الموسوعات مكتبة الدرر السنية مقالات وبحوث المشرف مقالات وبحوث مميزة فتاوى واستشارات مشاركات كتب جديدة كتاب الأسبوع
تصفح الكتاب
  الوقت المستغرق في البحث (بالثانية):

التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أوالفعل أوالاعتقاد


بين يدي الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين. أما بعد :

    فقد كنت فرغتُ من هذا الكتاب قبل سنة تقريبا وأرسلت نُسخاً منه لعدد من العلماء وطلاب العلم وفي مقدمتهم الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - يرحمه الله - كما أرسلت لبقية أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - بالسعودية - :

    الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ عبد الله الغديان والشيخ صالح الفوزان والشيخ بكر أبوزيد ، كما أرسلت نسخاً للشيخ محمد بن صالح العثيمين ، والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ عبد الرحمن البراك وغيرهم من العلماء وطلبة العلم لأخذ ملاحظاتهم وتصويباتهم ، وقد تجاوب أكثرهم مع الكتاب وجاءتني منهم تعليقاتٌ وإضافاتٌ زادت الكتاب قوة ، فمنهم من علَّق على النسخة نفسها وأعادها إليَّ ، ومنهم من أرسل تعليقاته عبر جهاز الفاكس ، ومنهم من أرسل مع تعليقاته تقريظاً للكتاب ، وقد نصحني كثير منهم بالتعجيل بطبعه لينتفع به المسلمون ، لكنِّي آثرت الانتظار حتى تصلني ملاحظات الشيخ عبد العزيز يرحمه الله ، وفي هذه الفترة أعدت صف الكتاب بعد الأخذ بكثير من الآراء التي وصلتني وأرسلت إلى الشيخ النسخة المعدَّلة ، وعلمت بعد ذلك أن الكتاب وصل إليه وأنه أمر بأن يُقرأ عليه وأخبرني من كان يقرأه عليه - جزاه الله خيراً - أنه قد أنجز معه الثلث وأن الشيخَ مسرورٌ به ، فحمدت الله على ذلك ، وما هي إلا أيام حتى صُعِقْنا بنبأ وفاة الشيخ أسأل الله أن يسكنه فسيح جناته ، ثم وبعد ثلاثة أسابيع وصلني خطابٌ من مدير عام مكتب المفتي العام متضمنا تقريظ الشيخ للكتاب ومعه الكتاب نفسه وعليه تعليق واحد وتصويبات لأخطاء مطبعية.

    الفرق بين هذه النسخة والنسخة التي اطلع عليها الشيخ :

    1- كان عنوان الكتاب " المكفرات القولية والعملية من خلال أقوال العلماء " فاقترح بعض الفضلاء تغيير العنوان بما يفيد أن المقصود بالمكفرات ، الأقوال والأعمال المُخرِجة من الملة وليست مكفرات الذنوب فجعلت العنوان " التوسطُ والاقتصادُ في أن الكُفرَ يكون بالقول أو العملِ أو الاعتقادِ ".

    2- زيادة في المقدمة من قولي (ص11) : فإنه من المقطوع به … إلى قولي (ص13) : هذا وقد ترددت في الآونة الأخيرة … وذلك أخذا بقول من أشار عليَّ أنه يحسن البدء بتقرير معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان والكفر قبل الخوض في المسألة .

    3- حذفت من كلام صاحب الفروع (ابن مفلح) من قوله:وقال في الترغيب … إلى آخره كما أشار الشيخ.

    4- حذفت كلام الدسوقي كلَّه كما أشار الشيخ .

    5- أضفت كلام ابن بلبان (ص99) مكان كلام الدسوقي رغم أنه حسب الترتيب الزمني ليس هذا موضعه لكن للحفاظ على ترتيب الصفحات .

    6- أضفت (ص97) تعليقاً للشيخ رحمه الله على كلام البجيرمي .

    أما ما عدا ذلك فكلُّ ما في الكتاب فقد قُرئ على الشيخ وأقره وأثنى عليه.

    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

    المؤلف

    حُرِّرَ في 23/2/1420هـ

    


خطاب مكتب المفتي العام
المملكة العربية السعودية

    رئاسة إدارة البحوث العلمية والافتاء

    مكتب المفتي العام

    حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف وفقه الله لما فيه رضاه آمين .

    سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد .

    فإشارة إلى رسالتك الموجهة إلى سماحة الوالد المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – المشفوع بها كتابك المسمى المكفرات القولية والعملية من خلال أقوال العلماء .

    أفيدك أنه قد تم عرض رسالتك وكتابك على سماحته في حياته وقد أملى جواباً لكم ما نصه ( فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ بدون . وصلكم الله بحبل الهدى والتوفيق واطلعت على الرسالة المرفقة التي كتبتم في المكفرات القولية والعملية . وقد قرأتها كلها فألفيتها رسالة قيمة مفيدة يحسن طبعها ونشرها ليستفيد منها المسلمون بعد حذف بعض ما نقلتم عن صاحب الفروع ابتداء من قوله وقال في الترغيب إلى آخره . وحذف ما نقلتم عن الدسوقي كله لما فيه من اللبس ) فأرجو الإحاطة وأسأل الله لكم العون والتوفيق إنه جواد كريم .

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

     مدير عام مكتب مفتي عام المملكة

    عبد الله بن حافظ الحكمي

    


مقدمة
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَن يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه؛ أمَّا بعد:

    فإنه من المقطوع به عند أهل السنةِ والجماعةِ أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ(1) يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتارة يقولون : الإيمان : قولٌ باللسان ، وعملٌ بالأركان (الجوارح) ، واعتقادٌ بالجَنان (القلب)،وتارة يقولون : قولٌ وعملٌ ونِيَّةٌ ،ولهم عباراتٌ لا تختلف عن هذه في معناها،وقد حكى غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين على ذلك،ومن هؤلاء الشافعي(2) والبغوي(3) وابن عبدالبر(1) وغيرهم . بل أصبح هذا مما يميزهم عن أهل البدع.

     كما أنَّه من المقطوعِ به عندهم أنَّ من الأقوالِ والأعمالِ ما هو كفرٌ أكبر يُخرج من الملة ، وقد حكى غيرُ واحدٍ الإجماع على أنَّ سبَّ اللهِ ورسولِه كفرٌ مخرج من الملة ، ومن هؤلاء : الإمام إسحاق بن راهوية ومحمد بن سحنون(2) وغيرهما . فظنَّ بعض الناس أنَّ الكفرَ العمليَّ لا يخرج صاحبه من الإسلام وأنَّ سبَّ الله ورسوله مستثنى من ذلك(3) ، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة. بل حكى غيرُ واحدٍ الإجماع على أنَّ الكفرَ يكون بالقولِ أو الفعلِ أو الإعتقادِ ، ومن هؤلاء : العلاَّمة ابن حزم(1) والشيخ سليمان آل الشيخ(2) والشيخ عبدالله أبابطين(3) والشيخ محمد بن ابراهيم(4) ، فسقطت دعوى الاستثناء والحمد لله ، ومن فرَّق بين سبِّ الله أو رسوله وبين أي قولٍ أو عملٍ أجمع المسلمون أنه كفر كالذبح لغير الله أو السجود لصنمٍ أو نحو ذلك فعليه الدليل . فلا يظنُّ ظانٌ أَنَّ في المسألة خلافاً يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد ، إذ لا يستطيع أحدٌ أَنْ يحكي عن واحدٍ من علماء أهل السنة والجماعة خلاف ذلك البتَّةَ .

    هذا وقد تردَّدت في الآونة الأخيرة مسألة التَّكفير بالقول والعمل، وزعم بعضُهم أنَّه لا يكفُر إلاَّ من اعتقد الكفر، أمَّا من تلفَّظ به أو عمل ما هو كفرٌ صراحةً فلا يكفر؛ إذ الكفر هو الاعتقاد فقط ـ وهذا هو مذهب المرجئة المذموم ـ، مستدلِّين بتقسيم بعض العلماء الكفر إلى عمليٍّ واعتقاديٍّ، وأنَّ الأول كفرٌ أصغرُ والثاني كفرٌ أكبرُ، دون تفريقٍ بين الكفر العمليِّ الذي يعنيه العلماء والكفر بالعمل أو الأعمال المكفِّرة .

    ومن هنا نشأت شبهة أخرى وهي أنَّ المرء لو عمل عملاً كفريَّاً ، كالسُّجود لصنمٍ أو صليبٍ ، أو قال قولاً كفريّاً ،كَسَبِّ الله ورسوله، أو استهزأ بآيات الله لشهوةٍ أو غرضٍ دنيويٍ فإنَّه لا يكفُر ما لم يعتقد ؛ فعدُّوا ذلك مانعاً من موانع التَّكفير ، والذي عليه علماء أهل السنة والجماعة أنَّ موانع التكفير أربعة: ((الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه))، فمن وقع في كفرٍ عملاً أو قولاً ثم أقيمت عليه الحجة وبُيِّن له أنَّ هذا كفرٌ يخُرج من الملة فأصَرَّ على فعله طائعاً غير مُكْرَهٍ ، متعمّداً غير مخطىءٍ ولا متأوّلٍ فإنَّه يكفر ولو كان الدافع لذلك الشهوة أو أيّ غرضٍ دنيويٍّ، وهذا ما عليه أهل الحق وعليه ظاهرين إلى قيام الساعة إن شاء الله.

    ولما رأيتُ بعضَهم يستشهد بأقوالٍ محتملةٍ لبعض العلماء، نشطْتُ لجمع جملةٍ من أقوالهم في هذه المسألة . فتحصل لي منها مئات الأقوال لأكثر من مئةِ عالم، نقل بعضهم الإجماع كما تقدم.

    وهنا لابدّ من توضيحِ أمورٍ تتعلَّق بمنهج الكتاب:

    أولاً :مجمَل أقوالِ العلماءِ التي جمعتُها تنحصر في خمس عبـاراتٍ :

    1- أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل . فلم يقيّدوه بالاعتقـادِ(1) .

    2- أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد . فغايروا بينها(2).

    3- أنَّ الكفرَ يكون بالقول أو الفعل ولو لم يُعْتَقَد ، فنصُّوا على عدمِ شرطيَّةِ الاعتقاد(3).

    4ـ أنَّ الكفرَ يكون بالقول والفعل ولو لحظٍّ من حظوظِ الدُّنيـا(1) .

    5ـ ردودٌ أو إنكارٌ على الجهميّة والمرجئة الذين يشترطونَ الاعتقاد أو الاستحلال(2) .

    ومن تأمَّل هذه العبارات يجد أن مؤدَّاها واحدٌ وإنْ كان بعضُها أصرح من بعضٍ في بيان المقصود .

    ثانياً : نقلْتُ أقوال بعض فقهاء المذاهب من الأشاعرة والماتريديَّة ممَّن خالطهم شيءٌ من الإرجاء لأنَّ ذلك أبلغ في الاستشهاد وإن كان قدوتنا علماء السُّنَّة القائلين بأن الإيمان قولٌ وعملٌ .

