحتاج إلى معرفة جميع الأمة فينقلونه، بخلاف كلمة من سورة، فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون هذه السورة؛ فلا يجوز أن يجعل بيان أصل الدين مبنياً على مثل هذه المقدمات، ولهذا كَثُر النزاع والاضطراب بين الذين عدلوا عن صراط الله المستقيم وسلكوا السبل وصاروا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، ومن الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات؛ فهذا كلام عام مطلق.

    ثم يقال: ((هاتان المقدمتان)) كلاهما ممنوعة، فمن الذي قال: إن لفظ الإيمان مرادف للفظ التصديق؟ وهب أن المعنى يصح إذا استعمل في هذا الموضع، فلم قلت: إنه يوجب الترادف؟ ولو قلت: ما أنت بمسلم لنا، ما أنت بمؤمن لنا؛ صح المعنى، لكن لم قلت: إن هذا هو المراد بلفظ مؤمن؟ وإذا قال: {وأقيموا الصَّلاةَ}(1)؟ ولو قال القائل: أتموا الصلاة، ولازموا الصلاة، التزموا الصلاة، افعلوا الصلاة؛ كان المعنى صحيحاً، لكن لا يدل هذا على معنى: أقيموا؛ فكون اللفظ يرادف اللفظ يراد دلالته على ذلك.

    ثم يقال: ليس هو مرادفاً له، وذلك من وجوه:

    أحدها: أن يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه وآمن به؛ بل يقال: آمن له، كما قال: {فَآمَنَ لَهُ لوطٌ}(2) ، وقال : {فَمَا آمَنَ لِموسى إلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ}(3)، قال فرعون: {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ}(4) ، وقالوا لنوح: {أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلونَ}(5) ، وقال تعالى: {قُلْ أذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ باللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ}(6) ، {فَقَالوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُما لَنَا عابِدونَ}(7) وقال: {وإنْ لَمْ تُؤْمِنوا لي فَاعْتَزِلونِ}(8) ...

    الثاني: أنه ليس مرادفاً للفظ التصديق في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، فمن قال: السماء فوقنا؛ قيل له: صدق، كما يقال: كذب، وأما لفظ الإيمان؛ فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة؛ كقوله: طلعت الشمس وغربت، أنه يقال: آمناه، كما يقال: صدقناه، ولهذا المحدثون والشهود ونحوهم يقال: صدقناهم، وما يقال: آمنا لهم؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن؛ فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر، كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في هذا النوع، والاثنان إذا اشتركا في معرفة الشيء يقال: صدق أحدهما صاحبه، ولا يقال: آمن له؛ لأنه لم يكن غائباً عنه ائتمنه عليه، ولهذا قال: {فَآمَنَ لَهُ لوطٌ}(1) ، {أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلَنَا}(2) ، {آمَنْتُمْ لَهُ}(3) ، {يُؤْمِنُ باللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ}(4) ، فيصدقهم فيما أخبروا به مما غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك؛ فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة؛ كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قالوا: {وَمَا أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}(5) ؛ أي: لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك؛ فلو صدقوا لم يأمن لهم.

    الثالث: إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق؛ فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك؛ لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط؛ عُلم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيباً ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعاً بلا تكذيب؛ فلا بد أن يكون الإيمان تصديقاً مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق؛ فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر؛ فيجب أن يكون كل مؤمن مسلماً منقاداً للأمر، وهذا هو العمل...

    الرابع: أن من الناس من يقول: الإيمان أصله في اللغة من الأمن الذي هو ضد الخوف، فآمن؛ أي: صار داخلاً في الأمن...

    وأما ((المقدمة الثانية))؛ فيقال: إنه إذا فرض أنه مرادف للتصديق، فقولهم: إن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان؛ عنه جوابان:

    أحدهما: المنع، بل الأفعال تسمى تصديقاً؛ كما ثبت في ((الصحيح)) عن النبي ( أنه قال: ((العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه))(1) .

    وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف، قال الجوهري: والصِّديق مثل الفِسِّيق: الدائم التصديق، ويكون الذي يصدق قوله بالعمل. وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني؛ ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وهذا من التصديق، وتسأل عن الدين؛ فالدين هو العبادة؛ فإنك لن تجد رجلاً من أهل الدين ترك عبادة أهل الدين ثم لا يدخل في دين آخر إلا صار ديناً له، وتسأل عن العبادة والعبادة هي الطاعة، ذلك أنه من أطاع الله فيما أمره به وفيما نهاه عنه؛ فقد آثر عبادة الله، ومن أطاع الشيطان في دينه وعمله؛ فقد عبد الشيطان، ألا ترى أن الله قال للذين فرطوا: {ألَمَ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَني آدَمَ أنْ لا تَعْبُدوا الشَّيْطانَ}(1) ، وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه في دينهم.