    ثالثاً : رتَّبْتُ العلماءَ على حسب وَفَيَاتِهم ، والأحياءَ منهم على حسب ولادَتِهم .

    فكان منهم :

    1 – أئمةٌ أعلامٌ من القرون الأولى أمثال : نافع مولى ابن عمر ، وابن عيينة ، والشافعيّ، والحميديّ ، وإسحاق ، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل ، ومحمد بن سحنون ، وابن جرير الطبريّ ، وأبو الحسن الأشعريّ، والبربهاري.

    2 – ومنهم مفسِّرون أوردْتُ كلامَهم عند تفسيرهم لبعض الآيات. مثل : الجصّاص ، وإلكِيا الهرَّاسي ،وابن العربي ،و الرّازي، وابن الجوزي ، والقرطبي ، وابن كثير ، والقاسمي ، والألوسي .

    3 – ومنهم علماءُ مجتهدون : كابن حزم (الظاهري)، وابن عبد البرِّ (المالكيّ) ، والنوويّ (الشافعيّ) ، وابن تيميّة (الحنبليّ) ، وابن القيِّم (الحنبليّ)، وابن الوزير ، وابن حجر العسقلانيّ (الشافعيّ) ، والمقبليّ ، والصنعانيّ ، والشوكانيّ ، وصِدِّيق خان .

    4 – ومنهم فقهاءُ مذاهبٍ لا يسلم كثيرٌ منهم من شيء من الإرجـاءِ .

    فمن الحنفيَّة : السمرقنديِّ ، والبزدويِّ ، والكاسانيِّ ، وابن مازه ، والبزَّاز ، وابن الهُمام ، وابن أمير الحاج ، ، وابن نجيم، والكفَويِّ ، وابن عابدين . وغيرهم.

    ومن المالكيَّة : القاضي عِياض ، وابن شاس ، وابن الحاجب، والقرافيِّ ، وخليل بن إسحاق ،وابن قاسم الرصَّاع ، والعَدويِّ الشهير بالدردير ، والدسوقيِّ ، والشيخ عليش ، وغيرهم ممَّن تقدم من المفسِّرين كابن العربي والقرطبيِّ .

    ومن الشافعيّة :إمام الحرمين الجُوَينيِّ ، والسُّبكيِّ ، وجلال الدين المحليِّ، ومحمد بن قاسم الغَزِّيِّ ، وزكريَّا الأنصاريِّ ، وعميرة ، وابن حجر الهيتَميِّ ، والشربينيِّ ، والقليوبيِّ ،والعُجيليِّ المشهور بالجمل ، والبجيرميِّ ، والشرقاويِّ ، والبيجوريِّ ، والبـكريِّ. وغـيرهم.

    ومن الحنابلة : ابن قُدامة ، وابن مفلح ، وابن رجب ، والمرداوي ، وابن النجار ، والكرميِّ، والبهوتيِّ ، والرحيبانيِّ ، وابن ضويان ،وغيرهم .

    5 – ومنهم طائفة من علماء الدَّعوة النجديَّة : كالإمام محمّد بن عبد الوهاب وابنه عبد الله وحفيداه سليمان بن عبد الله وعبد الرَّحمن بن حسن، و محمد بن غريب ، وأبابطين ، وحمد بن عتيق، وأحمد بن عيسى.

    6 – ومنهم معاصِرون : كـأنور شاه الكشميريِّ ، ورشيد رضا ، والسعديِّ، والحكميِّ ، ومحمد بن إبراهيم ، والشنقيطيِّ . ومن الأحياء : ابن باز ، وابن عثيمين ، وابن جبرين ، والفوزان، وبكر أبوزيـد .

    ومن أعضاء اللجنة الدائمة في السعودية غير من ذُكر : العفيفي ، وآل الشيخ ،وابن قعود.

    رابعاً : آثرت أن أبقي كلام من نقلت عنهم كما هو ولم أعلِّق عليه إلا تعليقاتٍ يسيرةٍ وذلك لوضوح كلامهم وجلائه .

    خامساً : لم أنقل كلام العلماءِ المتعلِّق بتكفيرِ تاركِ الصَّلاة، وهم جمهور أصحاب الحديث ، علماً أنَّها أقوالٌ كثيرةٌ جداً مبثوثةٌ في كتب السَّلَف ؛ وذلك لأَنَّها مسألة اختلف فيها أصحاب الحديث(1) . ولكن هاهنا مسألةٌ مهمَّةٌ ، وهي أَنَّ أصحاب الحديث الذين لم يكفِّروا تاركَ الصَّلاة؛ لا يعنون أَنَّ الصَّلاةَ عملٌ والعمل لا يكفّر تاركه أو فاعله بغير اعتقادٍ أو استحلالٍ أو تكذيبٍ ، فهذه لَوْثَةٌ إرجائيَّةٌ حاشاهم منها . بل كما نقَلَ عنهم المروزيُّ قالوا : (( الأخبار التي جاءت في الإِكْفار بترك الصَّلاة نظير الأخبار التي جاءت في الإِكْفار بسائر الذُّنوب )) فهم نظروا إلى الأدلة التي ظاهرها التَّعارض فجمعوا بينها ورجَّحوا عدم إِكْفار تارك الصَّلاة كتارك الصَّوم والزَّكاة ،إلاَّ إذا تركها جُحوداً أو إِباءً أو استنكافاً. ولم يُنْقَل عن أحدٍ منهم أَنَّ الصَّلاة عمل وليست اعتقاداً ولا يكفُرُ تاركَ العمل ! كما أَنَّهم لم يعدّوا من يكفِّر تاركها بمثابة الخوارج الَّذين يكفِّرونَ بالذُّنوب ، وهذا إقرارٌ منهم أَنَّ تاركّ العمل قد يخرج من الملَّة ، لكن لم يترجَّحْ عندهم ذلك في شأْنِ تارك الصَّلاة.

    سادساً : هناك من فقهاء المذاهب الذين نقلْتُ عنهم ممَّن كفَّر بالقول أو العمل لكن علَّل ذلك بعباراتٍ لم تُعْهد من السَّلف - تدلُّ على تأثُّرهم بالمرجئة –. كقولهم: هذا الفعل ليس كفراً لكنّه يدلُّ على الكفر ، أو علامة على الكفر(1) . وكقولهم : لم يكفر بالعمل لكن كَفَرَ للاستخفاف(2)، أو للتكذيب، أو لعدم التصديق، أو أن هذا العمل ليس كفراً لكنَّه دليلٌ على عدم الاعتقاد أو ما شابه ذلك.وقد ردَّ عليهم ابن حزم ردّاً قويّاً(1) وكذا شيخ الإسلام ابن تيميَّة ونسب ذلك للجَهْم و من وافقه(2) وقد يُشْكِلُ على البعض عبارات صدرت لبعض العلماء علَّلَت التَّكْفير بالتَّكْذيب(3) أو الإرادة(4) أو أَنَّها مُسْتَلزمة للكفرالاعتقاديِّ(5) ، فَفَرْقٌ بين من يقول هذا العمل أو القول كفرٌ لكذا، وبين من يقول هذا ليس كفراً لكنَّه دليلٌ أو علامةٌ على الكفر فالأوَّل يثبت الكفر ويعلِّلُه والآخر ينفي الكفر ويُثْبِتُ دليلَه أو علامتَه.

    سابعاً : سيلحظ القاريءُ أَنَّ بعض العبارات والجمل مكرَّرةٌ أو متشابهةٌ ، وخاصّةً في النُّقولات عن فقهاء المذاهب وذلك لأَنَّ بعض الكتب إِمَّا أَنْ تكون اختصاراً أو شرحاً أو حاشيةً على كتبٍ أخرى ، والمعروفُ عن فقهاء المذاهب أَنَّهم ينقلون عن بعضهم كثيراً ، وإِنَّما أوردْتُ ذلك للتَّأكيد على أَنَّ التَّكفير بالقولِ والعملِ هو المذهبُ المعتمدُ عند أتباع المذاهب الأربعة .

    ثامناً: هذا الكتاب ليس ردَّاً على شُبُهات المرجئة ، فهذا يقتضي حصر شبهاتهم والردَّ عليها بالوَحْيَيْنِ – الكتاب والسنَّة – ثم ذكر أقوال الصَّحابة والتَّابعين ومن تبعهم من العلماء . لكنَّه ردٌّ على من ينسب للسَّلف القولَ بحصر التَّكفير في الاعتقاد فقط وأَنَّ هذا قول سائر العلماء، فأردْتُ أَنْ أُبَيِّنَ بُعْدَ هذا الزَّعم عن الصَّواب . أمَّا الرَّدُّ على المرجئة وشبهاتهم فقد كُفيناه منذ قرونٍ ، وقد ظهرت في السَّنوات الأخيرةِ كتبٌ ورسائلُ قيِّمةٌ عن نواقض التَّوحيد ، ونواقض الإيمان الاعتقاديَّة والقوليَّة والعمليَّة ، والتَّكفير وضوابطه ، وكتبٍ عن الإرجاء والمرجئة يمكن الرجوع إليها لمن أراد معرفةَ شبهاتهم و الرُّدود عليها.

    تاسعاً : وحيث كانت هذه النُّقولات تعالج مسألةَ التَّكْفير بالقول والفعل من جهة مغايرة لما عليه أهل الإرجاء ، إلا أَنَّني أُحبُّ أَنْ أُنَبِّه إلى أََنَّ التَّكفير حكم شرعيٌّ له حدوده وضوابطه التي ينبغي مراعاتها ، فلا بدَّ من قيام الحجَّةِ وتحَقُّق الشُّروط وانتفاء الموانع كالجهل والتَّأْويل والخطأ والإكراه ، كما أَنَّه لابدَّ من التَّفْريق بين أّنْ تقول : هذا القول أو الفعل كفرٌ أو رِدَّةٌ ، وبين التَّكفير المطلق كأَنْ تقول : من فعل كذا فهو كافرٌ أو مُرتَدٌّ ، وبين تكفير المُعَيَّن فتقول : فلانٌ كافرٌ . وقد بسط هذا شيخ الإسلام ابن تيميَّة(1) وغيره في كتبهم فلتراجع .

     كما أُحبُّ أَنْ أُحذِّرَ من الوقوع في فتنة الإرجاء و شبهِهِ الضَّالَّة لخطورة آثاره السَّيِّئة على الإسلام و المسلمين .

    وأخيراً أودُّ أَنْ أَخْتم هذه المقدِّمة بكلمات للعلاَّمة عبدالله أبا بطين لعل الله ينفع بها ، قال رحمه الله :

    (( يتعيَّن على من نصح لنفسه وعلم أَنَّه مسئولٌ عمَّا قال ومُحاسَبٌ على اعتقاده وقوله وفعله أَنْ يُعِدَّ لذلك جواباً ، ويخلع ثوبي الجهل والتعصُّب ويخلص القصدَ في طلب الحقِّ ، قال الله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا( (2) ، وليعلم أَنَّه لا يخلِّصه إلا اتّباع كتاب الله وسنَّة نبيِّه ، قال الله تعالى : (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3) (وقال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الألْبَابِ (4) ( ولما كان قد سبق في علم الله وقضائه أَنَّه سيقع الاختلاف بين الأُمَّة أَمَرهم وأوجَبَ عليهم عند التنازع الردَّ إلى كتابه وسنَّة نبيِّه ، قال تعالى :(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (1)( قال العلماء رحمهم الله: الردُّ إلى الله الردُّ إلى كتابه ، والردُّ إلى الرسول الردُّ إليه في حياته والردُّ إلى سنَّتِه بعد مماته . ودلًّت الآية أَنَّ من لم يردَّ عند التنازع إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه فليس بمؤمنٍ لقوله تعالى : (إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ((2) فهذا شرطٌ ينتفي المشْروطُ بانتفائه، ومُحالٌ أَنْ يأمرَ الله النَّاس بالرَّدِّ إلى مالا يفصل النِّزاع ، لاسيَّما في أُصول الدِّين التي لا يجوز فيها التقليدُ عند عامَّة العلماء، وقال الله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا( (3) .

    … وقد قال بعض السلف : (ما ترك أحدٌ حقَّاً إلا لِكِبْرٍ في نفسِه) . ومصداقُ ذلك قولُ النبيِّ ? حين قال: (لا يدخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قلبِهِ مثْقالَ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ )(4) ))(5) .

    واللهُ أعلمُ وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم .

     كتبه

     عَلَويُّ بن عبد القادر السَّقَّاف

     الظهران

    


التَّابعيُّ الجليل نافـع مولى ابن عمر رضي الله عنه. ت:117هـ
روى عبدالله بن أحمد في السُّنَّة بإسناده أنَّ: (( … معقل بن عبيد الله العبسيّ قال قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فعرضه . قال : فنفر منه أصحابنا نفاراً شديداً …قال فجلست إلى نافع فقلت له … إِنَّهم يقولون : نحن نقرُّ بأَنَّ الصّلاة فريضةٌ و لا نصلي ، وأَنَّ الخمر حرامٌ ونحن نشربها وأن نكاح الأمهات حرامٌ ونحن نفعل(1) . قال : فنتر يده من يدي ثم قال : من فعل هذا فهو كافر ))(2) .

    


الإمام سفيان بن عيينة . ت :198هـ
((قال عبد الله بن أحمد حدَّثنا سويد بن سعيد الهرويّ قال : سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء . فقال : يقولون الإيمان قولٌ وعملٌ ، والمرجئة أوجبوا الجنَّة لمن شهد أَنَّ لا إله إلا الله مصـرَّاً بقلبه على ترك الفرائض وسمُّوا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم ، وليس بسواء لأَنَّ ركوب المحارم من غير استحلالٍ معصية، وترك الفرائض متعمِّداً من غير جهل ولا عذر هو كفر ))(1)

    


الإمام محمّد بن إدريس الشافعيّ . ت : 204هـ
(( سئل عمَّن هزل بشيءٍ من آيات الله تعالى أنَّه قال : هو كافرٌ واستدل بقوله تعالى : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُم( (2)))(3) .

    


الإمام عبد الله بن الزّبير الحميديّ . ت:219هـ
(( أُخْبِرت أَنَّ قوماً يقولون : إِنَّ من أقرَّ بالصَّلاة ، والزَّكاة، والصَّوم ، والحجَّ ، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتىّ يموت، أو يصلِّي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً … إذا كان يقرُّ بالفرائض واستقبال القبلة ؛ فقلت : هذا الكفر الصُّراح وخلاف كتاب الله وسنَّة رسوله ? وفعل المسلمين ))(4) .

    وقال في "أصول السُّنَّة": ((وأن لا نقول كما قالت الخوارج: ((من أصاب كبيرةً فقد كفر)). ولا تكفير بشيء من الذُّنوب ، إنَّما

    الكفر في ترك الخمس التي قال رسول الله ( : (بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجُّ البيت)(1) ))(2) .

    


الإمام إسحاق بن راهويه المروزيّ . ت:238هـ
((وممَّا أجمعوا على تكفيره ، وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد ، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ، ومما جاء من عنده ، ثم قتل نبيَّاً، أو أعان على قتله ، وإن كان مُقِرَّاً ، ويقول : قتل الأنبياء محرَّمٌ ، فهو كافرٌ ، وكذلك من شتَمَ نبيَّاً ، أو ردَّ عليه قولَه من غير تقيَّةٍ ولا خوفٍ ))(3) .

     ((أجمع المسلمون على أن مـن سبَّ الله ، أو سبَّ رسولَه ?، أو دفع شيئاً مما أنزل الله عزَّ وجلَّ ، أو قتل نبيَّاً من أنبياء الله، أَنَّه كافر بذلك وإِنْ كان مُقِرَّاً بكلِّ ما أنزل الله ))(4) .

    


الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد. ت :240هـ
(( فاعْلَمْ يرحمنا الله وإيَّاك أَنَّ الإيمان تصديقٌ بالقلب وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح . وذلك أَنَّه ليس بين أهل العلم خلافٌ في رجلٍ لو قال: أشهد أَنَّ الله عزَّ وجلَّ واحدٌ وأَنَّ ما جاءت به الرُّسل حقٌّ وأقرَّ بجميع الشَّرائع ثم قال : ما عقد قلبي على شيئٍ مـن هذا ولا أصدِّق به أَنَّه ليس بمسلم .

    ولو قال : المسيح هو الله وجحد أمرَ الإسلام وقال لم يعتقد قلبي على شيئٍٍ من ذلك أَنَّه كافرٌ بإظهار ذلك وليس بمؤمنٍ ))(1).

    


إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل . ت :241هـ
قال في ردِّه على الجَهْمِ : ((فيلزمه أَنْ يقول : إذا أَقرَّ ،ثم شدَّ الزنَّار في وسطه ، وصلَّى للصَّليب ، وأتى الكنائس والبِيَع وعمل الكبائر كلَّها ، إلاَّ أَنَّه في ذلك مُقِرٌّ بالله ، فيلزمه أَنْ يكون عنده مؤمناً(2) ، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم ))(3) .

     وفي "السنَّة" للخلاَّل قال الحميديّ : (( أُخْبِرْتُ أَنَّ قوماً يقولون : إِنَّ من أقرَّ بالصَّلاة ، والزَّكاة ، والصَّوم ، والحجِّ ، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموتَ أو يصلِّي مسندٌ ظهرَه مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمنٌ ما لم يكن جاحداً إذا علم أَنَّ تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقرُّ الفروض واستقبال القبلة ؛ فقلت : هذا الكفر بالله الصُّراح وخلاف كتاب الله وسنَّة رسوله ? فعل المسلمين. قال حنبل : قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل : من قال هذا فقد كفر بالله ، وردَّ على الله أمرَه وعلى الرَّسول ما جاء به ))(1) .

    وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : ((سألت أبي عن رجل قال لرجل : يا ابن كذا وكذا أنتَ ومن خلقَك ، قال أبي : هذا مرتَدٌّ عن الإسلام . قلت لأبي :تضرب عنقه ؟ قال : نعم ، تضرب عنقه ))(2) .

    


فقيه المغرب محمد بن سحنون المالكي.ت:265هـ
((أجمع العلماء أَنَّ شاتمَ النبيِّ ? المتنقِّصَ له كافرٌ ، والوعيدُ جارٍ عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمَّة : القتل ، ومن شكَّ في كفرِه وعذابِه كفَر ))(3) .

    


إمام المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري . ت:310هـ
روى حديث البراء بن عازب رضي الله عنه بسنده: (وفيه أَنَّ النَّبيّ َ ? بعث عمَّ البراء ليقتل رجلاً تزوَّج امـرأةَ أبيه ويأخذَ

    مالَه وفي رواية و يخمِّس مالَه )(1) . ثم قال : ((وكان الذي عرَّس بزوجة أبيه ، متخطِّياً بفعله حرمتين ، وجامعاً بين كبيرتين من معاصي الله :

     إحداهما : عقد نكاحٍ على من حرَّم الله …

     والثانية : إتيانه فرجاً محرماً عليه إتيانه ، وأعظم من ذلك ، تقدّمه على ذلك بمشهدٍ من رسول الله ? ، وإعلانه عقد النكاح على من حرَّم الله عليه عقده عليه بنصِّ كتابه الذي لا شبهةَ في تحريمها عليه ، وهو حاضره .

     فكان فعله ذلك من أدلِّ الدَّليل على تكذيبِه(2) رسولَ الله ? فيما آتاه به عن الله تعالى ذكره ، ووجوده آية محكمة في تنـزيله . فكان بذلك من فعله كذلك ، عن الإسلام – إنْ كان قد كان للإسلام مُظْهِراً – مُرتَدَّاً … وذلك أَنَّ فاعل ذلك على علمٍ منه بتحريم الله ذلك على خلقِه إِنْ كان من أهلِ الإسلام، إِنْ لم يكُنْ مسلوكاً به في العقوبة سبيل أهل الرِّدَّة بإعلانِه استحلالَ(3) ما لا لَبْسَ فيه على ناشيءٍ نشأ في أرض الإسلام أَنَّه حرام… ))(1) .

    


الشيخ أبو الحسن عليُّ بن إسمــاعيل الأشعريّ . ت:324هـ
((إرادة الكفر كفرٌ ، وبنـاء كنيسةٍ يُكفر فيها بالله كفرٌ ، لأنه إرادة الكفر ))(2) .

    


شيخ الحنابلة الحسن بن علي البربهاري . ت:329هـ
(( ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يردَّ آيةً من كتاب الله عزَّ وجلَّ ، أو يردَّ شيئاً من آثار رسول الله ?، أو يصلّي لغير الله أو يذبح لغير الله ، وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد

    وجب عليك أن تخرِجَه من الإسلام فإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمنٌ ومسلمٌ بالاسم لا بالحقيقة))(1) .

    


أبو بكر أحـمد بن عليٍّ الـجصَّاص (الحنفيّ). ت:370هـ
قال : (( قوله تعالى : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ( إلى قوله : (إِنْ نَعْفُ (فيه الدّلالة على أن اللاعبَ والجادَّ سواءٌ في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه لأَنَّ هؤلاء المنافقين ذكروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لعِباً فأخبر الله عن كفرِهم باللعِبِ)).

    


الإمام أبو القاسم هبةُ الله بن الحسن اللالكائيّ . ت : 418هـ
نقل كلام أبي ثورٍ ولم يتعقبّه بشيءٍ .

    (( ولو قال : المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام وقال لم يعتقد قلبي على شيئٍ من ذلك أَنَّه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمنٍ ))(2) .

    


محمد بن الوليد السمرقنديّ (الحنفيّ) : كان حيَّاً سنة450هـ
قال في "الجامع الأصغر": ((إذا أطلق الرجل كلمةَ الكفر عَمْداً لكنّه لم يعتقد الكفرَ ؛ قال بعض أصحابنا : لا يكفر لأَنَّ الكفر يتعلَّق بالضَّمير ولم يعقد الضَّمير على الكفر ، وقال بعضهم: يكفُر ، وهو الصحيح عندي لأَنَّه استخفَّ بدينه))(1) .