    وقال أسد بن موسى: حدثنا الوليد بن مسلم الأوزاعي، حدثنا حسان ابن عطية؛ قال: الإيمان في كتاب الله صار إلى العمل. قال الله تعالى: {إنَّمَا المُؤْمِنونَ الذينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...}(2) الآية، ثم صيرهم إلى العمل، فقال: {الذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقونَ}(3) ؛ قال: وسمعت الأوزاعي يقول: قال الله تعالى: {فَإنْ تابوا وأقاموا الصَّلاةَ وآتوا الزَّكاةَ فَإخْوانُكُمْ في الدِّينِ}(4) ، والإيمان بالله باللسان، والتصديق به العمل.

    وقال معمر عن الزهري: كنا نقول: الإسلام بالإقرار، والإيمان بالعمل، والإيمان: قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر، وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله؛ فإن كان عمله أوزن من قوله صعد إلى الله، وإن كان كلامه أوزن من عمله لم يصعد إلى الله. ورواه أبو عمرو الطلمنكي بإسناده المعروف. وقال معاوية بن عمرو: عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي؛ قال: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة.

    وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل؛ العمل من الإيمان والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق بعمله؛ فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله؛ كان في الآخرة من الخاسرين، وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف: أنهم يجعلون العمل مصدقاً للقول.

    وكذلك ((الجواب الثاني)): أنه إذا كان أصله التصديق؛ فهو تصديق مخصوص، كما أن الصلاة دعاء مخصوص، والحج قصد مخصوص، والصيام إمساك مخصوص، وهذا التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عند الإطلاق؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظياً: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو باللزوم؟

    ومما ينبغي أن يُعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا؛ فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء - كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم - متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل؛ فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضاً بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة، والذين ينفون عن الفاسق اسم الإيمان من أهل السنة متفقون على أنه لا يخلد في النار؛ فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول، وما تواتر عنه أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء، ولكن ((الأقوال المنحرفة)) قول من يقول بتخليدهم في النار؛ كالخوارج والمعتزلة، وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أن أحداً منهم يدخل النار؛ بل نقف في هذا كله. وحُكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام.

    ويقال للخوارج: الذي نفى عن السارق والزاني والشارب وغيرهم الإيمان هو لم يجعلهم مرتدين عن الإسلام، بل عاقب هذا بالجلد وهذا بالقطع، ولم يقتل أحداً إلا الزاني المحصن، ولم يقتله قتل المرتد؛ فإن المرتد يقتل بالسيف بعد الاستتابة، وهذا يرجم بالحجارة بلا استتابة؛ فدل ذلك على أنه وإن نفى عنهم الإيمان فليسوا عنده مرتدين عن الإسلام مع ظهور ذنوبهم، وليسوا كالمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر؛ فأولئك لم يعاقبهم إلا على ذنب ظاهر)*.

    * ** *

    


أوجه معرفة زيادة الإيمان الذي أمر الله به
(وزيادة الإيمان الذي أمر الله به والذي يكون من عباده المؤمنين يعرف من وجوه:

    أحدها: الإجمال والتفصيل فيما أمروا به؛ فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملاً؛ فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه غيره...

    الوجه الثاني: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، فمن آمن بما جاء به الرسول مطلقاً فلم يكذبه قط، لكن أعرض عن معرفة أمره ونهيه وخبره وطلب العلم الواجب عليه، فلم يعلم الواجب عليه ولم يعمله، بل اتبع هواه، وآخر طلب علم ما أمر به فعمل به، وآخر طلب علمه فعلمه وآمن به ولم يعمل به، وإن اشتركوا في الوجوب، لكن من طلب علم التفصيل وعمل به؛ فإيمانه أكمل به، فهؤلاء ممن عرف ما يجب عليه والتزمه وأقر به، لكنه لم يعمل بذلك كله، وهذا المقر بما جاء به الرسول المعترف بذنبه الخائف من عقوبة ربه على ترك العمل أكمل إيماناً ممن لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول (، مع أنه مقر بنبوته باطناً وظاهراً.

    فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول فصدقه، وما أمر به فالتزمه؛ كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك؛ وإن كان معه التزام عام وإقرار عام

    وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها فآمن بها؛ كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء، بل آمن بها إيماناً مجملاً أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته وآياته كان إيمانه به أكمل.

    الثالث: أن العلم والتصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبت وأبعد عن الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد مثل رؤية الناس للهلال وإن اشتركوا فيها؛ فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكذلك سماع الصوت الواحد وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام؛ فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة! والمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه يتفاضل الناس في معرفتها أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها.

    الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله؛ فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به.

    الخامس: أن أعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله وخشية الله تعالى ورجائه ونحو ذلك هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلاً عظيماً.

    السادس: أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة هي أيضاً من الإيمان، والناس يتفاضلون فيها.

    السابع: ذكر الإنسان بقلبه ما أمره الله به واستحضاره لذلك بحيث لا يكون غافلاً عنه أكمل ممن صدق به وغفل عنه؛ فإن الغفلة تضاد كمال العلم والتصديق والذكر، والاستحضار يكمل العلم واليقين...

    الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذباً ومنكراً لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر؛ بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه؛ فيصدق بما كان مكذباً به، ويعرف ما كان منكراً، وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافراً؛ بل جاهلاً، وهذا وإن أشبه المجمل والمفصل لكون قلبه سليماً عن تكذيب وتصديق لشيء من التفاصيل وعن معرفة وإنكار لشيء من ذلك، فيأتيه التفصيل بعد الإجمال على قلب ساذج، وأما كثير من الناس، بل من أهل العلوم والعبادات؛ فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف ما جاء به الرسول وهم لا يعرفون أنها تخالف؛ فإذا عرفوا رجعوا، وكل من ابتدع في الدين قولاً أخطأ فيه أو عمل عملاً أخطأ فيه وهو مؤمن بالرسول، أو عرف ما قاله وآمن به لم يعدل عنه؛ هو من هذا الباب، وكل مبتدع قصده متابعة الرسول؛ فهو من هذا الباب، فمن علم ما جاء به الرسول وعمل به أكمل ممن أخطأ ذلك، ومن علم الصواب بعد الخطأ وعمل به؛ فهو أكمل ممن لم يكن كذلك)*

    


كلام نفيس جداً لأبي ثور في رده على المرجئة
(قال أبو ثور في رده على المرجئة كما روى ذلك أبو القاسم الطبري اللالكائي(1) وغيره: عن إدريس بن عبدالكريم؛ قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان وما هو، أيزيد وينقص؟ وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل؟ فأجابه أبو ثور بهذا، فقال: سألت رحمك الله وعفا عنا وعنك عن الإيمان ما هو، يزيد وينقص، وقول هو أو قول وعمل أو تصديق وعمل؟ فأخبرك بقول الطوائف واختلافهم:

    ((اعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز وجل واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به: أنه ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام؛ ثم قال: لم يعقد قلبي على شيء من ذلك: أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمناً، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمناً حتى يكون مصدقاً بقلبه مقراً بلسانه، فإذا كان تصديقاً بالقلب وإقراراً باللسان؛ كان عندهم مؤمناً وعند بعضهم لا يكون مؤمناً حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمناً، فلما نفوا أن يكون الإيمان بشيء واحد، وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم، وثلاثة أشياء في قول غيرهم؛ لم يكن مؤمناً إلا بما أجمعوا عليه من هذه الثلاثة الأشياء، وذلك أنه إذا جاء بهذه الثلاثة الأشياء؛ فكلهم يشهد أنه مؤمن؛ فقلنا بما أجمعوا عليه من التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح.

    فأما الطائفة التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان؛ فيقال لهم: ماذا أراد الله من العباد إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة: الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت عند أهل العلم، من قال إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟ وإن قالت: أراد منهم الإقرار؛ قيل: فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعاً لِمَ زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعاً؟ أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به؛ أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا؛ قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل به؛ أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم. قيل: ما الفرق؟ فقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقره مؤمناً، لا فرق بين ذلك. فإن احتج، فقال: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي ( ؛ أيكون مؤمناً بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما يطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمناً، ولو قال: أقر ولا أعمل؛ لم يطلق عليه اسم الإيمان.

    قلت - يعني الإمام أبو ثور رحمه الله -: إنه لا يكون مؤمناً إلا إذا التزم بالعمل مع الإقرار، وإلا؛ فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمناً)).

    وهذا الاحتجاج الذي ذكره أبو ثور هو دليل على وجوب الأمرين: الإقرار والعمل، وهو يدل على أن كلاًّ منهما من الدين، وأنه لا يكون مطيعاً لله ولا مستحقاً للثواب ولا ممدوحاً عند الله ورسوله إلا بالأمرين جميعاً، وهو حجة على من يجعل الأعمال خارجة عن الدين والإيمان جميعا)*.

    


المرجئة أخوف على هذه الأمة من الخوارج
(دخل في ((إرجاء الفقهاء)) جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحداً من ((مرجئة الفقهاء))، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال لا من بدع العقائد؛ فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب؛ فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سبباً لخطإ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم ((الإرجاء))؛ حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم - يعني: المرجئة - أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة(1) . وقال الزهري: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الأرجاء. وقال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء. وقال شريك القاضي - وذكر المرجئة؛ فقال -: هم أخبث قوم، حسبك بالرافضة خبثاً، ولكن المرجئة يكذبون على الله. وقال سفيان الثوري: تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري(2) . وقال قتادة: إنما حدث الإرجاء بعد فتنة فرقة ابن الأشعث)*.

    


ألفاظ القرآن والحديث إذا عرف معناها الشرعي لم يُحتج إلى اللغوي وفيه الرد على الخوارج والمرجئة
(ومما ينبغي أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ( لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء:

    ((الأسماء ثلاثة أنواع)):

    نوع يُعرف حده بالشرع؛ كالصلاة والزكاة.

    ونوع يُعرف حده باللغة؛ كالشمس والقمر.

    ونوع يُعرف حده بالعرف؛ كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله: {وعاشِروهُنَّ بِالمَعْروفِ}، ونحو ذلك...

    فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول ( ما يُراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي ( ؛ لم يقبل منه، وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها؛ فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام هو زيادة في العلم وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا.

    واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله؛ فالن