    


العلاَّمة أبو محمَّد عليُّ بن حزم (الظاهريّ) (2) . ت:456هـ
قال في "الفِصَل" : (( وأمَّا قولهم (3) إِنَّ شَتْمَ الله تعالى ليس كفراً وكذلك شَتْمَ رسولِ الله ?، فهو دعوى ، لأن الله تعالى قال : (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ

    إِسْلامِهِمْ(1)( فنصَّ تعالى على أَنَّ من الكلام ما هو كفرٌ .

     وقال تعالى: (إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ(2)( فنصَّ تعالى أَنَّ من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفرٌ بعينِه مسموعٌ .

     وقال (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً (3)( فنصَّ تعالى على أَنَّ الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسولٍ من رسله كفرٌ مخرجٌ عن الإيمان ولم يقل تعالى في ذلك إِنِّي علمت أَنَّ في قلوبكم كفراً ، بل جعلهم كفاراً بنفس الاستهزاء. ومن ادَّعى غير هذا فقد قوَّل الله تعالى ما لم يقُلْ وكذب على الله تعالى))(4) .

     وقال أيضاً :

     ((الجَحْد لشيءٍ ممَّا صحَّ البرهان أَنَّه لا إيمان إلاَّ بتصديقه كفرٌ ، والنّطق بشيءٍ من كلِّ ما قام البرهان أَنَّ النُّطق به كفرٌ كفرٌ ، والعمل بشيءٍ ممَّا قام البرهان بأَنَّه كفرٌ كفرٌ ، فالكفر

    يزيد، وكلُّ ما زاد فيه فهو كفرٌ ، والكفر ينقص ، وكلّه مع ذلك ما بقي منه وما نقص فكلّه كفر ، وبعض الكفر أعظم وأشدُّ وأشنع من بعضٍ ، وكلُّه كفرٌ ))(1) .

     وقال أيضاً :

     ((إِنَّ الإقرار باللسان دون عقد القلب لا حُكْمَ له عند الله عزَّ وجلَّ لأَنَّ أحدنا يلفظ بالكفر حاكياً وقارئاً له في القرآن فلا يكونُ بذلك كافراً حتى يقرَّ أَنَّه عقده .

     قال أبو محمد : فإن احتجَّ بهذا أهلُ المقالة الأولى - يعني المرجئة- وقالوا هذا يشهد بأَنَّ الإعلان بالكفر ليس كفراً. قلنا له - وبالله التوفيق -: ((قد قلنا إِنَّ التسمية ليست لنا وإِنَّما هي لله تعالى فلمَّا أمرنا تعالى بتلاوة القرآن وقد حكى لنا فيه قول أهل الكفر وأخبرنا تعالى أَنَّه لا يرضى لعباده الكفر خرج القاريءُ للقرآن بذلك عن الكفر إلى رِضا الله عزَّ وجل والإيمان ، بحكايته ما نصَّ الله تعالى بأداء الشهادة بالحقِّ فقال تعالى: (إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلمُونَ((2) خرج الشاهد المُخْبِر عن الكافر بكفره عن أَنْ يكون بذلك كافراً إلى رِضا الله عزَّ وجل والإيمان .

     ولما قال تعالى : (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا(1) (. خرج من ثبت إِكراهُه عن أَنْ يكون بإظهار الكفر كافراً إلى رخصةِ الله تعالى والثَّبات على الإيمان ، وبقي من أظهر الكفر : لا قارئاً ولا شاهداً ، ولا حاكياً ولا مكرهاً على وجوب الكفر له بإجماع الأمَّة على الحكم له بحكم الكفر وبحكم رسول الله ? بذلك ، وبنصِّ القرآن على من قال كلمة الكفر إِنَّه كافرٌ ، وليس قول الله عزَّ وجل (ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرَاً( على ما ظنُّوه من اعتقاد الكفر فقط ، بل كلُّ من نطق بالكلام الذي يُحكم لقائله عند أهل الإسلام بحكم الكفر لا قارئاً ولا شاهداً ولا حاكياً ولا مكرهاً فقد شرح بالكفر صدراً ؛ بمعنى أَنَّه شرح صدره لقبولِ الكفر المحرَّم على أهل الإسلام وعلى أهل الكفر أَنْ يقولوه وسواءً اعتقدوه أو لم يعتقدوه ، لأَنَّ هذا العمل من إعلان الكفر على غير الوجوه المباحة في إيرادِه وهو شرحُ الصدرِ به ، فبطل تمويههم بهذه الآية وبالله تعالى التوفيق ))(1) .

    وقال أيضاً :

     ((وأما قولهم – يعني الجهميّة والأشاعرة المرجئة - إِنَّ إخبار الله تعالى بأَنَّ هؤلاء كلّهم كفَّارٌ دليلٌ على أَنَّ في قلوبهم كفراً وأَنَّ شَتْمَ الله تعالى ليس كفراً ولكنَّه دليلٌ على أَنَّ في القلب كفراً وإنْ كان كافراً لم يعرفِ الله تعالى قطٌّ. فهذه منهم دعوى مفتراة لا دليلَ لهم عليها ولا برهان : لا من نصٍ ، ولا سنَّةٍ صحيحةٍ ، ولا سقيمةٍ ، ولا حجَّة من عقلٍ أصلاً، ولا من إجماعٍ، ولا من قياسٍ، ولا من قول أحدٍ من السَّلف قبل اللعين جَهْم بن صفوان وما كان هكذا فهو باطلٌ وإفكٌ وزورٌ ، فسقط قولهم هذا من قربٍ ولله الحمد ربِّ العالمين. فكيف والبرهان قائمٌ بإبطال هذه الدَّعوى من القرآن والسُّنن والإجماع والمعقول والحسِّ والمشاهدة الضرورية؟))(1)

     وقال أيضاً :

    ((ونقول للجهميَّة والأشعريَّة في قولهم : إِنَّ جحدَ الله تعالى وشتْمَه، وجحْدَ الرَّسول ? إذا كان كلّ ذلك باللسان فإِنَّه ليس كفراً لكنَّه دليل على أنَّ في القلب كفراً … من ادَّعى أَنَّ الله شهد بأَنَّ من أعلنَ الكفر فإِنَّه جاحدٌ بقلبه ، فقد كذب على الله عزَّ وجل ، وافترى عليه ، بل هذه شهادة الشيطان التي أضلَّ بها أولياءَه ، وما شهد الله تعالى إلاَّ بضدِّ هذا ، وبأَنَّهم يعرفون الحقَّ ويكتمونه ، ويعرفون أَنَّ الله تعالى حقٌّ ، و أنَّ محمداً رسول الله ? حقٌّ ، ويظهِرون بألسنتهم خلافَ ذلك ، وما سمَّاهم الله عزَّ وجل قطُّ كفَّاراً إلاَّ بما ظهر منهم بألسنتِهم ، وأفعالِهم كما فعل إبليس وأهل الكتاب ، وغيرهم ))(2) .

    


الحافظ يوسف بن عبد الله بن عبد البر (المالكي). ت :463هـ
نقل كلام إسحاق بن راهويه ولم يتعقبّه بشيءٍ فقال : ((قال إسحاق : أجمع العلماء أنَّ من سبَّ الله عزَّ وجلَّ ، أو رسولَه ? ، أو دفع شيئاً أنزله الله ، أو قتل نبيَّاً من أنبياء الله ، وهو مع ذلك مقرٌّ بما أنزل الله ، أنَّه كافرٌ ))(1) .

    


إمام الحرمين عبدالملك بن عبدالله الجوَينيّ (الشافعيّ)ت:478هـ
قال الهيتميّ في "الزواجرعن اقتراف الكبائر" :

    ((نقل إمام الحرمين عن الأصوليّين أَنَّ من نطق بكلمة الرِّدَّة، وزعم أَنَّه أضمر توريةً كَفَرَ ظاهراً وباطناً ، وأقرَّهم على ذلك ))(2)

    


عليُّ بن محمَّد البزدَويّ (الحنفيّ). ت:482هـ
((فإنَّ الهَزْل بالرِّدَّة كفرٌ لا بما هَزَل به لكن بعَيْنِ الهَزْل ؛ لأَنَّ الهازلَ جادٌّ في نفس الهَزْل مختارٌ راضٍ والهَزْل بكلمة الكفرِ استخفاف بالدِّين الحقِّ فصار مُرتدَّاً بعينه لا بما هَزَل به إلاَّ أَنَّ أثرهما سـواءٌ بخلاف المُكْرَه ; لأَنَّه غير معتقـدٍ لِعَيْن ما أُكْرِه عليه ))(3) .

    


عمادُ الدِّين عليُّ بن محمَّد الكِيا الهرَّاسي (الشافعيّ). ت:504هـ
قال في "أحكام القرآن" عند تفسير قوله تعالى : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ((1): ((فيه دلالةٌ على أنَّ اللاَّعب والخائض سواءٌ في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه ، لأَنَّ المنافقين ذكروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لَعِباً ، فأخبر الله تعالى عن كفرهم باللَّعِب بذلك ، ودلَّ أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ الله تعالى كفرٌ )).

    


القاضي أبو بكرٍ بن العربيّ (المالكيّ) . ت:543هـ
قال في تفسير قوله تعالى : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ..( : (( لا يخلو أَنْ يكونَ ما قالوه من ذلك جدَّاً أو هَزْلاً ، وهو كيفما كان كفرٌ ، فإِنَّ الهزلَ بالكفرِ كفرٌ ، لا خلاف فيه بين الأمَّة . فإِنَّ التَّحقيق أخو الحقَّ والعلم ، والهزلَ أخو الباطل والجهل . قال علماؤنا : انظر إلى قوله : (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ (2)( ))(3) .

    


القاضي عياض بن موسى (المالكيّ). ت:544هـ
(( أَنْ يكون القائل لما قال في جهته ـ عليه السلام ـ غير قاصدٍ للسبِّ، والإزراء ، ولا معتقدٍ له . ولكنَّه تكلَّم في جهته - عليه السلام - بكلمة الكفر من لعنه ، أو سبِّه ، أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه، أو نفيِّ ما يجب له ممَّا هو في حقِّه - عليه السلام - نقيصة. مثل أَنْ ينسِب إِليه إتْيان كبيرةٍ . أو مداهنة في تبليغ الرسالة . أو في حكمٍ بين النَّاس . أو يغضَّ من مرتبته أو شرفِ نسبِه أو وفورِ علمه ، أو زهدِه ، أو يكذِّب بما اشتهر به من أمورٍ أخبر بها ـ عليه السلام ـ وتواتر الخبر بها عن قصدٍ لردِّ خبره . أو يأتي بسفَهٍ من القول ، وقبيحٍ من الكلام ، ونوعٍ من السبِّ في حقِّه . وإنْ ظهر بدليل حاله ، أَنَّه لم يتعمّد ذمَّه ولم يقصد سبَّه . إمَّا لجهالة حمَلَتْه على ما قالَه . أو الضَّجر ، أو سُكْر اضطرَّه إليه ، أو قلَّة مراقبةٍ وضبطٍ للسانه ، وعجرفةٍ ، وتهوُّر في كلامِه .

    فحكمُ هذا الوجه حكمُ الوجهِ الأوَّل القتل . وإِنْ تَلَعْثَم . إذْ لا يُعْذَر أحدٌ في الكفر بالجَهالة ، ولا بدعوى زَلَلِ اللسان ولا بشيءٍ ممَّا ذكرناه إذا كان عقلُه في فطرته سليماً ، إلاَّ من أُكْرِه وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان )) (1) .

    وقال: ((وكذلك نقطع بتكفير كلِّ قائل قولاً يُتوصل به إلى تضليل الأمَّة وتكفير جميع الصَّحابة … وكذلك نكفِّر بفعلٍ أجمع المسلمون على أَنَّه لا يصدُرُ إلاَّ من كافر وإنْ كان صاحبُه مصرِّحاً بالإسلام مع فعله كالسجود للصَّنم ، أو الشمس ، والقمر ، والصَّليب، والنَّار . والسَّعي إلى الكنائس والبِيَع مع أهلِها. والتَّزيِّي بزيِّهم من شدِّ الزَّنانير وفحص الرؤوس(1) فقد أجمع المسلمون أنَّ هذا الفعل لا يوجد إلاَّ من كافرٍ وأَنَّ هذه الأفعال علامةٌ على الكفر(2) . وإِنْ صرَّح فاعلها بالإسلام ))(3) .

    


فخر الدِّين محمَّد بن عمر الرَّازيّ. ت:544هـ
قال في "مفاتح الغيب" عند تفسير قوله تعالى : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (4) (: ((المسألة الثالثة : قوله "قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ " يدلُّ على أحكام:

    الحكم الأول : أنَّ الاستهزاء بالدِّين كيف كان كفراً بالله. وذلك لأَنَّ الاستهزاء يدلُّ على الاستخفاف والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان والجمع بينهما محال .

    الحكم الثاني : أَنَّه يدلُّ على بطلان قول من يقول ، الكفر لا يدخل إلاَّ في أفعال القلوب.

    الحكم الثالث : يدلُّ على أَنَّ قولهم الذي صدر منهم كفرٌ في الحقيقة ، وإِنْ كانوا منافقين من قبلُ ، وأَنَّ الكفر يمكن أَنْ يتجدَّد من الكافر حالاً فحالاً .

    الحكم الرابع : يدلُّ على أنَّ الكفر إِنَّما حدث بعد أنْ كانوا مؤمنين)).

    


علاء الدِّين مسعود بن أحمد الكاسانيّ (الحنفيّ). ت :587هـ
((( فصل ) . وأما بيان أحكام المرتدِّين فالكلام فيه في مواضع ، في بيان ركن الرِّدَّة ، وفي بيان شرائط صحَّة الرُّكن ، وفي بيان حكم الرِّدَّة أما ركنها ، فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الإيمان ، إذِ الرِّدَّة عبارة عن الرجوع عن الإيمان، فالرجوع عن الإيمان يسمى رِدَّة في عُرْفِ الشرع ))(1) .

    


فخر الدِّين حسن بن منصور الفرغان (الحنفيّ). ت :592هـ
قال في "الفتاوى" : (( رجل كفر بلسانه طائعاً و قلبُه على الإيمان يكون كافراً ولا يكون عند الله تعالى مؤمناً ))(1)

    


أبو الفرج عبد الرحمن بن عليٍّ ابن الجوزيّ . ت:597هـ
(( والسَّادس : أَنَّ عبد الله بن أُبَيّ ، ورَهْطاً معه ، كانوا يقولون في رسول الله وأصحابه ما لا ينبغي ، فإذا بلغ رسول الله ? قالوا : إِنَّما كنَّا نخوض ونلعب ، فقال الله تعالى : (قل( لهم (أَبِالله وآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُم تَسْتَهْزِؤون( ، قاله الضحَّاك . فقوله : (ولئن سألتهم( أي : عمَّا كانوا فيه من الاستهزاء (لَيَقولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ( أي : نلهو بالحديث . وقوله : (قَدْ كَفَرْتُمْ( أي : قد ظهر كفركم بعد إظهارِكم الإيمان ، وهذا يدلُّ على أَنَّ الجدَّ واللعِبَ في إظهار كلمة الكفر سواء ))(2) .

    


جلال الدِّين عبد الله بن نجم بن شاس (المالكيّ). ت:616هـ
((وظهور الرِّدَّة إمَّا أنْ يكون بالتَّصريح بالكفر ، أو بلفظٍ يقتضيه ، أو بفعلٍ يتضمَّنه ))(3) .

    


برهان الدِّين محمود بن أحمد بن مازه (الحنفيّ) . ت:616هـ
قال في "المحيط" : ((من أتى بلفظةِ الكفر مع علمِه أَنَّها لفظةُ الكفر عن اعتقاده فقد كفر، و لو لم يعتقد أو لم يعلم أَنَّها لفظة الكفر ولكن أتى بها عن اختيار فقد كفر عند عامَّة العلماء ولا يُعْذَر بالجهل(1) …ومن كفر بلسانِه طائعاً وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان فهو كافر ولا ينفعه ما في قلبه ))(2) .

    


عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسيّ (الحنبليّ). ت:620هـ
قال عن المرتدِّ : (( يفسد صومه ، وعليه قضاء ذلك اليوم ، إذا عاد إلى الإسلام . سواء أسلم في أثناء اليوم ، أو بعد انقضائه ، وسواء كانت رِدَّته باعتقاده ما يكفر به ، أو بشكِّه فيما يكفر بالشكِّ فيه ، أو بالنُّطق بكلمة الكفر ، مستهزئاً أو غير مستهزئٍ ، قال الله تعالى : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(3) ( . وذلك لأن الصَّوم عـبادة من شرطها

    النِّيَّة ، فأبطلَتْها الرِّدَّة ، كالصَّلاة والحجِّ ، ولأَنَّه عبادةٌ محضة . فنافاها الكفر ، كالصَّلاة )) (1) .

    وقال: (( ومن سبَّ الله تعالى كفر ، سواءً كان مازحاً أو جادَّاً وكذلك من استهزأ بالله تعالى ، أو بآياته أو برسله ، أو كتبه، قال الله تعالى : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ( . وينبغي أَنْ لا يُكْتَفى من الهازئ بذلك بمجرِّد الإسلام ، حتى يؤدَّب أدباً يزجره عن ذلك ، فإنَّه إذا لم يُكتف مِمَّن سبَّ رسولَ الله ? بالتوبة ، فمِمَّن سبَّ الله تعالى أولى ))(2) .

    


عثمان بن أبي بكرٍ المعروف بابن الحاجب (المالكيّ). ت:646هـ
قال في "جامع الأمهات"

    (( الردة : الكفر بعد الإسلام، و يكون : بصريحٍ ، وبلفظٍ يقتضيه ، وبفعلٍ يتضمَّنُه ))(3) .

    


أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي . ت:671هـ
استشهد بقول القاضي أبو بكر بن العربي في تفسير قوله تعالى : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ..( ولم يتعقبّه بشيءٍ . فقال: (( قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يخلو أنْ يكون ما قالوه من ذلك جدَّاً أو هَزْلاً ، وهو كيفما كان كفْرٌ، فإِنَّ الهزل بالكفرِ كفرٌ لا خلاف فيه بين الأمَّة . فإنَّ التَّحقيق أخو العلم والحقِّ ، والهزْلَ أخو الباطل والجهل . قال علماؤنا : انظر إلى قوله : (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(1) ( ))(2) .

    


محيي الدين يحيى بن شرف النوويّ (الشافعيّ). ت:676هـ
قال في "روضة الطالبين" في كتاب الرِّدَّة :

    ((هي قطع الإسلام ، ويحصل ذلك تارةً بالقول الذي هو كفرٌ ، وتارةً بالفعل ، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمُّد واستهزاءٍ بالدِّين صريحٌ ، كالسُّجود للصَّنم أو للشمس ، وإلقاء المصحف في القاذورات . والسِّحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها ، قال الإمام : في بعض التعاليق عن شيخي أَنَّ الفعل بمجرَّده لا يكون كفراً ، قال : وهذا زَلَل عظيم من المعلِّق ذكرته للتَّنبيه على غلَطِه ، وتحصل الرِّدَّة بالقول الذي هو كفرٌ، سواء صدر عن اعتقادٍ أو عِنادٍ أو استهزاءٍ ))(1) .

    وقال في "شرح صحيح مسلم" عند الكلام عن حكم السِّحر :

    (( ومنه ما يكون كفراً ، ومنه ما لا يكون كفراً بل معصيةً كبيرة ، فإِنْ كان فيه قولٌ أو فعلٌ يقتضي الكفر ، فهو كفرٌ وإلاَّ فلا ، وأما تعلُّمَه وتعليمَه فحرامٌ ، فإنْ كان فيه ما يقتضي الكفر كفِّر واسْتُتيبَ منه …))(2) .

    


شهاب الدِّين أحمد بن إدريسٍ القرافيّ (المالكيّ) . ت :684هـ
(( الكفر قسمان : متَّفقٌ عليه ومختَلَفٌ فيه هل هو كفرٌ أمْ لا فالمتفق عليه نحو الشِّرك بالله وجَحْد ما عُلِمَ من الدَّين بالضرورة كجَحْد وجوب الصَّلاة والصَّوم ونحوهما والكفر الفعليّ نحو إلقاء المصحف في القاذورات، وجحد البَعْث أو النُّبوَّات أو وصفه تعالى بكونه لا يعلم أو لا يريد أو ليس بحيٍّ ونحوه وأمّا المختَلَف فيه … ))(1) .

    وقال : ((وأصل الكفر إِنَّما هو انتهاكٌ خاصٌّ لحرمة الرُّبوبيَّة، إمَّا بالجهل بوجود الصانع ، أو صفاته العُلا ، و يكون الكفر بفعلٍ كرمي المصحف في القاذورات أو السُّجود لصنم أو التردُّد للكنائس في أعيادِهم بزيِّ النَّصارى ومباشرة أحوالـهم …))(2) .

    وفي "الذخيرة": ((الرِّدَّة … عبارة عن قطع الإسلام من مكلَّفٍ ، وفي غير البالغ خلافٌ ، إما باللفظ أو بالفعل كإلقاء المصحف في القاذورات ، ولكليهما مراتبُ في الظُّهور والخفاء ))(3)

    


شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيميَّة.ت: 728هـ
قال في "مجموع الفتاوى" : ((فهؤلاء القائلون بقول جهم والصَّالحي قد صرَّحوا بأَنَّ سبَّ الله ورسوله : والتكلُّم بالتَّثليث وكلّ كلمة من كلام الكفر ليس هو كفراً في الباطن ولكنَّه دليل في الظَّاهر على الكفر ويجوز مع هذا أَنْ يكون هذا السابُّ الشاتِم في الباطن عارفاً بالله موحداً له مؤمناً به فإذا أُقيمَتْ عليهم حجَّةٌ بنصٍّ أو إجماعٍ أَنَّ هذا كافرٌ باطناً وظاهراً . قالوا : هذا يقتضي أَنَّ ذلك مستلزِمٌ للتَّكذيب الباطن وأَنَّ الإيمان يستلزم عدم ذلك : فيقال لهم : معنا أمران معلومان :

    (أحدهما) : معلومٌ بالاضطرار من الدِّين . و(الثاني): معلوم بالاضطرار من أنفسِنا عند التأمُّل . أمَّا "الأول" : فإنَّا نعلم أَنَّ من سبَّ الله ورسولَه طوعاً بغير كَرْه(1) ، بل من تكلَّم بكلمات الكفر طائعاً غير مُكْرَهٍ ، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافرٌ باطناً وظاهراً ، وإِنَّ من قال : إِنَّ مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمناً بالله وإِنَّما هو كافرٌ في الظَّاهر ، فإنَّه قال قولاً معلوم الفساد بالضَّرورة من الدِّين وقد ذكر الله كلماتِ الكفَّار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها ولو كانت أقوالهم الكفريَّة بمنزلة شهادةِ الشُّهود عليهم ، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقِرُّ لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صِدْقاً وقد تكون كَذِباً ، بل كان ينبغي أَنْ لا يعذِّبهم إلاَّ بشرط صِدْق الشَّهادة وهذا كقوله تعالى : (لقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ (2)( (لقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ((3) وأمثال ذلك .

    وأما "الثاني" : فالقلب إذا كان معتقداً صدقَ الرَّسول ، وأَنَّه رسول الله ، وكان محِبَّاً لرسول الله معظِّماً له ، امتنع مع هذا أن يلعنَه ويسبَّه فلا يُتَصَّور ذلك منه إلاَّ مع نوعٍ من الاستخفاف به وبحرمَتِه ، فَعُلِم بذلك أنَّ مجرَّد اعتقاد أَنَّه صادق لا يكون إيماناً إلاَّ مع محبَّته وتعظيمه بالقلب))(1) .

    وقال أيضاً : ((قوله : (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(107) أُوْلئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ(109) (2)(، فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعدِ إيمانِهِ وذكر وعيدَه في الآخرة ، ثم قال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ (وبَيَّن تعالى أَنَّ الوعيد استحقوه بهذا(3) . ومعلومٌ أَنَّ باب التَّصديق والتَّكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب الحبِّ والبُغْضِ ، وهؤلاء يقولون إِنَّما استحقُّوا الوعيدَ لزوال التَّصديق والإيمان من قلوبهم ، وإِنْ كان ذلك قد يكون سببه حبَُ الدُّنيا على الآخرة ، والله سبحانه وتعالى جعل استحبابَ الدُّنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخُسْران . واستحباب الدُّنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتَّصديق بأَنَّ الكفر يضرُّ في الآخرة ، وبأَنَّه مالَه في الآخرة من خَلاق .

    و "أيضاً" فإِنَّه سبحانه استثنى المكْرَه من الكفار ، ولو كان الكفر لا يكون إلاّ بتكذيب القلب وجهله لم يُسْتَثْنَ منه المُكرَه ، لأَنَّ الإكراه على ذلك ممتنعٌ فعُلِمَ أَنَّ التَّكلُّم بالكفركفرٌ إلاَّ في حال الإكراه .

    وقوله تعالى : (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا( أي : لاستحبابه الدُّنيا على الآخرة ، ومنه قول النبي? : (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع دينَه بعَرَضٍ من الدُّنيا )(1) فمن تكلَّم بدون الإكراه ، لم يتكلَّم إلاَّ وصدرُه منشرحٌ به))(2) .

    وقال : ((فإن قيل : فقد قال تعالى :(وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا( قيل : وهذا موافقٌ ، لأوَّلها فإِنَّه من كفر من غير إكراهٍ فقد شرح بالكفر صدراً ، وإلا ناقض أول الآية آخرها ، ولو كان المراد بمن كفر هو الشَّارح صدرَه ، وذلك يكون بلا إكراه ، لم يستَثْنِ المكرَه فقط ، بل كان يجب أن يستثنى المكرَهُ وغير المكرَهِ إذا لم يشرح صدرَه، وإذا تكلَّم بكلمة الكفر طوعاً فقد شرح بها

    صدراً وهي كفرٌ ، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى : (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّل عَليْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ(64) وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ(66)( (1) فقد أخبر أَنَّهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم : إنَّا تكلَّمْنا بالكفر من غير اعتقادٍ له ، بل كنا نخوض ونلعب ، وبيَّن أَنَّ الاستهزاء بآيات الله كفرٌ ، ولا يكون هذا إلاَّ ممَّن شرح صدره بهذا الكلام ، ولو كان الإيمانُ في قلبه منعَه أنْ يتكلَّمَ بهذا الكلام))(2) .

    وقال في "الصارم المسلول" : ((من قال بلسانه كلمةَ الكفرِ من غير حاجةٍ عامداً لها عالماً بأَنَّها كلمة كفرٍ فإِنَّه يكفرُ بذلك ظاهراً وباطناً ، ولأنَّا لا نجوِّز أَنْ يقال : إِنَّه في الباطن يجوز أَنْ يكونَ مؤمناً ، ومن قال ذلك فقد مَرَق من الإسلام ، قال سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (3) ( ومعلومٌ أَنَّه لم يُرِدْ بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأَنَّ ذلك لا يُكره الرَّجل عليه، وهو قد استثنى من أُكْرِه ولم يُرِدْ من قال واعتقد ، لأَنَّه استثنى المُكرَه وهو لا يُكرَه على العقد والقول ، وإِنَّما يُكرَه على القول فقط ، فعلِم أَنَّه أراد من تكلَّم بكلمة الكفر فعليه غضبٌ من الله وله عذابٌ عظيم وأَنَّه كافرٌ بذلك إلاَّ من أُكرِه وهو مطمئنٌّ بالإيمان ، ولكن من شرح بالكفر صدراً من المُكرَهين فإِنَّه كافرٌ أيضاً ، فصار من تكلَّم بالكفر كافراً إلاَّ من أُكرِه فقال بلسانه كلمةَ الكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، وقال تعالى في حقِّ المستهزئين : (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ())(1) .

    وقال أيضاً :

    ((وقال سبحانه : (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ(47) وَإِذَا دُعُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ(48) وَإِنْ يَكُنْ لهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِليْهِ مُذْعِنِينَ(49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَليْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(50) إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(51) (2) ( فبيَّن سبـحانه أَنَّ من تولَّى عن طاعة الرَّسول وأعرض عن حكمِه فهو من المنافقين ، وليس بمؤمنٍ ، وأَنَّ المؤمن هو الذي يقول : سمعنا وأَطعنا ، فإذا كان النِّفاق يثبُتُ ، ويزولُ الإيمان بمجرَّد الإعراض عن حكم الرَّسول وإرادة التَّحاكم

    إلى غيرِه، مع أنَّ هذا ترك محضٌ ، وقد يكون سببه قوَّة الشَّهوة ، فكيف بالتنَّقص والسبِّ ونحوه؟))(1) .

    وقال أيضاً :

    ((ولا فرقٌ بين من يعتقد أَنَّ الله ربَّه ، وأَنَّ الله أمره بهذا الأمر ثم يقول : إِنَّه لا يطيعه ، لأَنَّ أمره ليس بصوابٍ ولا سدادٍ ، وبين من يعتقد أَنَّ محمَّداً رسول الله وأَنَّه صادقٌ واجبُ الاتباع في خبره وأمره ، ثم يسبّه أو يَعيب أمرَه أو شيئا من أحواله ، أو تنقَّصه انتقاصاً لا يجوز أَنْ يستحقَّه الرَّسول ، وذلك أَنَّ الإيمان قولٌ وعمل ، فمن اعتقد الوحدانيَّة في الألوهيَّة لله سبحانه وتعالى، والرِّسالة لعبده ورسوله ، ثم لم يُتْبِع هذا الاعتقاد موجَبَه من الإجلال والإكرام - الذي هو حالٌ في القلب يظهر أثره على الجوارح ، بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول أو بالفعل - كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه ، وكان ذلك موجباً لفساد ذلك الاعتقاد ، ومزيلاً لما فيه من المنفعة والصَّلاح ، إذْ الاعتقادات الإيمانية تزكِّي النفوس وتصلِحها ، فمتى لم توجب زكاة النفس ولا صلاحها فما ذاك إلاَّ لأَنَّها لم ترسخْ في القلب ، ولم تصِرْ صفةً ونعتاً للنَّفس ولا صَلاحاً ، وإذا لم يكُنْ علم الإيمان المفروض صفةٌ لقلب الإنسان لازمةٌ له لم ينفعه ، فإِنَّه يكون بمنـزلةِ حديث النَّفس وخواطر القلب ، والنجاة لا تحصل إلا بيقينٍ في القلب ، ولو أَنَّه مثقال ذرَّة . هذا فيما بينَه وبين الله ، وأمَّا في الظَّاهر فيُجري الأحكامَ على ما يظهِره من القول والفعل))(1).

    وقال أيضاً : ((إنَّ من سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر ظاهراً وباطناً ، سواءً كان السابُّ يعتقد أَنَّ ذلك محرَّم ، أو كان مستحلاًّّ له ، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده ، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنَّة القائلين بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ …

     وكذلك نُقِلَ عن الشافعيّ أَنَّه سُئِل عمَّن هَزَلَ بشيءٍ من آياتِ الله تعالى أَنَّه قال : هو كافرٌ ، واستدلَّ بقول الله تعالى : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(2)( وكذلك قال أصحابنا وغيرهم : من سبَّ الله كفر، سواءً كان مازحاً أو جادَّاً لهذه الآية وهذا هو الصواب المقطوع به …. ويجب أَنْ يعلم أَنَّ القول بأَنَّ كفر السَّابِّ في نفس الأمر إِنَّما هو لاستحلاله السبَّ زلَّة منكَرةٌ وهفوةٌ عظيمةٌ … وذلك من وجوه :

    أحدها : أَنَّ الحكاية المذكورة عن الفقهاء أَنَّه إِنْ كان مستحلاًّ كفر، وإلاَّ فلا ، ليس لها أصلٌ ، وإِنَّما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلِّمين الذين نقلوها عن الفقهاء ، وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنُّوه جارياً على أصولِهم ، أو بما قد سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يعدُّ قوله قولاً ، وقد حكينا نصوص أئمة الفقهاء وحكاية إجماعهم عمن هو من أعلم الناس بمذاهبهم ، فلا يظنُّ ظانٌ أَنَّ في المسألة خلافاً يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد ، وإِنَّما ذلك غلطٌ ، لا يستطيع أحدٌ أَنْ يحكي عن واحدٍ من الفقهاء أئمةَ الفتْوى هذا التفصيل البتَّةَ .

    الوجه الثاني : أَنَّ الكفر إذا كان هو الاستحلال فإِنَّما معناه اعتقاد أَنَّ السبَّ حلالٌ ، فإِنَّه لمَّا اعتقد أَنَّ ما حرَّمه الله تعالى حلالٌ كفَرَ ، ولا رَيْبَ أَنَّ من اعتقد في المحرَّمات المعلوم تحريمها أَنَّها حلال كفر ، لكن لا فرق في ذلك بين سبِّ النَّبيِّ وبين قذف المؤمنين والكذب عليه والغِيبة لهم إلى غير ذلك من الأقوال التي علم أَنَّ الله حرَّمها ، فإِنَّه من فعل شيئاً من ذلك مستحلاًّ كفرٌ ، مع أَنَّه لا يجوزُ أَنْ يُقال : مَنْ قذفَ مسلماً أو اغتابه كفر ، ويعني بذلك إذا استحلَّه .

    الوجه الثالث : أَنَّ اعتقاد حلِّ السَّبِّ كفر ، سواء اقترن به وجود السبِّ أو لم يقترن ، فإذاً لا أثر للسبِّ في التَّكفير وجوداً وعدماً ، وإِنَّما المؤثِّر هو الاعتقاد ، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء .

    الوجه الرابع : أَنَّه إذا كان المكفِّر هو اعتقاد الحلِّ فليس في السبِّ ما يدلُّ على أَنَّ السَّابَّ مستحلٌّ ، فيجب أنْ لا يكفَّر ، لاسيَّما إذا قال " أنا أعتقد أَنَّ هذا حرامٌ ، وإِنَّما أقول غيظاً وسفَهاً ، أو عبثاً أو لعباً " كما قال المنافقون : (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ(.

    وكما إذا قال : إِنَّما قذفت هذا وكذبت عليه لعباً وعبثاً ، فإن قيل لا يكونون كفاراً فهو خلاف نصِّ القرآن ، وإنْ قيل يكونون كفاراً فهو تكفيرٌ بغير موجبٍ إذا لم يجعل نفس السَّبِّ مكفِّراً ، وقول القائل : أنا لا أصدِّقه في هذا لا يستقيم ، فإنَّ التَّكفير لا يكون بأمرٍ محتملٍ ، فإذا كان قد قال : أنا أعتقد أنَّ ذلك ذنبٌ ومعصيةٌ وأنا أفعلُه ، فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفراً ؟

    ولهذا قال سبحانه وتعالى : (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ( ولم يقل قد كذبتم في قولكم إِنَّما كنَّا نخوض ونلعب ، فلم يكذِّبهم في هذا العُذر كما كذَّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين ، بل بَيَّن أَنَّهم كفروا بعد إيمانهم ، بهذا الخوض واللعب ))(1) .

    


علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري (الحنفي). ت :730هـ
((فإِنَّ الهَزْل بالرِّدَّة كفرٌ لا بما هَزَل به لكن بعين الهزل ؛ لأَنَّ الهازل جادٌّ في نفس الهَزل مختارٌ راضٍ والهزل بكلمة الكفر استخفافٌ بالدِّين الحقِّ فصار مرتدَّاً بعينه لا بما هزل به إلاَّ أَنَّ أثرهما سواءٌ بخلاف المكره ؛ لأَنَّه غير معتقدٍ لِعَيْن ما أُكْرِه عليه.

    قوله:لا بما هَزَل به ((جواب عما يقال إنَّ مبنى الرِّدَّة على تبدُّل الاعتقاد ولم يوجد هاهنا لوجود الهزل فإنَّه ينافي الرضاء بالحكم فينبغي أَنْ لا يكون الهزلَ بالرِّدَّة كفراً كما في حال الإكراهِ والسُّكر فقال الهزل بالرِّدَّة كفرٌ لا بما هزل بهِ لكن بعين الهزل يعني أَنَّا لا نحكم بكفره باعتبار أَنَّه اعتقد ما هَزَل به من الكفر بل نحكم بكفره باعتبار أَنَّ نفس الهزل بالكفر كفر; لأَنَّ الهازل وإِنْ لم يكن راضياً بحكم ما هزل به لكونه هازلاً فيه فهو جادٌّ في نفس التكلُّم به مختار للسَّبب راضٍ به فإِنَّه إذا سبَّ النبيَّ عليه السلام هازلاً مثلاً أو دعا لله تعالى شريكاً هازلاً فهو راضٍ بالتكلُّم به مختارٌ لذلك وإنْ لم يكن معتقداً لما يدلُّ عليه كلامه والتكلُّم بمثل هذه الكلمة هازلاً استخفافٌ بالدِّين الحقِّ وهو كفرٌ قال الله تعالى:( قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65)لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (فصار المتكلِّم بالكفرِ بطريق الهزل مرتدَّاً بعين الهزل لاستخفافه بالدِّين الحقِّ لا بما هزل به أي لا باعتقاد ما هزل به إلاَّ أَنَّ أثرهما أي أثرَ الهزل بالكفرِ وأثر ما هزل به سواءً في إزالة الإيمان وإثبات الكفر بخلاف المُكرَه على الكفر;لأَنَّه غير راضٍ بالسبب والحكم جميعاً بل يجريه على لسانه اضطراراً ودفعاً للشرِّ عن نفسه غيرُ معتقدٍ له أصلاً.ولا يقال إنَّ الهازل لا يعتقدُ الكفر أيضاً لأَنَّا نقول هو معتقدٌ للكفر;لأنَّ ممَّا يجب اعتقاده حرمةُ الاستخفاف بالدِّين وعدمِ الرِّضاء به ولماَّ رضي بالهزل معتقداً له كان كافراً كذا في بعض الشُّروح ))(1) .

    


عبيد الله بن مسعود المحبوبي البخاريّ (الحنفيّ) . ت :747هـ
قال في "التوضيح" :

     (( الهزل بالرِّدَّة كفرٌ لأَنَّه استخفافٌ فيكون مرتَدَّاً بعينِ الهزلِ لا بما هزل به) أي ليس كفره بسبب ما هَزَل به وهو اعتقادُ معنى كلمة الكفر التي تكلَّم بها هازلاً فإنَّه غيُر معتقدٍ معناها ، بل كفَّره بعين الهزل، فإنَّه استخفاف بالدِّين وهو كفرٌ نعوذُ بالله تعالى منه ))(2) .

    


زين الدين عمر بن مظفر الوردي (الشافعي). ت:749هـ
قال في البهجة :" ( بَابُ الرِّدَّةِ)

    مُكَلَّفٍ بِفِعْــلٍ أَوْ تَكَـلُّمِ 

     

    أَفْحَشُ كُفْرٍ ارْتِدَادُ مُسْـــلِمِ  

    وَبِاعْتِـقَادٍ مِنْهُ ،كَالإِلْقَــاءِ 

     

    مَحْضٍ عِنَادًا وَبِالاسْـــتِهْزَاءِ  

    وَسَجْدَةٍ لِكَوْكَبٍ وَصُـورَةِ"(1) 

     

    لِلْمُصْحَفِ الْعَـزِيزِ فِي الْقَاذُورَةِ  

    


الحافظ محمد بن أبي بكر ابن قيِّم الجوزيَّة . ت:751هـ
قال في "كتاب الصّلاة" : ((وشعب الإيمان قسمان : قوليّة ، وفعليّة، وكذلك شُعَبُ الكفر نوعان : قوليّة وفعليّة ، ومن شعَبِ الإيمان القوليَّة : شعبةٌ يوجب زوالها زوالَ الإيمان فكذلك من شعبِهِ الفعليّة ما يوجب زوالَ الإيمان . وكذلك شعبُ الكفر القوليَّة والفعليَّة ، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختياراً ، وهي شعبة من شعب الكفر ، فكذلك يكفر بفعل شعبةٍ من شُعبه كالسُّجود للصَّنم ، والاستهانَة بالمصحفِ ، فهذا أصل .

    وها هنا أصلٌ آخرُ ، وهو أنَّ حقيقة الإيمان مركَّبةٌ من قولٍ وعمل . والقول قسمان : قول القلب ، وهو الاعتقاد ، وقول اللسان ، وهو التكلم بكلمة الإسلام . والعمل قسمان : عمل القلب ، وهو نيَّته وإخلاصه ، وعمل الجوارح ، فإذا زالَت هذه الأربعة ، زالَ الإيمانُ بكمالِه ، وإذا زالَ تصديقُ القلب ، لم تنفع بقيَّة الأجزاء ، فإنَّ تصديقَ القلب شرطٌ في اعتقادها وكونها نافِعةً. وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق ، فهذا موضعُ المعركة بين المرجئة وأهل السُّنة ، فأهلُ السُّنة مجمعون على زوالِ الإيمان ، وأَنَّه لا ينفع التَّصديق مع انتفاءِ عملِ القلب ، وهو محبَّته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدقَ الرَّسول ، بل ويقرُّون به سرّاً وجهراً ويقولون : ليس بكاذب ، ولكن لا نتَّبعه ، ولا نؤمن به.

    وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب ، فغير مستنكرٍ أَنْ يزولَ بزوالِ أعظم أعمالِ الجوارح(1) ، ولا سيَّما إذا كان ملزوماً لعدم محبَّة القلب وانقياده الذي هو ملزومٌ لعدم التَّصديق الجازم كما تقدَّم تقريره ، فإِنَّه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح ، إذْ لو أطاع القلب وانقاد ، أطاعت الجوارح ، وانقادت، ويلزمُ من عدم طاعته وانقياده عدم التّصديق المستلزم للطَّاعة ، وهو حقيقة الإيمان ، فإن الإيمان ليس مجرَّد التَّصديق كما تقدَّم بيانه ، وإِنَّما هو التَّصديق المستلزِم للطَّاعة والانقياد ، وهكذا الهدى ليس هو مجرَّد معرفة الحقِّ وتبيُّنه ، بل هو معرفته المستلزمة لاتِّباعه ، والعمل بموجبه ، وإِنْ سمِّي الأوَّل هدى ، فليس هو الهدى التّامّ المستلزم للاهتداء ، كما أَنَّ اعتقاد التَّصديق ، وإِنْ سُمِّي تصديقاً ، فليس هو التصديق المستلزم للإيمان ، فعليك بمراجعـة هذا الأصل ومراعاته))(2) .

     وقال في "أعلام الموقعين" : ((وقد تقدَّم أَنَّ الذي قال لمَّا وجد راحلته اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك أخطأ من شدَّة الفرح لم يكفر بذلك وإِنْ أتى بصريح الكفر لكونه لم يُرِدْه والمُكْرَه على كلمةِ الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته بخلاف المستهزئ والهازل فإنَّه يلزمه الطلاق والكفر وإِنْ كان هازلاً لأَنَّه قاصد للتكلُّم باللفظ وهزله لا يكونُ عذراً له بخلاف المُكْره والمخطئ والنَّاسي فإِنَّه معذور مأمور بما يقولَه أو مأذونٌ له فيه والهازل غير مأذونٍ له في الهزل بكلمة الكفر والعقود فهو متكلِّم باللفظ مُريدٌ له ولم يصرفه عن معناه إكراهٌ ولا خطأٌ ولا نسيانٌ ولا جهلٌ والهزل لم يجعله الله ورسولَه عذراً صارفاً بل صاحبه أحقُّ بالعقوبة ألا ترى أنَّ الله تعالى عذر المكره في تكلُّمه بكلمةِ الكفر إذا كان قلبه مطمئنّاً بالإيمان ولم يعذَر الهازلُ بل قال : (وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ())(1) .

    


تقيّ الدِّين عليُّ بن عبد الكافي السبكيّ (الشافعيّ). ت:756هـ
قال في "الفتاوى" : (( التَّكفير حكمٌ شرعيٌّ سببه جَحْد الرُّبوبيَّة أو الوحْدانيّة ، أو الرِّسالة ، أو قول أو فعل حكمَ الشَّارعُ بأنَّه كفر وإِنْ لم يكنْ جَحْداً)) (2) .

    


(1) محمَّد بن مفلح المقدسيّ (الحنبليّ).ت:763هـ
(( المرتَدُّ : من كفر طَوعاً ولو هازلاً بعد إسلامه ، … قال جماعة: أو سجد لشمسٍ أو قمرٍ))(1) .

    


الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير. ت:774هـ
قال في تفسير قوله تعالى:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106)ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(107) أُوْلئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(108)لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِـرُونَ(109) (2)(

    (( أخبر تعالى عمَّن كفر به بعد الإيمان والتبصُّر ، وشرح صدره بالكفر واطمأنَّ به ، أنَّه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عُدُولِهم عنه ، وأنَّ لهم عذاباً عظيماً في الدَّار الآخرة ، لأَنَّهم استحبُّوا الحياة الدُّنيا على الآخرة ، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الرِّدَّة لأجلِ الدُّنيا ، .. وأمَّا قوله : ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ( فهو استثناءٌ ممَّن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مُكرهاً لما ناله من ضربٍ وأذى ، وقلبه يأبى ما يقول ، وهو مطمئنٌّ بالإيمان بالله ورسولِه )).

    


الشيخ خليل بن إسحاق (المالكيّ). ت:776هـ
قال في " المختصر " في باب الرِّدَّة:

    (( الرِّدَّة : كفر المسلم بصريحٍ ، أو لفظٍ يقتضيه ، أو فعلٍ يتضمَّنَه : كإلقاء مصحفٍ بقَذَرٍ ، وشدِّ زنارٍ ، وسحرٍ … ))(1) .

    


محمَّد بن عبد الرحمن العثمانيّ (الشافعيّ) . ت:بعد 780هـ
((الرِّدَّة هي قطعُ الإسلام بقولٍ ، أو فعلٍ ، أو نيَّةٍ ))(2) .

    


عالم بن العلاء الأندربتي الدهلويّ (الحنفيّ) . ت:786هـ
نقل في "الفتاوى التاتارخانيّة" كلام برهان الدِّين بن مازه السابق ولم يتعقّبه بشيءٍ ثّم قال : ((وفي النصاب : ولو أطلق كلمة

    الكفر إلاَّ أَنَّه لا يعتقد، اختلف جواب المشايخ، والأصحّ أَنَّه يكفر لأَنَّه يستخفُّ بدينِه ))(1) .

    


سعد الدِّين مسعود بن عمر التفتازانيّ (الشافعيّ). ت:792هـ
(( ( قوله : فيكون ) أيّ : الهازل بالرِّدَّة مرتدَّاً بنفس الهزل لا بما هزَل به لما فيه من الاستخفاف بالدِّين، وهو من إمارات تبدُّل الاعتقاد بدليل قوله تعالى حكايةً (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ( الآية، وفي هذا جوابٌ عمَّا يقال إِنَّ الارتداد إِنَّما يكون بتبدُّل الاعتقاد، والهزل ينافيه لعدم الرِّضا بالحكم ))(2) .

    


بدر الدين بن محمَّد بهادر الزَّركشيّ (الشافعيّ). ت:794هـ
((قال تعالى : ( قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ ( فمن تكلَّم بكلمة الكفرِ هازِلاً ، ولم يقصدِ الكفرَ كفر، وكذا إذا أخذَ مال غيره ( مازحاً) ولم يقصدِ السَّرِقَة حرُم عليه ))(3) .

    


الحافظ عبد الرَّحمن بن أحمد ابن رجب (الحنبليّ). ت :795هـ
قال في "جامع العلوم والحكم":

    ((فقد يترُكُ دينَه ويفارق الجماعةَ وهو مقِرٌّ بالشَّهادتين ويدَّعي الإسلامَ كما إذا جحد شيئاً من أركان الإسلام أو سبَّ الله ورسولَه أو كفر ببعض الملائكة أو النبيِّين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك ))(1) .

    وقال أيضاً:

    ((وأمَّا ترك الدِّين ومفارقة الجماعة فمعناه الارْتداد عن دينِ الإسلام ولو أتى بالشَّهادتين فلو سبَّ الله ورسولَه ? وهو مقِرٌّ بالشَّهادتين أُبيْحَ دمُهُ لأنَّه قد ترك بذلك دينَه وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات أو جحد ما يُعْلَم من الدِّين بالضَّرورة كالصَّلاة وما أشبه ذلك مما يخرُج من الدِّين ))(2) .

    


برهان الدِّين إبراهيم بن فرحون اليعمري (المالكيّ). ت:799هـ
(( الرِّدَّة والعياذ بالله ونسأل الله حسن الخاتمة وهي الكفرُ بعد الإسلام، قال ابن الحاجب: وتكون بصريحٍ وبلفظٍ يقتضيه وبفعلٍ يتضمَّنُـه ))(1) .

    


محمَّد بن شهاب البزَّاز (الحنفيّ) . ت:827هـ
(( ومن لقَّن إِنساناً كلمةَ الكفر ليتكلَّمَ بها كفر ، وإِنْ كان على وجه اللعِبِ والضَّحِك ))(2) .

    


العلاَّمة محمّد بن المرتضى ابن الوزير الصنعانيّ . ت:840هـ
(( ومن العَجَبِ أَنَّ الخصوم من البهاشمة (3) وغيرهم لم يساعدوا على تكفير النصارى الَّذين قالوا إِنَّ الله ثالثُ ثلاثةٍ ومن قال بقولهم مع نصِّ القرآن على كفره إلاَّ بشرط أَنْ يعتقدوا ذلك مع القول وعارضوا هذه الآية الظاهرة بعموم مفهوم قوله (ولكنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْراً (… وعلى هذا لا يكون شيءٌ من الأفعال والأقوال كفراً إلاَّ مع الاعتقاد حتى قتل الأنبياء ، والاعتقاد من السَّرائر المحجوبة فلا يتحقَّق كفرُ كافرٍ قطُّ إلاَّ بالنَّصِّ الخاصِّ في شخصٍ شخص… قال جماعــة جلَّة من علماء الإسلام أَنَّه لا يكفرُ المسلم بما ينْدُرٌ منه من ألفاظ الكفر إلاَّ أَنْ

    يعلم المتلفِّظ بها أَنَّها كفر… وهذا خلاف متَّجه ، بخلاف قول البهاشمة : لا يكفر وإِنْ عَلِمَ أَنَّه كفرٌ حتَّى يعتقده…(1)

    قد بالغ الشيخ أبو هاشم وأصحابه وغيرهم فقالوا هذه الآية تدل على أَنَّ من لم يعتقد الكفرَ ونطقَ بصريحِ الكفر وبسَبِّ الرُّسُل أجمعين وبالبراءة منهم وبتكذيبِهم من غير إكراهٍ وهو يعلم أَنَّ ذلك كفرٌ أَنَّه لا يكفر وهو ظاهر اختيار الزمخشري في "كشافه" فإِنَّه فسَّر شرح الصدر بطيب النَّفس بالكفر وباعتقاده معاً واختاره الإمام يحيى عليه السلام والأمير الحسين بن محمَّد.

    وهذا كلُّه ممنوع لأمرين أحدهما معارضة قولهم بقوله تعالى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاثَةٍ( فقضى بكفرِ من قال ذلك بغير شرط (2) فخرج المُكْرَهُ بالنَّصِّ(3) والإجماع وبقي غيرُه فلو قال مكلَّفٌ مختارٌ غير مُكْرَهٍ بمقالة النَّصارى التي نصَّ القرآن على أَنَّها كفرٌ ولم يعتقد صِحَّة ما قال لم يكفِّروه مع أَنَّه لعلمه بقُبْحِ قولِه يجب أَنْ يكون أعظم إِثْماً من بعض الوجوهِ لقوله تعالى : (وَهُمْ يَعْلَمُونَ( فعكسوا وجعلوا الجاهلَ بذنبِه كافراً والعالِمَ الجاحدَ بلسانِه مع علمه مسلماً .

    الأمر الثاني: أَنَّ حجَّتهم دائرةٌ بين دلالتين ظنِّيَتَين قد اختلف

    فيهما في الفروع الظنية .إحداهما : قياسُ العامد على المُكْرَه والقطعُ على أَنَّ الإِكراهَ وصفٌ مَلْغِيٌّ مثل كون القائل بالثَّلاثة نصرانيَّاً وهذا نازلٌ جدَّاً ومثله لا يُقْبَلُ في الفُروع الظَّنِّيَّة . وثانيتهما : عموم المفهوم (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرَاً( فإِنَّه لا حُجَّة لهم في منطوقها قطعاً وفاقاً ؛ وفي المفهوم خلافٌ مشهورٌ هل هو حجَّة ظنِّيَّة مع الاتفاق على أَنَّه هنا ليس بحجَّة قطعيَّة ثم في إثبات عمومٍ له خلافٌ وحجَّتهم هنا من عمومه أيضاً وهو أضعفُ منه . بيانه أَنَّ مفهوم الآية ومن لم يشْرَح بالكفر صدراً فهو بخلاف ذلك سواءً قال كلمةَ الكفرِ بغيرِ إِكراهٍ أو قالها مع إكراهٍ فاحتُمِل أَنْ لا يدخل المختار بل رُجِّحَ أَنْ لا يدخل لأَنَّ سبب النُّزول في المُكْرَه والعموم المنطوق يضعفُ شمولَه بذلك ويختلف فيه فضعُفَ ذلك في الظَّنِّيَّات من ثلاث جهاتٍ . من كونه مفهوماً . وكونه عمومٌ مفهومٌ . وكونه على سببٍ مضادٍّ لمقصودهم))(1) .

    


علاء الدِّين عليُّ بن خليل الطرابلسيّ (الحنفيّ). ت:844هـ
((( فصل في الردة ) : نعوذ بالله منها، ونسأل الله حسنَ الخاتمة، وهي الكفرُ بعد الإسلام، ويكون بصريحٍ وبلفظٍ يقتضيه وبفعلٍ يتضمَّنُه… واللفظ الَّذي يقتضي الكفرَ كجحْدِهِ لمِا عُلِمَ من الشَّريعة ضرورةً كالصَّلاة والصِّيام… وأمَّا الفعل الذي يتضمَّن الكفر فمثل التردُّد في الكنائس والتزام الزّنار في الأعياد. انظر